نينيو العملاق يهدد العالم بأحداث مناخية غير مسبوقة
ظاهرة النينيو العملاق تقترب من تسجيل أرقام قياسية قد تؤدي إلى كوارث جوية وجفاف وفيضانات حول العالم. تحذيرات من المنظمة العالمية للأرصاد تدعو للاستعداد لتداعيات شديدة قد تؤثر على الزراعة والأسعار. خَبَرَيْن

كانت أعين العلماء شاهرةً نحو المحيط الهادئ الاستوائي منذ أشهر، وهم يترقّبون ظهور ظاهرة النينيو (El Niño) بصورتها الأشدّ حدّةً تلك التي يُطلق عليها بعضهم "النينيو العملاق". والآن، تتجمّع المؤشّرات على أنّ هذه الظاهرة قد تُعيد رسم الحدود القصوى للشدّة المسجّلة تاريخياً، بما ينطوي عليه ذلك من تداعيات وخيمة على الأحداث الجوية المتطرفة في أرجاء المعمورة.
التوقّعات الصادرة عن المتخصّصين تُشير إلى أنّ النينيو ستتسارع وتيرة تعاظمها في المحيط الهادئ الاستوائي خلال الأشهر المقبلة، وأنّها ستبلغ مستويات قياسية من الشدّة بحلول ذروتها المتوقّعة في أواخر الخريف أو مطلع الشتاء. وقد بات يُشار إليها عامّيًا بـ"النينيو العملاق"، وهو مستوى لم تبلغه سوى أحداث نادرة خلال العقود الأخيرة، كان آخرها في الفترة الممتدّة بين 2015 و2016.
غير أنّ ما يُضفي على هذه الحلقة طابعاً استثنائياً هو أنّ بعض النماذج الحاسوبية باتت تتنبّأ بأنّ هذه النينيو قد تتجاوز في شدّتها كلّ الأحداث الموثّقة منذ عام 1950 على الأقلّ. وقد لخّص مايكل تيبيت، عالم الغلاف الجوي في جامعة Columbia، الأمر بقوله في رسالة إلكترونية: "أعتقد أنّه من المنصف القول إنّ التوقّعات بحسب النموذج المستخدَم تقترب من أن تكون غير مسبوقة."
ما هي ظاهرة النينيو؟
النينيو دورةٌ مناخية دورية تتمثّل في ارتفاع درجات حرارة المحيط فوق المعدّلات الطبيعية في منطقة المحيط الهادئ الاستوائي، مصحوبةً بتحوّلات في الأنماط الجوية تمتدّ تداعياتها إلى ما هو أبعد من تلك المنطقة بكثير. فخلال أحداث النينيو، تنتقل كمياتٌ هائلة من الحرارة من المحيط إلى الغلاف الجوي، فترتفع درجات الحرارة العالمية المتوسّطة وتتضاعف احتمالية وقوع أحداث جوية متطرفة في مختلف أنحاء العالم.
وقد مالت النماذج الحاسوبية الأحدث نحو توقّع شدّة أكبر عند الذروة مقارنةً بالمحاكاة السابقة، ممّا يعني احتمالاً أعلى لإحداث اضطرابات عالمية واسعة: فيضاناتٌ في مناطق، وجفافٌ في أخرى، وموجات حرّ وأضرار متنوّعة. وإلى جانب الكوارث الجوية، تُلقي النينيو بظلالها على الزراعة أيضاً؛ إذ من المعروف تاريخياً أنّها تُخفّض غلّة الأرزّ في الهند وسائر أجزاء آسيا، ممّا يُفضي إلى موجات تضخّم في أسعار الغذاء.
تحذيرات المنظمة العالمية للأرصاد الجوية
المنظمة العالمية للأرصاد الجوية (WMO)، الذراع الأممية المعنيّة بالطقس، تحثّ المسؤولين حول العالم على الاستعداد لتداعيات النينيو. وتسعى المنظمة إلى تعبئة وكالات الأمم المتحدة استعداداً للأحداث الشديدة التي قد تستدعي استجابةً إنسانية عاجلة.
وفي هذا الإطار، قالت الأمينة العامة للمنظمة سيليست سولو في بيانٍ رسمي: "ظروف النينيو قائمةٌ فعلاً، ومن المتوقّع أن تتصاعد بسرعة نحو حدثٍ قوي. وهذا سيُعظّم خطر موجات الحرّ البرّية والبحرية في مناطق كثيرة من العالم."
وللفترة الممتدّة من يوليو إلى سبتمبر، أصدرت المنظمة توقّعات للحرارة والهطول المطري تتوافق توافقاً وثيقاً مع الأنماط المعهودة لحدث نينيو قوي، وإن كانت تأثيرات النينيو تبلغ ذروتها عادةً خلال أشهر الشتاء في نصف الكرة الشمالي.
عامل المجهول: الاحترار العالمي
يقول زيك هاوسفاذر، عالم المناخ الذي يتابع عن كثب توقّعات نماذج النينيو: "الإجماع يتحوّل بوضوح نحو حدثٍ أشدّ قوّة." ويضيف: "تشغيلات النماذج تُظهر باستمرار احتمالات أعلى لحدثٍ بالغ القوّة مقارنةً بما كانت عليه قبل أشهر، وكلّ شهرٍ تأتي التقديرات أعلى من سابقه. والآن، احتمالات أن نشهد حدث نينيو قياسياً هذا العام باتت كبيرةً جداً."
لكنّ ثمّة متغيّراً جوهرياً يُضفي تعقيداً إضافياً على المشهد: كوكبٌ سخّنه الاحترار العالمي الناجم عن النشاط البشري. لم يسبق في التاريخ المرصود أن اقترنت نينيو بهذا المستوى المتوقّع من الشدّة مع خلفية حرارية كونية بهذا الارتفاع. درجات حرارة سطح البحر عالمياً تُسجّل مستويات قياسية، ودرجات حرارة الهواء تسير في مسار يُرجّح أن يجعل هذا العام ضمن أعلى خمس سنوات حرارةً في السجلّات.
هذا الوضع يفتح باب التساؤل: هل ستُعدّل الخلفية الحرارية للكوكب بعض التأثيرات المعتادة للنينيو؟ الإجابة لا تزال موضع جدل. فحدث النينيو الأخير بين 2023 و2024 لم يُفرز بعض التحوّلات الجوية النمطية المعروفة للعلماء بـ"الترابطات البعيدة" (teleconnections)، وإن كان ذلك الحدث أقلّ شدّةً ممّا يُتوقّع لهذا الحدث الراهن. والأحداث الأشدّ قوّةً هي الأكثر قدرةً على التأثير في الأنماط الجوية عبر قارات متعدّدة في آنٍ واحد.
تجدر الإشارة إلى أنّ بيان المنظمة العالمية للأرصاد الجوية لا يتناول الصلة المحتملة بين موجات الحرّ القياسية التي ضربت أوروبا وأمريكا الشمالية هذا الربيع والصيف وبين ظاهرة النينيو تحديداً وهذا تمييزٌ جوهري ينبغي مراعاته. فموجة الحرّ حدثٌ طقسي فردي، أمّا تصاعد وتيرة هذه الموجات وشدّتها عبر عقود، فتلك هي الإشارة المناخية. البيان يُظهر احتمالاً قوياً لدرجات حرارة فوق المعدّل العالمي خلال الفترة من يوليو إلى سبتمبر، لكنّه يتحاشى الربط السببي المباشر بين حدثٍ بعينه وظاهرة النينيو.
أخبار ذات صلة

نهر غوادالوبي: ما تركه وراءه من آثار

حرائق الغابات تحصد أول قتلى لخدمة الإطفاء الجديدة

الساعات الـ 72 الأولى بعد الزلزال: ماذا يحدث؟
