خَبَرَيْن logo

السر الملكي للسكيثيين ودور النسب في السلطة

اكتشف كيف كشفت دراسة جينية حديثة أن نخب الغزاة الرحل السكيثيين وراثوا السلطة والمكانة الاجتماعية بالدم والنسب، مع دور بارز للمرأة في المجتمع، مما يعيد رسم صورة هذه الحضارة عبر خَبَرَيْن.

تل دفن سكيثي ضخم في سهول أوراسيا يعكس التراتبية الاجتماعية في العصر الحديدي ومكانة النخب الرحل.
كانت تلال دفن النخبة لدى السكيثيين ضخمة للغاية. يبلغ ارتفاع هذا التل في موقع شيليكتي بكازاخستان نحو 30 قدمًا، وقطره 289 قدمًا. رينات زوماتاييف
التصنيف:علوم
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

طفلٌ عمره عامٌ واحد، يُدفن في قبرٍ ملكي محاطٍ بالذهب والسلاح والخيول لم يكن قد أنجز في حياته القصيرة ما يستحقّ هذا التكريم، لكنّه وُلد في العائلة الصحيحة. هذا المشهد الأثري، المستخرَج من سهول أوراسيا الشاسعة، يختزل اكتشافاً علمياً بالغ الأهمية: الغزاة الرُّحَّل السكيثيون في العصر الحديدي لم يكونوا مجرّد محاربين يتوارثون السيف، بل كانوا يتوارثون السلطة والمكانة الاجتماعية بالدم والنسب.

هذا ما خلصت إليه دراسةٌ حديثة نُشرت في مجلة Science Advances، استندت إلى تحليل الحمض النووي لـ85 فرداً من مقابر سكيثية تعود إلى العصر الحديدي: 38 منهم من النخب المدفونة في تلالٍ ضخمة، و47 من عامة الشعب. النتائج تكشف لأول مرة بدليلٍ جيني مباشر أنّ الطبقية الاجتماعية والحكم الأسري كانا سمةً راسخة في هذه الحضارة الرُّحَّلة.

"الرجل الذهبي" رمزٌ يفتح أبواب الماضي

تمثال يمثل "الرجل الذهبي" السكيثي يرتدي زيًا ملكيًا مزخرفًا بالذهب مع عباءة حمراء وسيف، رمز للسلطة والنبل في العصر الحديدي.
Loading image...
إعادة بناء لـ"الرجل الذهبي"، شاب سكيثي نخبوي تم اكتشافه عام 1969 في مقبرة إيسيك بكازاخستان. غولميرا مختاروفا

في عام 1969، كُشف النقاب في كازاخستان عن مقبرة استثنائية باتت تُعرف بـ"الرجل الذهبي"، تعود إلى الفترة الممتدة بين 400 و300 قبل الميلاد. لم يكن المدفون مجرّد محاربٍ ثري؛ فقد احتوت مقبرته على أسلحة حديدية، وقطع برونزية، وطاسةٍ فضية، وأكثر من 4,000 قطعة ذهبية. أثبت التحليل الجيني أنّ هذا الفرد كان ذكراً على الأرجح، وينتمي إلى المجموعة الفرعية الجنوبية من السكيثيين المعروفة بالـSaka.

لكنّ القيمة الحقيقية لهذه الدراسة لا تكمن في هوية "الرجل الذهبي" وحده، بل في الصورة الأشمل التي رسمتها البيانات الجينية لمجتمعٍ بأسره. فقد كشف التحليل أنّ النخب السكيثية يجمعها قدرٌ كبير من التشابه الجيني ما يُعرف علمياً بـ"التماثل الزيجوتي" (homozygosity) وهو مؤشّرٌ على أصولٍ مشتركة وروابط قرابية وثيقة. بل وُجدت صلاتٌ عائلية بين نخبٍ دُفنت في مواقع تبعد بعضها عن بعض ما يصل إلى 100 كيلومتر.

وتقول Ainash Childebayeva، الأستاذة المساعدة في علم الأنثروبولوجيا بجامعة University of Texas at Austin والمؤلفة الرئيسية للدراسة، في تفسيرها لظاهرة الطفل المدفون بهذا الأسلوب الملكي: "بالنسبة لي، كان هذا أيضاً دليلاً على أنّ هذه المكانة كانت موروثة. لو كانت المكانة تُكتسب بالجدارة، فإنّ طفلاً عمره عامٌ واحد لم يفعل شيئاً في حياته يستحق عليه هذا الدفن. إذن هو يستحقّ هذا الحق لمجرّد أنّه وُلد في عائلةٍ بعينها."

تلالٌ للموتى تروي قصة الأحياء

موقع أثري ضخم لتل دفن سكيثي من العصر الحديدي في سهول أوراسيا يظهر هيكل حجري معقد يعكس التراتبية الاجتماعية والدفن الملكي.
Loading image...
تُظهر الصورة من الأعلى تلًا دفينًا بعد بدء أعمال التنقيب، وقد تم تأريخه بين القرنين الثامن والسابع قبل الميلاد. رينات زوماتاييف

لم تكن المقابر السكيثية النخبوية مجرّد حفرٍ في الأرض؛ كانت إنشاءاتٍ معمارية ضخمة تعكس ثروةً هائلة وتنظيماً اجتماعياً متطوراً. بلغت بعض هذه التلال (الكورغانات) ارتفاعَ 15 متراً وقطراً يصل إلى 105 أمتار، وتضمّنت ممرّاتٍ وغرفاً جانبية وكاتاكومبات، وأُودع فيها أحياناً حيواناتٌ أو ذوو المتوفَّى. وأظهرت بعض الرفات آثار تحنيطٍ أو ثقبٍ في الجمجمة بعد الوفاة وهو ما يُعرف بالتريبانيشن (trepanation) ربّما لتيسير نقل الجثمان إلى موقع الدفن المخصّص للعائلة.

وتُعلّق Childebayeva على ذلك قائلةً: "من المنطقي أن يُبنى تلٌّ لدفن هذا الشخص، أو أن يُنقل إلى موقعٍ محدد حيث سيُدفن" وهو ما يدلّ على أنّ مكانة الفرد كانت تستوجب هذا الجهد الاستثنائي حتى بعد وفاته.

والمفارقة اللافتة أنّ هذا المستوى من التراتبية الاجتماعية غائبٌ كلياً في العصر البرونزي السابق. تساءلت Childebayeva بصراحةٍ علمية: "لماذا نرى هذا في العصر الحديدي في حين لا نرى المستوى ذاته من التطبّق الاجتماعي في العصر البرونزي؟ ما العوامل التي أفضت إلى بروز هذا التفاوت؟" وهو سؤالٌ لا تزال الأبحاث تسعى للإجابة عنه.

المرأة السكيثية — محاربةٌ أم كاهنة؟

قطع ذهبية وزينة أثرية متنوعة من مقابر السكيثيين تعكس ثروة ونفوذ النخب في العصر الحديدي.
Loading image...
تم اكتشاف حُلي ذهبية في موقع دفن إليكي سازي في شرق كازاخستان. زينولا ساماشيف

ربّما يكون الجانب الأكثر إثارةً في هذه الدراسة هو ما كشفته عن مكانة المرأة في المجتمع السكيثي. فمن بين الـ38 فرداً من النخب الذين خضعوا للتحليل، كان ما يقارب النصف من الإناث وهنّ يتمتّعن بالمقابر ذاتها التي تحتوي على ثقوب الجمجمة، والممرّات المزخرفة، والخيول، والملابس الفاخرة، والقطع الأثرية الثمينة.

ولعلّ أبرز هؤلاء "أميرة أورزهار"، التي دُفنت وهي ترتدي تاجاً ذهبياً، وعُثر في مقبرتها على مذبحٍ حجري ونباتاتٍ طبية، مما يوحي بأنّها ربّما اضطلعت بدورٍ شامانيٍّ (shamanic) في مجتمعها أي دورٍ روحيٍّ وعلاجيٍّ في آنٍ واحد.

وتُشير Childebayeva إلى تعقيد هذا المشهد: "من المثير للاهتمام أن نرى أنّ المكانة الاجتماعية لم تكن متجانسةً على الأرجح، وأنّها كانت تعني أشياءً مختلفة." وتُضيف أنّها تعتزم في أبحاثها المستقبلية "استكشاف دور الإناث في المجتمع السكيثي والأدوار المختلفة التي ربّما اضطلعن بها."

وقد أثنت Alicia R. Ventresca-Miller، الأستاذة المشاركة في علم الأنثروبولوجيا بجامعة University of Michigan، على منهجية الدراسة قائلةً إنّ "هذا البحث يقوم بعملٍ رائع في دمج النتائج الجينية والأثرية والنصية لدعم تفسيراتهم للمكانة القائمة على النسب." وأضافت أنّ "نظام النخب القائم على النسب يُعدّ اكتشافاً بالغ الأهمية، إذ كانت الثروة تنتقل عبر الأجيال."

ما تكشفه هذه الدراسة يتجاوز حدود التاريخ القديم؛ فهي تطرح تساؤلاتٍ جوهرية حول كيفية نشوء اللامساواة الاجتماعية في المجتمعات البشرية، وكيف تتحوّل الثروة الفردية إلى نظامٍ أسري موروث. وفي ظلّ التقدّم المتسارع في علم الجينوم الأثري، قد تكشف المقابر الأوراسية التي لم تُحفر بعد عن مزيدٍ من الإجابات وربّما عن أسئلةٍ أكثر تعقيداً مما نتوقّع.

أخبار ذات صلة

Loading...
ساعة غرينتش الملكية التاريخية على جدار مبنى في مرصد غرينتش بلندن، رمز قياس الوقت الفلكي والتوقيت العالمي المنسق.

تذبذب دوران الأرض قد يُعيد تعريف الثانية الكبيسة

هل تنهي الثانية الكبيسة فوضى الأنظمة الرقمية وتغير مفهومنا عن الوقت؟ اكتشف كيف سيؤثر هذا القرار الدولي على مستقبل التوقيت العالمي وكن جزءاً من النقاش.
علوم
Loading...
مستعمرة كبيرة من بطاريق الحنجرة السوداء على جزيرة بركانية نائية في المحيط الجنوبي، تعاني تراجعاً حاداً بسبب الاحترار العالمي.

هذه الجزيرة كانت موطنًا لأكبر مستعمرة للبطريق على الكواكب، لماذا فقدت هذا اللقب للتو؟

في جزيرة زافودوفسكي النائية، تراجع عدد بطريق الحنجرة السوداء بنسبة 63% منذ 2011 بسبب الاحترار العالمي وتأثيره على الغذاء. اكتشف التفاصيل المذهلة واستكشف تأثير التغير المناخي على الحياة البرية الآن.
علوم
Loading...
نقوش فرعونية في معبد أبيدوس تظهر ملوكاً وخدمًا، تعكس ممارسات دفن الخدم وتضحية الخدم في مصر القديمة.

المصريون القدماء كانوا يضحّون بالخدم عند وفاة الملوك

كشف تحليل جنائي حديث في أبيدوس عن إصابات قاتلة في جماجم خدم الملوك المصريين القدماء، مما يدعم فرضية التضحية البشرية. اكتشف أسرار دفن الملوك واستمر في القراءة لتعرف التفاصيل!
علوم
Loading...
كوكب محتمل من الجيل الثاني يتشكل من رماد نجم ميت قرب قزم أبيض HS 0209+0832 مع غبار وغازات تحيط به في الفضاء.

علماء الفلك يكتشفون احتمال ولادة كوكب من رماد نجوم ميتة

هل يمكن أن يولد كوكب جديد من رماد نجم ميت؟ رصد فريق فلكي أدلة كيميائية وضوئية على قزم أبيض قد يشير لتشكّل كوكب من الجيل الثاني. اكتشف المزيد عن هذا الاكتشاف الثوري الآن!
علوم
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمتكنولوجيااقتصادصحةتسلية