خَبَرَيْن logo

حياة الفنزويليين بين التضخم والآمال الاقتصادية

تحت وطأة التضخم، يتجول الفنزويليون في مراكز التسوق دون شراء، بينما يبرز تفاؤل حذر بإصلاحات اقتصادية. تعرف على واقع الحياة اليومية والتحديات التي تواجهها البلاد في ظل التغيرات السياسية والاقتصادية. خَبَرَيْن.

تظهر الصورة Delcy Rodríguez، رئيسة فنزويلا بالإنابة، تتحدث في تجمع عام، مرتدية قميصًا برتقاليًا، مع وجود شخصين خلفها.
تحدثت الرئيسة المؤقتة لفنزويلا، ديلسي رودريغيز، خلال حدث إطلاق حملة "الحج من أجل السلام ودون عقوبات"، وهي حملة وطنية تدعو الولايات المتحدة إلى رفع العقوبات، في ماراكايبو، فنزويلا، في 19 أبريل 2026. إيزاك أوروثيا/رويترز
التصنيف:اقتصاد
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

-في أحد مراكز التسوق الكبرى في شرق كراكاس، يبدو المشهد يوم الجمعة يوم الرواتب صاخباً للوهلة الأولى: ممرّات مكتظّة، وواجهات متاجر مضاءة بعناية، ورفوف ممتلئة. لكنّ كثيراً من الزوّار يدخلون ويخرجون بأيدٍ فارغة.

يتجوّل المتسوّقون، يتفرّجون، يقارنون الأسعار، ثمّ ينصرفون دون أن يشتروا شيئاً يُذكر. الاستثناء الوحيد كان محلّ علامةٍ تجارية دولية شهيرة للملابس الداخلية، حيث تشكّل طابورٌ أمام بابه إثر إعلانه عن تخفيضاتٍ على بعض المنتجات.

هذا المشهد حديث، لكنّه يعكس واقعاً كان قائماً قبل 3 يناير يوم اعتُقل الرئيس السابق نيكولاس مادورو وزوجته سيليا فلوريس في عمليةٍ أمريكية في العاصمة.

في منطقة المطاعم داخل المركز التجاري، يلجأ كثير من الزبائن إلى تطبيقٍ يمنح خطوط ائتمانٍ صغيرة مرتبطة بعددٍ من المحلات، تُسدَّد لاحقاً على أقساط. وقد انتشر استخدام هذا التطبيق انتشاراً واسعاً، لا سيّما لشراء الملابس والأجهزة المنزلية، بل يمتدّ ليشمل كلّ شيء من وجبة برغر إلى مشتريات البقالة.

يجري كلّ هذا في بلدٍ يرزح تحت وطأة التضخّم المفرط، ويفرض نظامٌ الاحتياطي القانوني المصرفي قيوداً تحول دون حصول معظم المواطنين على بطاقات ائتمانية.

وعلى الرغم من موجة التفاؤل بإمكانية إصلاحٍ سياسي واقتصادي، يؤكّد فنزويليون أنّ حياتهم اليومية لم تتغيّر، حتى بعد الإعلانات عن استثماراتٍ وتوقّعاتٍ بنموٍّ اقتصادي. ثلاثة أشهر من الحدّ الأدنى للأجور لا تساوي اليوم دولاراً واحداً، والمال يدخل الجيوب ويخرج منها بسرعةٍ مذهلة في ظلّ تضخّمٍ حادٍّ تقوده ارتفاعاتٌ متواصلة في أسعار الوقود والغذاء.

التضخّم يتواصل في المئة يومٍ الأولى من حكومة Delcy Rodriguez

مضى أكثر من 100 يومٍ على أداء Delcy Rodríguez اليمين رئيسةً بالإنابة لفنزويلا. وفي إطار هذه المرحلة الجديدة من العلاقات مع الولايات المتحدة التي تعهّدت بدعم فنزويلا خلال مرحلة الاستقرار الاقتصادي والانتقال السياسي جاءت بعض الإعلانات الملموسة.

من أبرزها تخفيف العقوبات التي فرضتها وزارة الخزانة الأمريكية على البنك المركزي الفنزويلي وبنك فنزويلا وعددٍ من المؤسّسات المصرفية الأخرى، وهو ما يفتح الباب أمام انخراطٍ أوسع في الأسواق العالمية وزيادةٍ في تدفّقات العملة الأجنبية. يُضاف إلى ذلك استئناف المحادثات بين الحكومة الانتقالية وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي.

مضخة وقود خضراء في محطة، تُظهر ارتفاع الأسعار وتأثير التضخم على الحياة اليومية في فنزويلا، حيث يواجه المواطنون تحديات اقتصادية.
Loading image...
عرض لمضخة وقود في محطة بنزين في كاراكاس، تم التقاطه في 18 فبراير 2026. خوان بارريتو/وكالة الصحافة الفرنسية/صور غيتي.

وفي خطابٍ ألقته في 19 أبريل، أشارت Rodríguez إلى التوقّعات المعلّقة على التحسّن الاقتصادي منذ انتقال السلطة في 3 يناير، قائلةً: "أُدرك حجم التوقّعات العالية لدى شعبنا، وفِرَقُنا تعمل لتحقيق تحسيناتٍ في إطارٍ زمني معقول."

وأشارت إلى جملةٍ من المؤشّرات الاقتصادية، مؤكّدةً أنّ "الناتج المحلّي الإجمالي ينمو بنحو 9%، في ظلّ 20 ربعاً متتالياً من التوسّع"، معربةً عن أملها في أن يترجم هذا النموّ إلى مزيدٍ من فرص العمل والدخل والفرص الملموسة للمواطنين. وأضافت أنّ "هذا النموّ سيُحسّ به في الأشهر المقبلة أكثر ما يكون لدى من يحتاجونه أشدّ الحاجة."

وفي أعقاب إصلاح قانون الهيدروكربونات وقانون التعدين، أكّدت Rodríguez أنّ فنزويلا تدخل مرحلةً جديدة تستهدف جذب الاستثمارات من خلال قواعد واضحة، مشيرةً إلى أنّ شركاتٍ عديدة أبدت اهتمامها بالاستثمار في البلاد، وأنّ الإنتاج النفطي يبلغ حالياً 1.1 مليون برميل يومياً.

غير أنّ الواقع الاقتصادي الفنزويلي لا يزال يتّسم بالتناقضات الحادّة. فعلى النقيض من مركز التسوّق المكتظّ، تبدو كثيرٌ من الأحياء التجارية في المدينة شبه مهجورة، ومحلّاتها موصدة. ثمّة ازدهارٌ في قطاع المطاعم، لكنّ بعضها يفتح أبوابه ويغلقها في غضون أشهرٍ قليلة. ويسارع الناس إلى إنفاق البوليفارات التي يكسبونها على الضروريات قبل أن تفقد قيمتها في مواجهة موجة التضخّم. والضائقة الاقتصادية باتت جزءاً من إيقاع الحياة اليومية؛ فالبروتينات، مثلاً، اختفت من موائد كثيرٍ من الفنزويليين بسبب أسعارها، إذ يتراوح سعر كيلوغرام اللحم بين 7 و 10 دولارات.

قطاع الأعمال يبحث عن مساراتٍ جديدة

في كثيرٍ من المحلّات التجارية، يثقل الواقع كاهل أصحابها وهم ينتظرون أوقاتاً أفضل. تاجرٌ فضّل عدم الكشف عن هويّته لأسبابٍ أمنية قال أنّه يُصفّي متجره من نوع "البوديغون" (bodegón) تلك المحلّات المتخصّصة التي ميّزت الاقتصاد الفنزويلي في عامَي 2019 و 2020 كانعكاسٍ لسوقٍ تهيمن عليه الواردات.

"لم يعد هذا نشاطاً تجارياً مجدياً"، يقول. ويعتزم لذلك التحوّل نحو قطاعٍ مختلف يتمحور حول السلع المنزلية، في محاولةٍ للتكيّف مع مستهلكٍ بات أكثر حذراً في إنفاقه.

وفي الوقت الذي تتراجع فيه محلّات "البوديغون" عن المشهد الاقتصادي، يبرز قطاع وكالات السيارات بقوّة. تتكاثر الوكالات في ظلّ وعودٍ بالرخاء الاقتصادي، في بلدٍ باتت فيه حظيرة السيارات متقادمةً بفعل الأزمة الاقتصادية، وأغلقت فيه كثيرٌ من مصانع التجميع أبوابها في السنوات الأخيرة. ويُرافق هذا العرض من السيارات توفّرُ تسهيلاتٍ ائتمانية بالدولار تقدّمها شركاتٌ خاصة ووكالاتٌ وبعض البنوك، وإن ظلّ ذلك خياراً لا يتاح إلّا للأقلّية.

أمّا الأغلبية، فمعركتها مع الأساسيات لا تنتهي. العمّال والمتقاعدون يطالبون بدخلٍ أفضل، ومن بينهم Ángel García الذي اشتُهر بتظاهره حاملاً عظمةً كبيرة في يده.

مشهد مزدحم في مركز تسوق بكراكاس، حيث يتجول المتسوقون بين المحلات، مع وجود طابور أمام متجر للملابس الداخلية بسبب التخفيضات.
Loading image...
يمشي الناس بينما تنعكس صورهم في بركة ماء على الشارع بالقرب من المتاجر التجارية في كاراكاس، فنزويلا، 31 يناير 2026. ماكسويل بريسينو/رويترز

حين سُؤل عمّا يرمز إليه، أوضح أنّ الحدّ الأدنى للأجر الشهري يبلغ 130 بوليفاراً ما يعادل نحو 0.27 دولار وأنّ شراء تلك العظمة يستلزم جهداً حقيقياً. قال إنّها تعبّر عن حزن الناس، ولا سيّما كبار السنّ، في فنزويلا الغنيّة بالنفط والفقيرة في آنٍ واحد. ويتألّم García لأنّه كثيراً ما يجد نفسه أمام خيارٍ قسري: إمّا الأكل وإمّا ركوب الحافلة.

García فنّيٌّ إنشائيٌّ كبير وموظّفٌ حكومي سابق بخدمةٍ تمتدّ 38 عاماً، ولا يخفي الإحباط الذي دفعه للعودة إلى شوارع كراكاس احتجاجاً، واصفاً واقعاً يسمه الهشاشة من كلّ جانب.

وفي خطابٍ ألقته في 8 أبريل، أكّدت Rodríguez أنّها ستُعلن بحلول عيد العمّال في الأوّل من مايو عن زيادةٍ "مسؤولة" في الأجور، وأنّه مع استقرار الأوضاع الاقتصادية يمكن البتّ في تعديلاتٍ إضافية على دخل العمّال.

الخيار الصعب الذي يواجهه كثيرٌ من الفنزويليين

رجلٌ في الحادية والسبعين من عمره، فضّل هو الآخر عدم الكشف عن هويّته لأسبابٍ أمنية، أخبر أنّه يرى في نفسه تجسيداً حيّاً للمعاناة التي يعيشها البلد. يبدو عليه التعب، لكنّ في عينيه إصراراً في مواجهة يومياتٍ تحكمها شحّة الدواء والغذاء وانعدام الأمن.

"أنا أعيش كلّ واحدةٍ من الكوارث التي يعانيها الفنزويليون"، يقول بحسمٍ. يعيش مع زوجته، وكلاهما يتقاضى الحدّ الأدنى للدخل الشهري. يشرح أنّهما إن اشتريا الدواء "جاعا"، وإن اشتريا الطعام عجزا عن تحمّل تكاليف العلاج.

العجز عن الحصول على الاحتياجات الأساسية هو همّه الأكبر. أسعار الغذاء تفوق الدخل بمراحل. "الرفوف قد تكون ممتلئة، لكنّ المال لا يكفي"، يقول. وأعمق ما يقلقه هو مستقبل عائلته: "لا أريد أن أتركهم هذا الإرث."

في انتظار التحسينات الموعودة

النائب السابق في المعارضة والاقتصادي José Guerra أوضح أنّه "في 100 يومٍ لا يمكن لأحدٍ أن يتوقّع رؤية تحسينات اقتصادية في أيّ مكان." غير أنّه أكّد أنّه لا يساوره أدنى شكٍّ في أنّ الاقتصاد الفنزويلي سيتحسّن.

في رأي Guerra، يجب أن تنصبّ الخطوات الأولى على استقرار سعر الصرف وكبح التضخّم، حتى يبدأ المواطنون في الشعور بشيءٍ من الارتياح الاقتصادي. واستناداً إلى أرقام البنك المركزي الفنزويلي، بلغ معدّل التضخّم السنوي 650% في مارس الماضي.

امرأة تسير في أحد شوارع كراكاس، تحمل أكياسًا، بينما يمر المتسوقون في الخلفية، مما يعكس الحياة اليومية في ظل التضخم.
Loading image...
شخص يمشي حاملاً أكياساً أثناء التسوق في سوق شعبي في حي بيتاري بعد القبض على نيكولاس مادورو على يد القوات الأمريكية في 8 يناير 2026 في كاراكاس، فنزويلا.

ويرى Guerra أنّ الزيادة الموعودة في الحدّ الأدنى للأجور مقترنةً بتباطؤ تراجع قيمة البوليفار أمام الدولار قد تتيح للمواطنين الشعور بأوّل جرعةٍ من الانفراج. لكنّه يوضّح أنّ التغييرات الهيكلية الأعمق لن تُحسّ آثارها على الأرجح قبل اقتراب نهاية النصف الثاني من عام 2026.

"النموّ الاقتصادي يستغرق وقتاً أطول؛ فهو يتطلّب استثماراتٍ وتوظيفاً، وذلك يأخذ وقته"، يقول.

ويلفت إلى أنّ البنك المركزي رفع حجم إمداداته من الدولارات للقطاع المصرفي الخاصّ خلال المئة يومٍ الماضية، ممّا عزّز تدفّق العملة الأجنبية. وهذه الخطوة، بحسب تقديره، ستُفضي إلى أثرٍ إيجابي ملموس، لا سيّما على صعيد استقرار سعر الصرف وتضييق الفجوة بين سعر الدولار الرسمي وسعره في السوق الموازية وهو أحد أبرز الاختلالات التي تُلحق الضرر بالاقتصاد الفنزويلي في الوقت الراهن.

مع انطلاق الربع الثاني من العام، يتصاعد نفاد صبر كثيرٍ من الفنزويليين في انتظار أن تتحوّل الوعود إلى واقع ملموس. لكنّ الرخاء الاقتصادي، في نظر الكثيرين، لا يمكن أن يكتمل دون تغييرٍ سياسي يضمن الاستقرار على المدى البعيد. وكلا الأمرَين لا يلوح في الأفق القريب.

أخبار ذات صلة

Loading...
شخصان يستخدمان الهاتف المحمول للدفع الإلكتروني في سوق محلي يعكس ارتفاع الإنفاق الاستهلاكي في الاقتصاد الأمريكي.

النمو الاقتصادي الأمريكي في الربع الثاني أقلّ من التوقّعات

شهد الاقتصاد الأمريكي تباطؤاً في النمو إلى 1.5% بالربع الثاني رغم ارتفاع الإنفاق الاستهلاكي 3.2% والاستثمار في الذكاء الاصطناعي. اكتشف تأثير هذه العوامل على المستقبل الاقتصادي واطلع على التفاصيل.
اقتصاد
Loading...
رئيس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي كيفن وورش خلال جلسة استماع رسمية وسط مناقشات حول أسعار الفائدة والسياسة النقدية في ظل التضخم وارتفاع أسعار الوقود.

أسعار الفائدة الأمريكية على حالها وسط مخاوف من استمرار التضخّم

ثبّت الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة رغم الضغوط التضخمية وارتفاع أسعار الوقود بسبب التوترات الأمريكية الإيرانية. اكتشف كيف تؤثر هذه القرارات على الأسواق والمستهلكين، وكن على اطلاع بأحدث التطورات الاقتصادية.
اقتصاد
Loading...
شعار مجلس محافظي الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي على واجهة مبنى يعكس الغموض حول سياسات أسعار الفائدة والتضخم.

بيانات متضاربة تحيّر الاحتياطي الفيدرالي

تتصاعد المخاوف حول التضخم في الاقتصاد الأمريكي وسط صمت الاحتياطي الفيدرالي عن أسعار الفائدة وتصاعد أسعار النفط. اكتشف كيف تؤثر هذه المتغيرات على الأسواق وفرص الاستثمار الآن.
اقتصاد
Loading...
رافعات حاويات في ميناء بحري مع حاويات شحن ملونة، تعكس فرض الولايات المتحدة رسوم جمركية جديدة على واردات 60 دولة بسبب العمالة القسرية.

ترامب يفرض رسوماً جمركية بنسبتين أو أكثر على عشرات الدول

تستعد الولايات المتحدة لفرض رسوم جمركية بين 10 و12.5% على واردات 60 دولة بسبب العمالة القسرية، في خطوة تهدف لحماية الصناعة الأمريكية . اكتشف التفاصيل الآن!
اقتصاد
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمتكنولوجيااقتصادصحةتسلية