خَبَرَيْن logo

فرنسا تواجه أزمة التكييف بين الثقافة والسياسة

فرنسا تواجه موجة حر جديدة وسط أزمة مكيّفات الهواء التي تتحول لقضية سياسية بين مقاومة ثقافية وبيروقراطية وتعقيدات بيئية. تعرف على تفاصيل الصراع بين الراحة والهوية الوطنية في خَبَرَيْن.

أشخاص يحملون مظلات زرقاء في حرّ باريس أمام متحف اللوفر، مع تصاعد الجدل حول استخدام مكيفات الهواء في فرنسا.
يمرّ السياح الذين يحتمون من الشمس تحت المظلات بجانب الهرم الزجاجي لمتحف اللوفر في باريس بتاريخ 24 يونيو. أليس ساكو/رويترز
التصنيف:مناخ
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

نادراً ما تتحوّل مكيّفات الهواء إلى قضية سياسية تُسقط حكومات، لكنّ فرنسا تبدو اليوم على أعتاب ذلك بالضبط.

تستعدّ البلاد لموجة حرٍّ جديدة قبل أن تكون قد استعادت أنفاسها من الموجة السابقة. يتوقّع علماء الأرصاد عودة درجات الحرارة المرتفعة هذا الأسبوع، ومعها يعود السؤال الذي تكرّر مراراً في يونيو الماضي: لماذا تتردّد فرنسا في تشغيل مكيّفات الهواء؟

طوابير أمام Lidl وأبواب تنكسر تحت الضغط

بعض الفرنسيين بدأوا يأخذون الأمر بأيديهم. عشرات الأشخاص وقفوا في طوابير أمام عدد من متاجر Lidl في منطقة باريس الكبرى يوم الخميس، كلّهم يأملون في الحصول على وحدة تكييف. في أوبيرفيلييه، إحدى ضواحي باريس، انكسرت الأبواب تحت ضغط الحشود، واندلعت شجارات بين المتسوّقين. قال أحد الحاضرين :"رأيت أناساً يُدهَسون"، فيما أضاف آخر: "كنت في حالة صدمة، كانوا يدفعونني في كلّ الاتجاهات، وللأسف خرجت دون مكيّف."

الأرقام تكشف حجم الفجوة: نحو 24% فقط من الأسر الفرنسية تمتلك مكيّفات هواء وفق وكالة التحوّل الطاقوي الفرنسية ارتفاع ملموس من 18% قبل عامين، لكنّه يظلّ بعيداً جداً عن نسبة 50% المسجَّلة في إيطاليا المجاورة.

تقول Alexia، البالغة من العمر 26 عاماً وتقطن في ضواحي باريس، إنّها استسلمت حين علمت بقدوم موجة حرٍّ جديدة: "كلّ المكيّفات التي كنت أفكّر في شرائها كانت نافدة من المخازن. فاندفعت لشراء واحدة قبل أن تختفي كلياً."

في المقابل، 7% فقط من المدارس الفرنسية مجهَّزة بأجهزة تكييف، وأغلقت آلاف المدارس أبوابها الأسبوع الماضي حين أصبحت درجات الحرارة داخل الفصول لا تُطاق. ومع تسجيل أكثر من 2,000 وفاة زائدة خلال ستّة أيام في ذروة موجة حرّ يونيو وفق السلطات الصحية، بدأت المقاومة الثقافية الفرنسية لمكيّفات الهواء تتراجع.

ثقافة وتاريخ وبيروقراطية

ظلّ التكييف لفترةٍ طويلة مرتبطاً في الوجدان الفرنسي بصورةٍ نمطية: إنّه قبيح، صاخب، غير ضروري، وأمريكيّ بامتياز. وثمّة اعتقادٌ فرنسيٌّ راسخ بأنّ استنشاق الهواء المكيَّف يُسبّب المرض. في المقابل، تعتمد التقاليد المعمارية الفرنسية على الجدران الحجرية السميكة والنوافذ المغلقة بالمصاريع أساليب تبريد سلبية أثبتت جدواها حين كانت الصيفيات أكثر اعتدالاً.

ثمّ تأتي البيروقراطية. سمعة فرنسا في التعقيد الإداري تنطبق تماماً على تركيب مكيّفات الهواء. في المباني التي شُيِّدت في القرن التاسع عشر والتي تُشكّل ملامح باريس المعروفة، يجد السكّان أنفسهم في الغالب أمام رفضٍ صريح لتركيب الوحدات الخارجية، إذ تحمي قواعد التراث الطابعَ الموحَّد لأسطح المدينة وواجهاتها، المبنيّة في معظمها إبّان إعادة تخطيط العاصمة الكبرى على يد Georges-Eugène Haussmann في عهد نابليون الثالث. وفي المباني المشتركة، يستلزم تركيب أيّ وحدة ثابتة الحصول على موافقة هيئة الملكية المشتركة، وقد تُفرض إزالة الوحدات المركَّبة دون إذن قسراً.

فني يركب وحدة تكييف هواء خارجية على جدار مبنى في فرنسا بينما يشاهد شخصان من النافذة، في ظل موجة حرّ وتأخر انتشار التكييف.
Loading image...
يعمل مهندسو التدفئة على تركيب وحدة تكييف هواء في منزل بشمال فرنسا في 19 يونيو فرانسوا لو بريستي/وكالة الصحافة الفرنسية/صور غيتي

التكييف يدخل ساحة الانتخابات

مع اقتراب الانتخابات الرئاسية عام 2027، أصبح التكييف أرضاً سياسية خصبة. كان حزب التجمّع الوطني اليميني المتطرّف بقيادة Marine Le Pen الأعلى صوتاً في المطالبة بالتكييف، إذ دعا إلى إطلاق "plan clim "ي لتجهيز كلّ مدرسة ومستشفى، إلى جانب قروض حكومية مضمونة بدون فوائد بقيمة 23 مليار دولار لمساعدة 30 إلى 40 مليون أسرة على تركيب الوحدات.

على اليسار، تتباين المواقف. حزب الخضر، الأشدّ تاريخياً في رفض التكييف، يُعيد النظر في موقفه؛ إذ أقرّت زعيمته Marine Tondelier بأنّ التبريد بات ضرورياً على أقلّ تقدير في بعض المدارس والمستشفيات. في المقابل، حذّر زعيم حزب فرنسا الأبيّة اليساري الراديكالي Jean-Luc Mélenchon من التوسّع في التكييف، معتبراً أنّ تركيبه في كلّ مكان "يعني إلحاق مزيدٍ من الضرر."

الحكومة تقف في المنتصف تُقرّ وحدات تكييف طارئة للمستشفيات، لكنّها تتحاشى الظهور بمظهر من يتخلّى عن مقاربة فرنسا القائمة على العزل الحراري أوّلاً. وقد كشف الجدل عن عمق الاحتقان السياسي حين تقدّم حزب الخضر بملتمس رقابة ضدّ الحكومة يوم الخميس بسبب طريقة تعاملها مع موجة الحرّ. من المستبعد أن يمرّ الملتمس، لكنّه يُعبّر عن مدى تسييس هذه المسألة.

الكربون والتناقض الفرنسي

صِيغت المقاومة البيئية للتكييف على أساس أنّه يُسهم مباشرةً في تغيّر المناخ من خلال الطاقة التي يستهلكها. غير أنّ هذه الحجّة تصطدم في فرنسا بواقع مختلف: نحو 95% من الكهرباء الفرنسية تأتي من مصادر منخفضة الكربون، مع الطاقة النووية وحدها التي تُوفّر قرابة ثلثَي هذا الإنتاج. تشغيل مكيّف على هذه الشبكة ينطوي على كلفةٍ كربونية تُعدّ جزءاً يسيراً ممّا يُنتجه الجهاز ذاته في دول كبولندا أو ألمانيا، حيث لا تزال الوقود الأحفوري تُشكّل حصّة أكبر بكثير من توليد الكهرباء.

لكنّ ثمّة تأثيراً محلياً حقيقياً لا يمكن إغفاله: التركيز المكثَّف لمكيّفات الهواء يرفع درجات حرارة المدن عبر الحرارة المُهدَرة. وهذه ظاهرةٌ محلية النطاق، تختلف جوهرياً عن الاحترار العالمي المدفوع بالانبعاثات الكربونية، لكنّها تُعمّق التفاوتات بين من يملك مكيّفاً ومن لا يملكه.

يُضيف الناشطون البيئيون حجّةً أخرى: إنّ النقاش اختُزل في ثنائية مُبسَّطة مكيّف أم لا مكيّف ما حوّل التركيز نحو معالجة الأعراض بدلاً من مواجهة الأسباب.

لكنّ هذا التمييز النظري، مهما كان وجيهاً، يصعب الإمساك به حين تتجاوز الحرارة حدود الاحتمال. فبالنسبة لعددٍ متزايد من الفرنسيين، بات التعامل مع أعراض تغيّر المناخ ضرورةً لا تحتمل التأجيل بصرف النظر عمّا يفعله الفرد لمكافحة أسبابه.

أخبار ذات صلة

Loading...
رجل يسحب الماء يدوياً من بئر عميق في كابل مع خلفية جبلية، يعكس أزمة ندرة المياه الجوفية في أفغانستان.

مدينة تواجه أزمة المياه: النهاية قد تكون قريبة أقرب مما يتوقّع السكان

تعاني كابل من أزمة مياه حادة تهدد ملايين السكان بسبب انخفاض المياه الجوفية والجفاف المستمر. اكتشف كيف تؤثر هذه الأزمة على الحياة اليومية في المدينة وكن جزءًا من الحل. اقرأ المزيد الآن!
مناخ
Loading...
باحثان يجريان دراسة ميدانية في منطقة حرائق غابات يلوستون، تظهر الأرض محترقة وجذوع أشجار متفحمة مع ضعف تجدد الأشجار بسبب الحرائق الشديدة.

حرائق الغابات الأمريكية تُعيد تشكيل المناظر الطبيعية.. ونقطة اللاعودة تقترب

تشهد غابات أمريكا تحوّلاً جذرياً بعد حرائق أشد حرارةً وأسرع انتشاراً، حيث تحل الشجيرات محل الأشجار القديمة. اكتشف كيف تؤثر هذه الظاهرة على المناخ ومستقبل الغابات. تابع القراءة لتعرف المزيد.
مناخ
Loading...
خريطة توضح مواقع العواصف المدارية والإعصارات النادرة في المحيط الأطلسي خلال موسم 2026 مع تأثير ظاهرة النينيو على نشاط الأعاصير.

النينيو يُوقف الأعاصير: هل يستمرّ الهدوء الأطلسي؟

شهد المحيط الأطلسي في سبتمبر الحالي ظاهرة نادرة بعدم تسجيل أي إعصار، نتيجة تأثير النينيو وقصّ الرياح القوي، ما قد يجعل موسم 2026 الأكثر استثنائية منذ 76 عاماً. اكتشف التفاصيل وكيف يؤثر ذلك على المناخ.
مناخ
Loading...
بطاريق تقف على جليد متصدع في القطب الجنوبي، مما يعكس تأثيرات الاحترار العالمي وذوبان الجليد القطبي على النظم البيئية البحرية.

العلماء يحذّرون من تحوّلاتٍ عميقة تجتاح محيطات الأرض

تشهد المحيطات ارتفاعاً قياسياً في امتصاص الحرارة مع تسارع ظاهرة النينيو، ما يهدد النظم البيئية ويدفع مستويات البحار للارتفاع. اكتشف كيف تؤثر هذه التغيرات على كوكبنا وكن جزءاً من الحل.
مناخ
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمتكنولوجيااقتصادصحةتسلية