إساءة معاملة الناشطين تكشف عن سياسة إسرائيلية منهجية
نشر وزير الأمن القومي الإسرائيلي مقطع فيديو يُظهر إساءة معاملة ناشطين من أسطول «الصمود»، مما يبرز نمطاً من الانتهاكات المتكررة بحق الفلسطينيين. تعكس هذه التصرفات ثقافة الإفلات من العقاب في الأوساط الإسرائيلية. خَبَرَيْن.

نشر وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتامار بن غفير، يوم الأربعاء، مقطع فيديو يُظهر عناصر أمنية إسرائيلية تُسيء معاملة ناشطين من أسطول «الصمود»، الذين كانوا يحاولون كسر الحصار الإسرائيلي المفروض على غزة.
في المقطع، يُسمع صوت بن غفير وهو يستهزئ بالناشطين المُكرَهين على الركوع بجباههم على الأرض وأيديهم مقيّدة خلف ظهورهم. وفي لحظةٍ بعينها، حاولت إحدى الناشطات الكلام، فأمسك أحد العناصر بقفا رقبتها وألقاها بعنفٍ على الأرض.
مثير هذا المشهد للقلق بلا شكّ، غير أنه لن يُفاجئ أحداً تابع نهج إسرائيل في التعامل مع المعتقلين الفلسطينيين أو الناشطين والعمال الإنسانيين الأجانب.
في أغسطس 2024، نشرت منظمة B'Tselem الإسرائيلية لحقوق الإنسان تقريراً شاملاً بعنوان «مرحباً بكم في الجحيم»، وثّقت فيه انتهاكات بحق المعتقلين الفلسطينيين بوصفها «سياسةً دولة». وبحسب التقرير، يتعرّض الفلسطينيون المحتجزون دون توجيه اتهامات إليهم بصورة اعتيادية للانتهاك الجنسي والضرب وكلاب الهجوم والحرمان من النوم والإذلال.
وفي وقتٍ سابق من هذا الشهر، نشر الكاتب المخضرم في صحيفة New York Times نيكولاس كريستوف تقريراً مفصّلاً عن الانتهاكات الإسرائيلية، تضمّن اتهاماتٍ باستخدام الكلاب في الاعتداء الجنسي على المعتقلين الفلسطينيين.
تأتي هذه التقارير في أعقاب تسريب مقطع فيديو في أغسطس 2024 يُظهر ضباطاً إسرائيليين يغتصبون جماعياً أسيراً فلسطينياً في مركز احتجاز سدي تيمان، فضلاً عن تقرير لجنة الأمم المتحدة الخاصة الصادر عام 2024، الذي خلص إلى أن الانتهاك الجنسي بات جزءاً من «الإجراءات التشغيلية المعيارية» لإسرائيل.
كما طالت يد الجنود والضباط الإسرائيليين المواطنين الأجانب؛ إذ جرى استهداف الناشطين والصحفيين وعمال الإغاثة والكوادر الطبية والإنسانية أو الاعتداء عليهم أو إهانتهم دون أي محاسبة.
في عام 2003، دهست جرّافة إسرائيلية في غزة الناشطة الأمريكية ريتشل كوري، البالغة من العمر 23 عاماً، وهي تحاول منع هدم منزلٍ فلسطيني، فارتقت.
في مايو 2010، اعترض كوماندوز إسرائيليون أسطولاً متجهاً إلى غزة في المياه الدولية، وقتلوا تسعة ناشطين على متن سفينة مافي مرمرة. وكشفت تقارير الطب الشرعي أن الشهداء أُصيبوا بطلقاتٍ من مسافةٍ قريبة.
في مايو 2022، ارتقت الصحفية الفلسطينية الأمريكية شيرين أبو عاقلة، ، برصاصةٍ في رأسها أطلقها قنّاص إسرائيلي في الضفة الغربية المحتلة. وخلص تحقيق أجرته وكالة Forensic Architecture ومنظمة الحق الفلسطينية لحقوق الإنسان، استناداً إلى تحليل بصري وصوتي ومكاني، إلى وجود «نيّة واضحة» و«قصد للقتل».
في أبريل 2024، استهدفت طائرات مسيّرة إسرائيلية ثلاث مركبات تابعة لمنظمة World Central Kitchen في غزة، وقتلت سبعة عمال إغاثة من جنسياتٍ مختلفة. كانت المركبات تحمل علاماتٍ واضحة، وكان الرتل قد نسّق تحرّكاته مسبقاً مع الجيش الإسرائيلي خلال سيره في منطقة آمنة متّفق عليها. وبعد استهداف المركبة الأولى، فرّ الركاب إلى الثانية فأُصيبت هي الأخرى، ثم استُهدفت الثالثة بشكلٍ منفصل. وأشار التحقيق إلى أن الهجمات الثلاث كانت متعمّدة.
على هذا الأساس، لا يُمثّل مقطع بن غفير انحرافاً عن السلوك العام للقوات الإسرائيلية، بل يعكس نمطاً أشمل من الإساءة والإذلال وتجريد الإنسان من إنسانيته. والأمر الدال أنه لم تجرِ محاسبةٌ حقيقية على أيٍّ من هذه الحوادث؛ فلم يمثل أي مسؤول أو جندي إسرائيلي أمام المحاكم الجنائية بسببها.
ولعلّ أكثر ما يلفت النظر في مقطع بن غفير أنه نشره بنفسه، مما يوحي ليس فقط بالاعتزاز بما جرى، بل بثقةٍ تامّة بأنه هو وعناصره لن يتعرّضوا لأي عقوبة.
هذه الثقة المفرطة تعكس نمطاً أوسع سائداً في الأوساط السياسية والأمنية والإعلامية الإسرائيلية، التي باتت مُعتادة على أن تُكافأ على سلوكها المسيء لا أن تُحاسَب عليه. فالجنود الذين ارتكبوا جريمة الاغتصاب الجماعي في سدي تيمان نالوا الإشادة من المؤسستَين السياسية والإعلامية، وبعد إسقاط التهم عنهم، وصفهم رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بأنهم «مقاتلون أبطال».
على نطاقٍ أوسع، بات الجنود والمستوطنون يتفاخرون علناً بجرائم ظاهرة، وكثيراً ما ينشرون الأدلة بأنفسهم. ففي ذروة الإبادة الجماعية في غزة، نشر جنود إسرائيليون مقاطع مصوّرة لأنفسهم وهم يُطلقون النار على مدنيين عُزَّل، إلى جانب مشاهد لتفجير منازل فلسطينية ونهب المحال التجارية وتجريب ملابس نساء فلسطينيات واللعب بألعاب أطفالٍ دُمِّرت بيوتهم للتوّ. وأشار تقرير نشرته صحيفة Le Monde عام 2024، وثّق كثيراً من هذه المقاطع، إلى أن «الشعور بالإفلات من العقاب» ربما كان الدافع وراء نشرها.
كذلك لم يتردّد مسؤولون سياسيون وعسكريون وإعلاميون إسرائيليون في إطلاق تصريحاتٍ إبادية على الملأ. ففي خطابٍ متلفز في 8 أكتوبر 2023، وعد نتنياهو بأن يُحوّل غزة إلى «جزيرة من الأنقاض». وفي وقتٍ لاحق من الشهر ذاته، استشهد مراراً بالأمر التوراتي بإبادة «العماليق» الذين أُمر بنو إسرائيل بإبادتهم كلياً، بمن فيهم «النساء والأطفال والرضّع» وهو الاستشهاد الذي استندت إليه جنوب أفريقيا لاحقاً أما محكمة العدل الدولية.
في أكتوبر 2023، رأى رئيس مجلس الأمن القومي الإسرائيلي الأسبق جيورا إيلاند أن خلق «أزمةٍ إنسانية» في غزة سيُساعد إسرائيل على الانتصار في الحرب؛ ثم طرح لاحقاً ما بات يُعرف بـ«خطة الجنرالات»، التي تقوم على التجويع القسري للفلسطينيين في شمال غزة.
وقد تكاثر الخطاب الإبادي في وسائل الإعلام الإسرائيلية. ففي القناة 14 الإسرائيلية، سأل مقدّم برنامج ضيفَه إن كان مقبولاً أن تُطلق إسرائيل النار على المدنيين في غزة، فردّ الضيف، وهو محلّل سياسي ومحامٍ: «بالطبع! بالطبع!». وبحسب Le Monde، وثّقت ثلاث منظمات إسرائيلية غير حكومية مئاتٍ من التصريحات المماثلة على القناة ذاتها.
أما بن غفير نفسه، فله تاريخٌ طويل في دعم العنف المتطرف وإطلاق تصريحاتٍ إبادية بحق الفلسطينيين. وهو ووزير المالية بتسلئيل سموتريتش يُشجّعان الهجمات الاستيطانية العنيفة في الضفة الغربية المحتلة، ويدعوان إلى توسيع الاستيطان غير المشروع، ويروّجان للتهجير الجماعي للفلسطينيين من غزة، ويطالبان الجيش بمنع وصول المساعدات الإنسانية إلى الفلسطينيين الجائعين.
وقد ذهب الأكاديمي الإسرائيلي مناحيم كلاين إلى أن إسرائيل «مجتمعٌ إبادي»، وهو استنتاجٌ يصعب ردّه في ضوء التقاطع الواضح بين السياسات الإسرائيلية والسلوك العسكري والخطاب الإعلامي والنقاش العام، وكلّها تتضافر على تطبيع العنف الممنهج في ظلّ إفلاتٍ شبه تام من العقاب.
إن الإساءة إلى ناشطي الأسطول ليست إذن استثناءً شاذّاً، بل هي السلوك المتوقّع من منظومةٍ تعلّمت أنها تستطيع القتل والاغتصاب والإذلال والتجويع دون أن تدفع أي ثمن.
بيد أن الأدلة تُشير إلى أن غطرسة إسرائيل بدأت تلتقي بنتائجها. فبعد ساعاتٍ قليلة من نشر المقطع، تدفّقت الإدانات من كندا وفرنسا وإيطاليا وإسبانيا والبرتغال وهولندا، التي استدعت جميعها سفراء إسرائيل، في مؤشّرٍ على تزايد الإحراج الذي يشعر به حلفاء إسرائيل من تصرّفاتها.
منذ أواخر عام 2023، تحوّل الرأي العام العالمي تحوّلاً جذرياً ضد إسرائيل، وهو ما اعترف به نتنياهو مؤخراً بقوله إن إسرائيل تخسر معركة العلاقات العامة على الصعيد الدولي. ولهذا التحوّل أهميةٌ بالغة؛ إذ يصعب في المجتمعات الديمقراطية الحفاظ على سياساتٍ خارجية يرى فيها الرأي العام انعداماً للمبرّر الأخلاقي، وقد باتت الدعم غير المشروط لإسرائيل عبئاً سياسياً في الانتخابات الأمريكية.
وثمّة أصواتٌ داخل المؤسسة الإسرائيلية تُدرك هذا الخطر. فالإدانات التي طالت بن غفير لم تأتِ من الخارج فحسب، بل جاءت أيضاً من شخصياتٍ كبيني غانتس وجدعون ساعر اللذَين اتهماه بالإضرار بالدولة. بل إن نتنياهو نفسه، الحليف المقرّب، وجّه له توبيخاً.
ومن المرجّح أن الغطرسة ستلتقي بعواقبها في نهاية المطاف. فقضية الإبادة الجماعية التي رفعتها جنوب أفريقيا ضد إسرائيل لا تزال منظورةً أمام محكمة العدل الدولية في لاهاي، وجزءٌ كبير من سجلّها الاستدلالي مستقى مباشرةً من مسؤولين وجنود وصحفيين إسرائيليين عبر مقاطعهم المصوّرة وخطاباتهم ومقابلاتهم ومنشوراتهم على وسائل التواصل الاجتماعي.
المشكلة التي تواجهها إسرائيل أن منظومةً قائمة على الإفلات من العقاب تتوقّف في نهاية المطاف عن إخفاء نفسها. فحين تصبح الإساءة اعتيادية لدرجة أنها تُصوَّر وتُنشر ويُحتفى بها، يغدو من الصعب جداً على بقية العالم أن يُغمض عينيه.
أخبار ذات صلة

بوتين يزور الصين بعد رحلة ترامب

الجزر المالديف تسجن صحفيين لتغطيتهما فضيحة الرئيس

الأمم المتحدة تطالب بتحقيقات مستقلة في الغارات الجوية القاتلة بنيجيريا وتشاد
