كيف تجعل بطولات كرة القدم صديقة للبيئة
كأس العالم 2026 يترك بصمة بيئية ضخمة بسبب التنقل واستهلاك الطاقة. خَبَرَيْن يقترح صندوق مسؤولية مناخية رياضية يمول مشاريع استدامة ويقلل الانبعاثات لضمان تنظيم بطولة تحترم البيئة وتدمج الاستدامة في جوهرها.

منطق الحياد الكربوني بسيط في جوهره. حين يستهلك مبنى طاقةً، أو تُنتج مصنعٌ موادَّ خامّ، أو توزّع شركةٌ بضائعها حول العالم، أو تُشيّد مدينةٌ بنيتها التحتية فثمّة فاتورةٌ بيئية مرفقة بكلّ ذلك. يمكن حسابها، ويمكن تخفيضها، وحيث تبقى انبعاثاتٌ متبقّية بعد كلّ تخفيضٍ معقول، يجب المحاسبة عليها. هذا المنطق بالذات هو ما يُشكّل اليوم معيارَ الحكم على الشركات والمشاريع الحكومية ونشاطات المؤسسات المختلفة. ولا يوجد ما يُبرّر استثناء أكبر الأحداث العالمية من هذه المعادلة، بما فيها أضخم بطولات كرة القدم.
هذا أيضاً هو المنطق الذي تقوم عليه آليات تسعير الكربون والرسوم المرتبطة به. حكومات العالم باتت تُقرّ تدريجياً بأنّ تكاليف التلوّث يجب أن تُحتسب. قد يُلزَم قطاعٌ بعينه بالمحاسبة عن انبعاثاته الكثيفة من غازات الدفيئة عبر الضرائب وأسواق الكربون واشتراطات الإبلاغ الأكثر صرامة. الهدف الأساسي من هذه الآلية ليس عقوبة النشاط الاقتصادي، بل إظهار التكاليف التي ظلّت مخفيّة لعقود. التقنيات كثيفة الاستهلاك للطاقة أفادت البشرية طويلاً، لكنّ المناخ هو مَن دفع الثمن. ومن هنا، يسعى تسعير الكربون إلى معالجة هذا الخلل بطريقةٍ مباشرة.
يجب أن تخضع الرياضة للمعيار ذاته. الشركات التي تُشيّد مبانينا وتُمدّنا بالطاقة وتُوفّر وقود رحلاتنا الجوية وتُنتج سلعنا تُسأل باستمرار عن أثرها المناخي. غير أنّ الأحداث الرياضية الكبرى تحظى في الغالب بتدقيقٍ أخفّ وطأةً وأقلّ صرامة. كرة القدم جانبٌ رائع من الثقافة الإنسانية، لكنّها تترك بلا شكّ بصمةً بيئية كبيرة. حين تتنقّل الفرق والجماهير والرعاة و وسائل الإعلام والمعدّات عبر القارات من أجل بطولةٍ واحدة، فإنّ لذلك أثراً بيئياً لا يمكن تجاهله.
هذه المسألة لا يمكن تجنّبها في سياق كأس العالم FIFA 2026. البطولة التي انطلقت في 11 يونيو وتمتدّ حتى 19 يوليو أضخم من سابقاتها وتمتدّ على رقعةٍ جغرافية واسعة. 48 منتخباً يتنافس في 104 مباريات موزّعة على 16 مدينةً مضيفة في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، ما يعني أنّ الموردين والرعاة والصحفيين والمسؤولين والفرق والجماهير يتنقّلون عبر أمريكا الشمالية جوّاً في معظمهم. هذا الحجم من التنقّل له أثرٌ بيئي بالغ: تقديرٌ مستقلّ أجرته منصّة المحاسبة الكربونية Greenly يضع البصمة الإجمالية للبطولة عند نحو 7.8 مليون طنّ من مكافئ ثاني أكسيد الكربون (CO2e)، يتحمّل تنقّل الجماهير وحده ما يقارب 88 بالمئة منها. وبعيداً عن التنقّل، تستهلك عمليات الملاعب كمّياتٍ ضخمة من الطاقة في الإضاءة والتبريد والبثّ والأمن وخدمات الطعام، فضلاً عن احتياجات الإقامة للجماهير الوافدة. كلّ هذه العناصر تُضاف إلى البصمة الكربونية الإجمالية للحدث.
حجم البطولة يهمّ مالياً كما يهمّ بيئياً. وضعت FIFA في البداية ميزانيةً تستهدف نحو 11 مليار دولار من الإيرادات لدورتها 2023-2026، مع كأس العالم 2026 بوصفه أبرز أحداث تلك المرحلة، وقد راجعت هذا الهدف لاحقاً نحو الأعلى. هذا مبلغٌ ضخم. إن كان الحدث قادراً على توليد هذه الإيرادات الهائلة، فلا ينبغي أن تُعامَل الاستدامة كشعارٍ دعائي أو فكرةٍ تأتي في آخر القائمة. يجب أن تكون مُدمَجةً في طريقة تمويل البطولة والتخطيط لها. جزءٌ من هذا التمويل يجب أن يذهب نحو مبادرات الإرث البيئي وأبحاث المناخ والتنقّل المستدام والطاقة المتجدّدة والمحاسبة الكربونية وخفض الانبعاثات.
ندرك هذا المبدأ على المستوى الإنساني البسيط. من المُبهج أن نرى الجماهير تبقى بعد المباريات لتنظيف مقاعد الملاعب. إنّها إيماءةٌ صغيرة لكنّها بليغة؛ تقول إنّ الفرح لا يُعفي من المسؤولية، ولا يُبيح ترك الفوضى للآخرين. الأثر البيئي لكأس العالم FIFA يستحقّ المعاملة ذاتها. إن استطاعت الجماهير أن تلتقط نفاياتها، فبإمكان المنظّمات الكروية أيضاً أن تُقلّص الانبعاثات والتلوّث الناجمَين عن فعالياتها. تنظيف مقاعد الملاعب مشهدٌ مؤثّر، لكنّ تنظيف الأثر البيئي أهمّ بكثير.
لهذا السبب، أقترح إنشاء صندوق المسؤولية المناخية الرياضية. يُموَّل من حصّةٍ ثابتة من إيرادات البطولة ومساهمات FIFA والرعاة والمذيعين وسائر المستفيدين التجاريين، مع رقابةٍ مستقلّة تضمن الشفافية. ثمّة سابقةٌ لهذا النهج: صندوق المناخ الخاصّ ببطولة UEFA Euro 2024 استثمر قرابة 8 ملايين يورو في مشاريع استدامة قاعدية، من الألواح الشمسية ووحدات تخزين الطاقة إلى إضاءة LED ومحطّات شحن السيارات الكهربائية وأنظمة فرز النفايات. بُني ذلك الصندوق لبطولةٍ في دولةٍ واحدة وبحجمٍ أصغر بكثير، لذا ينبغي قراءته كدليلٍ على جدوى الفكرة لا كنموذجٍ قابل للتطبيق مباشرةً على بطولةٍ تمتدّ على ثلاث دول و104 مباريات. مهمّة الصندوق ستكون تقييم الانبعاثات المرتبطة بالبطولة، ثمّ تصميم حلولٍ تضع الحدث على مسارٍ موثوق نحو الحياد الكربوني. يتحقّق ذلك عبر جدولةٍ أذكى، و وسائل نقلٍ أقلّ تلويثاً، وطاقةٍ متجدّدة، وعمليات ملاعب أكثر كفاءة، وأنظمة نفاياتٍ أفضل. وأخيراً، سيدعم الصندوق مبادراتٍ بحثية مناخية لمعالجة الانبعاثات المتبقّية. تحديداً، يجب تقييم انبعاثات النطاق الأول والثاني والثالث (Scope 1, 2 and 3) المرتبطة بالتنقّل والإقامة والخدمات اللوجستية والغذاء والنفايات وطاقة الملاعب وذلك بصورةٍ مستقلّة. أعتزم إطلاق دراسةٍ بحثية للمساهمة في بناء هذه القاعدة المعرفية، ويُرحَّب بمشاركة الباحثين والجامعات ومتخصّصي الاستدامة والممولين الذين يؤمنون بأنّ الرياضة يمكن أن تكون ممتعةً ومسؤولةً في آنٍ واحد.
لا يحتاج كأس العالم أن يفقد بهجته كي يكون أكثر مسؤولية. ستبقى كرة القدم رياضةً تُثير الحماس وتجمع المجتمعات وتصنع ذكرياتٍ خالدة. لكنّ المستفيدين من هذا العشق العالمي يجب أن يُقرّوا بالكلفة البيئية لتنظيم هذا الحدث. مصطلح "الحياد الكربوني" لا ينبغي أن يُلصَق بالبطولة بعد انتهائها. يجب أن يكون مُدمَجاً في تخطيطها وتمويلها والاحتفاء بها منذ البداية.
