مصنع بنغلاديشي يغير مفهوم العمل ويكرم الإنسان
مصنع Green Field في بنغلاديش يحوّل مفهوم العمل إلى بيت حقيقي للعاملين به عبر تصميم مستوحى من الطبيعة مع مرافق للرعاية والتمكين خاصة للنساء. جائزة RIBA تكشف كيف يمكن للمصانع أن تكون بيئة تحفز الحياة والكرامة في مكان العمل خَبَرَيْن

- ما إن تقترب من مدخل المصنع حتى تسبقك الخضرة إلى العين: حدائق مشذّبة، وشرفات مكسوّة بالنباتات، وجدار رئيسي تغطّيه الأوراق من أعلاه إلى أسفله. وعند البوابة يقف تمثال لامرأة. هذا ليس منتجعاً ولا حرماً جامعياً، بل مصنع نسيج من سبعة طوابق في رانغبور شمال بنغلاديش، فاز يوم الخميس بجائزة RIBA الدولية، التي توصف بأنها ربما أرفع تكريم يُمنح لمبنى واحد.
المصنع اسمه Green Field Factory، وتديره شركة Karupannya Rangpur Limited التي تصنع السجاد اليدوي ومماسح الأرجل وسجاجيد الحمّام. ويحمل فوزه أكثر من معنى في بلد يُعدّ من أكبر منتجي المنسوجات في العالم، وما زالت ظروف العمل في مصانعه محلّ قلق مستمر لدى منظمات حقوق العمال.
كيف يبدو مصنع يُصمَّم أولاً «بيتاً» لمن يعملون فيه؟
صمّم المبنى مكتب Nakshabid Architects البنغلاديشي، مستلهماً البيوت الريفية البنغالية التقليدية التي تضمّ عادةً أفنية وبِرَكاً. وتمتدّ المساحة على أكثر من 144,000 قدم مربعة، تتخلّلها الحدائق والشرفات الخضراء، ويكسو الجدارَ الرئيسي غطاءٌ نباتي. وبحسب المعهد الملكي للمعماريين البريطانيين (RIBA)، يسعى التصميم إلى «إدخال الطبيعة مباشرةً إلى مكان العمل».
ويعمل في المصنع نحو 5,000 موظف، معظمهم من النساء. وتشمل المرافق التي تخدمهم حضانة على السطح، وعيادة طبية داخل المبنى، ومساحات اجتماعية ظليلة. وقد لاحظ حكّام الجائزة، الذين زاروا المصنع في سبتمبر، أن العاملين كثيراً ما يستخدمون هذه المرافق مع أسرهم خارج ساعات الدوام، أي أن المكان يتحول بعد الورديات إلى فضاء عائلي.
أما التمثال النسائي عند المدخل فيحضر في وصف المعماريين للمشروع إلى جانب عبارة «قوة تمكين المرأة»، وهو وصف لافت في منشأة تشكّل النساء أغلب قوتها العاملة.
وفي سؤال واحد اختصر مؤسس المكتب ومديره، Bayejid M. Khondoker، فكرة المشروع كلها: «ماذا لو صُمّم المصنع أولاً بيتاً للناس الذين يعملون فيه؟». ويضيف: «كل فناء وحديقة ومسطح مائي وشرفة ظليلة نبت من ذلك السؤال. المصنع ينبغي ألا يكون آلةً تستهلك الطاقة البشرية، بل مكاناً حيّاً يستعيدها». وقال إن الفريق أراد بالمشروع «أن يثبت أن الصناعة قادرة على التنفس والرعاية والإلهام».
بوابة واحدة للجميع: لماذا توقّف الحكّام عندها؟
من أكثر التفاصيل التي استوقفت لجنة التحكيم مدخلٌ مركزي واسع يعبره الموظفون والمديرون والملّاك معاً. وهذا نادر في المصانع الكبرى ببنغلاديش، حيث يستخدم العمال وكبار الموظفين عادةً مداخل منفصلة. ووصفه رئيس لجنة التحكيم Bijoy Jain بأنه «بوابة مشتركة متكافئة».
وذهب المعهد الملكي أبعد من ذلك، إذ قال إن تصميم المصنع يقدّم «نموذجاً بديلاً لتصميم المصانع وتشغيلها»، وإنه يضع رفاه الموظفين في المقام الأول ويتحدّى «تراتبيات اجتماعية راسخة». ووصف الحكّام المبنى بأنه «عمل يتسم بتواضع هادئ».
ما الذي يعنيه هذا في بلد عرف رانا بلازا؟
لا يمكن قراءة هذا الفوز بمعزل عن ذاكرة عام 2013، حين انهار مبنى رانا بلازا، وهو مبنى من تسعة طوابق قرب دكا كان يضمّ مصانع ملابس، وقتل 1,100 شخص. وكانت مخاوف العمال على سلامتهم قد جرى تجاهلها، وأُجبر كثيرون منهم على العودة إلى العمل بعد ظهور الشقوق في المبنى. ونُسبت الكارثة إلى إخفاقات ثقافية، لا إنشائية فحسب.
من هذه الزاوية، يبدو التركيز على الكرامة اليومية للعامل، من مدخل لا يفرّق بين أحد إلى حضانة وعيادة وظلّ، جواباً معمارياً على سؤال ظلّ مطروحاً منذ ذلك العام.
من نافس المصنع على الجائزة؟
ضمّت القائمة القصيرة أربعة مبانٍ، ومن بينها مشروع بنغلاديشي آخر هو جامعة براك في دكا، المصمَّمة لتتجاوب مع المناخ. أما المبنيان الآخران فمن بلجيكا: مبنى مكاتب من ستينيات القرن الماضي أُعيد ترميمه، ومعهد فني جرى توسيعه هو Z33.
تأسست الجائزة عام 2016، وتُمنح عادةً كل عامين، لكن جائحة كوفيد-19 عطّلت هذا الإيقاع. وكانت آخر دورة في 2024، وفاز فيها مشروع سكن اجتماعي خشبي من ستة طوابق في برشلونة بإسبانيا. ومن الفائزين السابقين مدرسة ريفية في البرازيل، وجامعة في ليما بالبيرو، ومستشفى في بنغلاديش. وهي تميل غالباً إلى تكريم المشاريع التي تخدم المجتمع لا الأيقونات اللافتة بصرياً، وتقوم معاييرها على «التفكير الرؤيوي المبتكر والتميّز في التصميم».
ولا تحسم الجائزة وحدها الجدل حول ظروف العمل في مصانع بنغلاديش، فمبنى واحد، مهما بلغت جودته، لا يغيّر قطاعاً كاملاً. لكن الأنظار ستتجه الآن إلى ما إذا كان نموذج رانغبور، بمداخله المشتركة وأفنيته وحضانته على السطح، سيجد من يقتدي به في المصانع الأخرى.
أخبار ذات صلة

الموضة الأمريكية تغزو مطاعم فرنسا

الحرف الهندية تترك المصانع الخفية: تشاناكيا تعيد تعريف الصناعة الفاخرة

عندما يلتقي الفرح بالحزن: قصة مصمّم معروف بجمال تصاميمه
