تحولات القيادة في إيران وتأثيرها على المنطقة
تقريرٌ مثير عن القيادة الجديدة في إيران يكشف تفاصيل عن حالة المرشد الجديد وآلية انتقال السلطة. هل يمثل هذا التحول تطرّفاً أم استمرارية؟ استكشف كيف تؤثر هذه الديناميات على مستقبل إيران والمفاوضات الدولية عبر خَبَرَيْن.

تناولت صحيفة The New York Times هذا الأسبوع تقريراً مفصّلاً عن هيكل القيادة الجديدة في إيران، استند إلى مقابلات مع أكثر من 20 مسؤولاً إيرانياً حالياً وسابقاً، وأعضاء في الحرس الثوري، وأشخاص مقرّبين من المرشد الجديد. يستحقّ التقرير قراءةً متأنّية، لكن ليس للأسباب التي قصدتها الصحيفة.
يصف التقرير المرشد الجديد، آية الله مجتبى خامنئي، بأنّه مُصاب بجروح بالغة، ويتواصل عبر رسائل مكتوبة بخطّ يده تُنقَل بواسطة سلسلة من سعاة الدرّاجات النارية، وأنّه يتمتّع بصفاءٍ ذهني رغم إصاباتٍ تُعسّر الكلام، وأنّه يتعمّد تجنّب الظهور المرئي خشية أن يبدو ضعيفاً. تستند التفاصيل الجوهرية عن حالته إلى مسؤولين إيرانيين مجهولي الهوية، دون أيّ صورة أو سجلٍّ طبّي أو تحقّق مستقلّ من أيّ نوع. ولا يدعو التقرير القرّاء إلى الموازنة بين دوافع هذه المصادر، بل يُقدّم الرواية باعتبارها حقيقةً راسخة.
إنّ التغطية الصحفية من داخل دولةٍ استبدادية لا سيّما في زمن الحرب، حين يتحكّم النظام بمن يتحدّث إلى الصحفيين الغربيين وبما يُسمح لهم بقوله تستوجب قدراً عميقاً من التشكيك لم يلتزم به التقرير. فالمصادر التي تصف حالة مجتبى لها مصلحةٌ مباشرة في الصورة التي ترسمها: مرشدٌ حيٌّ، يقظ ذهنياً، فوّض بعض صلاحياته في مرحلةٍ عسيرة، لكنّه لا يزال حاضراً بقوّة. هذه الصورة تخدم النظام جيّداً؛ إذ تُبقي على وهم قيادةٍ تعمل بانتظام. ربّما تكون الرواية صحيحة، لكنّ تقريراً يستند كلياً إلى أشخاص لهم مصلحةٌ مباشرة فيما يُصدَّق به كان ينبغي أن يتضمّن تحفّظاً واضحاً، وهو ما أغفلته The New York Times.
مشكلة المصادر وحدها كافيةٌ لإثارة القلق، غير أنّ الإطار التاريخي الكامن تحت السطح أشدّ خطورةً بكثير.
يُقرّر التقرير أنّ السلطة انتقلت إلى "مؤسسة عسكرية متجذّرة ذات توجّه متشدّد"، وأنّ "نفوذ رجال الدين في تراجعٍ واسع". المفهوم الضمني غير المُصرَّح به لكنّه حاضرٌ في بنية النصّ هو أنّ هذا التحوّل يمثّل تطرّفاً قياساً بما سبقه. وهذا غير صحيح.
آية الله علي خامنئي، رجل الدين الذي قاد إيران خمساً وثلاثين عاماً، دفع البرنامج النووي الإيراني إلى حافّة التسليح، وبنى برنامج الصواريخ الباليستية وبرنامج الطائرات المسيّرة، وأسّس شبكة الوكلاء التي ضمّت حزب الله والحوثيين والميليشيات الشيعية في العراق، وهي شبكةٌ هدّدت إسرائيل ودول الخليج والقوات الأمريكية في المنطقة لعقود. سحق الحركة الخضراء عام 2009، وأعدم النظام متظاهرين إبّان القمع الذي أعقب انتفاضة 2022، ووجّه عمليات فيلق القدس التابع للحرس الثوري تحت قيادة قاسم سليماني، التي أسفرت عن مقتل جنودٍ أمريكيين وإصابة آخرين على مدار سنوات. لم يكن الحرس الثوري قوّةً يكبحها رجال الدين، بل كان الأداة التي نفّذوا بها رؤيتهم. كلّ برنامجٍ صاروخي رئيسي، وكلّ شبكة وكلاء، وكلّ منشأة أجهزة طرد مركزي، بُنيت تحت توجيهٍ ديني مباشر.
وصف المرحلة الراهنة بوصفها انتقالاً من اعتدالٍ ديني إلى تشدّدٍ عسكري هو إعادةٌ لكتابة خمسةٍ وأربعين عاماً من التاريخ.
حين يقول الرئيس Trump إنّ القادة الإيرانيين الجدد ربّما يكونون أكثر واقعيةً، فهو لا يُبدي سذاجةً حيال طبيعتهم. بل يُبدي ملاحظةً أعمق: أنّه بعد توجيه ضربةٍ عسكرية غير مسبوقة للنظام، فإنّ الذين يتّخذون القرارات في طهران اليوم ربّما لا يملكون مساراً قابلاً للحياة سوى طاولة التفاوض. هذا ليس حكماً على حسن نيّة إيران، بل هو حكمٌ على خياراتها المتاحةج.
إذا خرج صانعو القرار الغربيون والمحلّلون الذين يُشكّلون تفكيرهم بقناعةٍ مفادها أنّ ذهابنا إلى الحرب قد عزّز موقف المتشدّدين على حساب البراغماتيين داخل المنظومة الإيرانية، فإنّهم يستخلصون بالضبط الاستنتاج الذي تريدهم طهران أن يستخلصوه.
شاهد ايضاً: البحرين تسحب الجنسية من 69 شخصاً لدعمهم إيران
ادّعاءٌ تردّد في التعليقات الإعلامية وعلى قبّة الكونغرس مفاده أنّ الولايات المتحدة لم تكن في حالة حربٍ مع إيران قبل ضربات فبراير. هذا الادّعاء كان دائماً وهماً. فقد كانت إيران تشنّ حرباً على الولايات المتحدة وحلفائها لعقود، عبر وكلائها والهجمات على القوات الأمريكية وبرنامجٍ نووي صُمّم لاحتجاز المنطقة رهينةً. التظاهر بخلاف ذلك لم يجعل الأمريكيين أو حلفاءنا في الخليج وإسرائيل أكثر أماناً، بل جعل الحسابَ الحتمي أصعبَ تفسيراً وأيسرَ تصويراً باعتباره عدواناً، بدلاً من أن يُقرأ على حقيقته: استجابةً متأخّرة طال انتظارها لتهديدٍ بالغ الخطورة كان يتنامى منذ خمسةٍ وأربعين عاماً.
صورةٌ تُقدّم رجال الدين والحرس الثوري بوصفهما قوّتين متمايزتين إحداهما تكبح والأخرى تتطرّف تمحو خمسةً وأربعين عاماً من الشواهد التي تؤكّد أنّهما كانا دائماً مشروعاً واحداً يسعى إلى غاياتٍ واحدة. وهذه الصورة تُعين النظام على تأطير ما يجري بشروطه الخاصّة، وذلك يخدم طهران لا الحقيقة. Underline شغلت منصب مبعوث البيت الأبيض للشرق الأوسط بين عامَي 2017 و2019، وظللت على تواصلٍ مع قادة المنطقة ودبلوماسييها في السنوات التالية. النظام الإيراني، بكلّ تجلّياته الرؤساء الإصلاحيون والمتشدّدون، ووزراء الخارجية البراغماتيون وقادة الحرس الثوري سعى دائماً إلى الأهداف ذاتها. الوجوه تتغيّر، والهدف لا يتغيّر. من ينتظر أن يسحب رجال الدين إيران نحو الاعتدال لم يكن يُولي انتباهه لما جرى طوال خمسةٍ وأربعين عاماً. رجال الدين بنوا هذا المشروع، والحرس الثوري نفّذه. ليسا في تنافسٍ، بل في شراكة. الشيء الوحيد الذي تغيّر هو أنّ الضغط العسكري المتواصل أوصلهم إلى أضيق هامشٍ من الخيارات عرفوه في تاريخهم.
أخبار ذات صلة

أسعار الوقود المرتفعة في باكستان تهدد الاستقرار الاقتصادي والسياسي

ترامب يدرس اقتراحاً إيرانياً لإعادة فتح مضيق هرمز

إيران تصعّد في مضيق هرمز بأسر سفن تجارية
