تفشي فيروس إيبولا يثير القلق في الكونغو وأوغندا
أعلنت منظمة الصحة العالمية حالة طوارئ بسبب تفشي فيروس إيبولا من سلالة Bundibugyo في الكونغو وأوغندا. مع عدم وجود لقاح أو علاج موثوق، المخاوف تتزايد بين السكان. كيف يمكن احتواء هذا الوباء المتصاعد؟ تابعوا التفاصيل على خَبَرَيْن.

أعلنت منظمة الصحة العالمية (WHO) أن تفشّي فيروس إيبولا من سلالة نادرة في جمهورية الكونغو الديمقراطية وأوغندا يرقى إلى مستوى «حالة طوارئ صحية عامة تثير قلقاً دولياً»، وهو التصنيف الأعلى في منظومة الاستجابة الوبائية الدولية.
لا يتوفّر حتى الآن أيّ لقاح أو علاج موثوق لسلالة Bundibugyo الجديدة من إيبولا، وهي مرضٌ أودت سلالاته المختلفة بحياة أكثر من 15,000 شخص في أفريقيا خلال نصف قرن. وكان تفشّي إيبولا السابق في غرب أفريقيا، الذي امتدّ بين عامَي 2013 و2016، قد أسفر عن وفاة ما لا يقلّ عن 11,000 شخص، وفق ما أوردته المكتبة الوطنية للطب الأمريكية.
فكيف يمكن تطوير لقاح لاحتواء هذه السلالة الجديدة؟ وما الذي نعرفه حتى الآن؟
ما هو الوضع الراهن؟
يتمركز بؤرة التفشّي الأخير في مقاطعة إيتوري شمال شرق الكونغو الديمقراطية، قرب الحدود مع أوغندا وجنوب السودان. وتُضفي طبيعة المنطقة بوصفها مركزاً لاستخراج الذهب طابعاً خاصاً على الوضع، إذ يعبر الحدودَ عددٌ كبير من الناس بصفةٍ منتظمة، ما يُسهم في انتشار الفيروس.
وقد امتدّ الفيروس إلى مقاطعات مجاورة داخل الكونغو الديمقراطية، وصلت إلى مسافة 200 كيلومتر من «نقطة الصفر» المحدَّدة للوباء، فضلاً عن تجاوزه الحدود الدولية.
وأفاد وزير الصحة الكونغولي Samuel Roger Kamba في تصريحاتٍ للصحفيين يوم الثلاثاء بأن حصيلة الوفيات ارتفعت إلى نحو 131 حالة وفاة من 513 حالة مشتبهاً بها، مشيراً إلى تسجيل 26 حالة اشتباه جديدة خلال الأربع والعشرين ساعة الأخيرة.
في أوغندا، أعلنت منظمة الصحة العالمية عن وفاة شخصٍ واحد على الأقل وإصابة شخصَين آخرَين بالسلالة ذاتها. وقال المتحدث باسم الحكومة الأوغندية Alan Kasujja إن أكثر من 120 شخصاً يخضعون للحجر الصحي حالياً، مُعرباً عن ثقته في قدرة بلاده على السيطرة على انتشار الفيروس.
غير أن موجة من الخوف باتت تسود في كلا البلدَين. ففي الكونغو الديمقراطية، من بوكافو إلى كينشاسا، تتصاعد المخاوف بين السكان وباعة الشوارع مع تزايد الحالات؛ إذ يرتدي الناس الكمامات في مدنٍ تفصلها مئات الكيلومترات، ويطالبون بتدابير حماية أكثر صرامة.
وقال سائق دراجة نارية : «أخشى أن أنقل المرض إلى أسرتي لأنني أقضي اليوم كلّه في نقل الناس. أخشى الموت، هذا ما يرعبني أكثر من أيّ شيء».
وأضافت Marie Evuto، بائعة متجوّلة: «في المرة الأخيرة بين 2013 و2016 قتل كثيرين، وسمعنا أنه عاد من جديد، وهذا يخيفنا جداً. نحن الذين نبيع في الشارع نتعامل مع أناسٍ لا نعرفهم، وهذا يقلقنا فعلاً».
وأعلن المدير العام لمنظمة الصحة العالمية Tedros Adhanom Ghebreyesus يوم الثلاثاء أنه «يساوره قلقٌ بالغ إزاء نطاق الوباء وسرعة انتشاره»، مشيراً في كلمته أمام جمعية الصحة العالمية في جنيف إلى أنه أعلن في وقتٍ مبكر من الأحد الماضي حالة الطوارئ الصحية الدولية.
ماذا نعرف عن السلالة الجديدة؟ وما مدى فتكها؟
سلالة Bundibugyo هي نوعٌ مستقلّ ضمن عائلة فيروسات إيبولا، تختلف عن سلالة Zaire التي تسبّبت في تفشّي 2014-2016 الكبير في غرب أفريقيا. وأوضحت Krutika Kuppalli، الأستاذة المشاركة في قسم الأمراض المعدية وكلية الصحة العامة في UT Southwestern Medical Center بدالاس بولاية تكساس، في تصريحٍ أن «Bundibugyo تسبّبت تاريخياً في عددٍ أقل من حالات التفشّي، غير أنها لا تزال مسبّباً مرضياً بالغ الخطورة».
وأضافت أن معدلات الوفيات في التفشّيات السابقة تراوحت بين 30 و50 بالمئة تقريباً، مشيرةً إلى أن التفشّي الحالي يُثير قلقاً استثنائياً لأنه لا توجد حتى الآن لقاحات مرخَّصة أو علاجات محدّدة لمرض فيروس Bundibugyo.
وأشارت Kuppalli إلى أن النزاعات المسلّحة المستمرة في المنطقة، وما رافقها من نزوح واسع للسكان وضعف منظومة المراقبة الوبائية وتأخّر الكشف، ستجعل احتواء هذا التفشّي أكثر صعوبة. وقالت إن «بعض الحالات الأولى ربما فاتت الرصد جزئياً لأن كثيراً من منصّات التشخيص الميداني كانت مُهيَّأة للكشف عن سلالة Zaire ولا تكتشف Bundibugyo بشكلٍ موثوق».
وحذّرت من أن «انتشار هذه السلالة إلى البيئات الحضرية والحدودية يُثير مخاوف جدية من تضخّم الوباء إن لم تُعزَّز تدابير الاحتواء بسرعة».
هل سيُطوَّر لقاح؟
لا يوجد حتى الآن لقاحٌ معتمد لهذه السلالة من إيبولا. وقد أظهر لقاح Ervebo المُصنَّع من قِبَل Merck، والمستخدَم ضدّ سلالة Zaire، بعض الحماية ضدّ Bundibugyo في الدراسات التي أُجريت على الحيوانات.
و أوضحت Kuppalli أن الجداول الزمنية لتطوير اللقاحات يصعب التنبّؤ بها، لكنها أشارت إلى أن «المجتمع العلمي لا يبدأ من الصفر، إذ تتوفّر معرفةٌ واسعة مستمَدّة من أعمال تطوير لقاحات إيبولا السابقة، بما فيها منصّات النواقل الفيروسية ومنصّات mRNA التي يمكن تكييفها محتملاً لفيروس Bundibugyo».
بيد أنها لفتت إلى أن «الانتقال من تصميم المرشَّح اللقاحي إلى التجارب السريرية والتصنيع والمراجعة التنظيمية والنشر يستغرق وقتاً، لا سيّما في خضمّ تفشٍّ نشط في بيئاتٍ محدودة الموارد».
وفي هذا السياق، أشارت إلى أن منظمات من بينها CEPI (التحالف من أجل ابتكارات التأهّب للأوبئة) باتت تُدرك الحاجة إلى لقاحات «متعدّدة التكافؤ» ضدّ الفيروسات الخيطية (Filovirus) تتيح الحماية من أنواع متعددة من إيبولا. وقالت: «موّل CEPI مؤخراً أبحاثاً تستهدف تحديداً لقاحات فيروسية خيطية ذات حماية واسعة ومنصّات لقاحية سريعة الاستجابة، وهو ما يعكس إدراكاً متنامياً بأن الاعتماد على لقاحاتٍ خاصة بكلّ نوع يُبقي العالم عُرضةً للخطر حين تظهر سلالةٌ مختلفة».
وفي انتظار تطوير لقاح وقائي، أعلنت مسؤولةٌ في منظمة الصحة العالمية يوم الثلاثاء أن إمدادات طبية تشمل معدّات الوقاية الشخصية (PPE) في طريقها إلى الكونغو الديمقراطية. وقالت Anne Ancia، ممثّلة المنظمة في مقاطعة إيتوري: «أرسلنا 12 طناً من الإمدادات، وستصل 6 أطنان إضافية اليوم، تشمل معدّات الوقاية الشخصية للعاملين الصحيين في الخطوط الأمامية والعيّنات».
وأفاد Jean-Jacques Muyembe، خبير الفيروسات في المعهد الوطني للبحوث الطبية الحيوية بالكونغو الديمقراطية، بأن البلاد تنتظر أيضاً شحناتٍ من لقاح تجريبي يُغطّي أنواعاً مختلفة من إيبولا من الولايات المتحدة والمملكة المتحدة.
كيف تستجيب الدول الأخرى؟
أبدت دولٌ عديدة قلقها إزاء التفشّي الأخير؛ فقد علّقت البحرين دخول المسافرين القادمين من جنوب السودان والكونغو الديمقراطية وأوغندا لمدة 30 يوماً. وأغلقت رواندا حدودها مع الكونغو الديمقراطية. وفرضت الولايات المتحدة قيوداً مؤقتة لمدة 30 يوماً تحول دون دخول غير المواطنين وغير المقيمين الدائمين الذين زاروا الكونغو الديمقراطية أو أوغندا أو جنوب السودان خلال الواحد والعشرين يوماً الماضية. وعلى الصعيد الآخر، شرعت حكوماتٌ آسيوية عديدة في تطبيق إجراءات فحص على الحدود وتعزيز الاستعداد للحجر الصحي.
هل ستكون الاستجابة مشابهة لما جرى مع COVID-19؟
لا تحمل أزمة إيبولا الراهنة الزخم الدولي ذاته الذي اكتسبته جائحة COVID-19، وفق ما أوضحته Kuppalli. وقالت إن «تطوير لقاح COVID-19 سار بسرعةٍ غير مسبوقة لأن الوباء أصاب الدول الغنية وأخلّ سريعاً بالاقتصاد العالمي»، في حين أن «تفشّيات أفريقيا لم تستقطب تاريخياً الاهتمام ذاته ولا التمويل ولا الاستثمار في التصنيع ولا الاهتمام السياسي، على الرغم من تداعياتها المحلية الوخيمة».
وأشارت إلى أن تطوير لقاح إيبولا في أعقاب تفشّي 2014 لم يتسارع إلا بعد أن حصد الآلاف أرواحهم في غرب أفريقيا. وأضافت: «أعتقد أن ثمة تقدّماً منذ 2014؛ فالشراكات الدولية التي تضمّ منظمة الصحة العالمية وCEPI وGAVI والعلماء الأفارقة والجهات التنظيمية ومؤسسات البحث باتت أمتن بكثيرٍ مما كانت عليه».
وختمت بالقول: «التحدي الآن يكمن في ضمان استثمارٍ مستدام قبل أن تتحوّل الأزمات إلى تهديداتٍ عالمية، لا الاستجابة فقط حين تصل التفشّيات إلى الدول ذات الدخل المرتفع. هذا التفشّي يُذكّرنا بأن الاستثمار العادل في التأهّب للأوبئة وأبحاث اللقاحات لا يخدم أفريقيا وحدها، بل يصبّ في صميم الأمن الصحي العالمي».
أخبار ذات صلة

منظمة الصحة العالمية تحذّر من تفشّي الإيبولا مع ارتفاع عدد الوفيات

تفشّي إيبولا الجديد: ما تكشفه حالة الطوارئ الصحية العالمية

تصريح منظمة الصحة العالمية: إيبولا في الكونغو وأوغندا تهديد صحي عالمي
