تأجيل لقاحات الأطفال خطر يهدد صحتهم ومستقبلهم
تزايد تأجيل اللقاحات لدى الأهل رغم عدم رفضهم الصريح يزيد من انتشار الحصبة وأمراض أخرى. كيف يتعامل أطباء الأطفال مع هذه الظاهرة وما الحلول العملية لضمان حماية الأطفال؟ اكتشف التفاصيل في خَبَرَيْن.

- طفلٌ يدخل عيادة طبيب الأطفال في موعد اللقاحات، ويخرج منها بلا أيٍّ منها، ولا يكون السبب رفضاً صريحاً من والديه. السبب أن القرار «مؤجَّل». هذه الظاهرة تلفت انتباه الدكتورة إديث براتشو-سانشيز، طبيبة الأطفال في الرعاية الأولية بمركز جامعة كولومبيا الطبي (Columbia University Irving Medical Center) في مدينة نيويورك. وتقول إن أعداداً متزايدة من الأهل لا تعارض اللقاحات، لكنها تطلب مزيداً من الوقت.
وتستضيف براتشو-سانشيز بودكاست «Healthy Children» الذي تقدّمه الأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال للآباء والأمهات. وللتوضيح، ما يلي ليس نتائج تجربة سريرية ولا مراجعة منهجية، بل ملاحظات طبيبة تعمل في العيادة، مقرونة بأرقام وطنية عن التغطية اللقاحية وعدد حالات الحصبة.
ماذا تقول الأرقام عن اللقاح الثلاثي وعن الحصبة؟
خلال العام الدراسي 2025–2026 أتمّ 92.4% من أطفال رياض الأطفال في الولايات المتحدة سلسلة لقاح الحصبة والنكاف والحصبة الألمانية (MMR) الموصى بها. كانت النسبة 95.2% في عام 2019–2020. وتعني هذه الفجوة أن 280,000 طفل التحقوا بالمدرسة دون وثيقة تُثبت إتمام السلسلة.
وفي المقابل ارتفع عدد حالات الحصبة بوتيرة حادّة:
- في عام 2024 سُجّلت 285 حالة ولم تقع وفيات.
- في عام 2025 كاملاً سُجّلت 2,289 حالة وثلاث وفيات.
- حتى مطلع أكتوبر 2026 بلغ عدد الحالات المؤكدة 4,080 حالة، مع وفاتين.
يمكن الاطلاع على بيانات الحصبة والأبحاث المتعلقة بها لدى مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها (CDC). وهذه الأرقام تضع الاتجاهين جنباً إلى جنب، لكنها وحدها لا تُثبت علاقة سببية بينهما. غير أن براتشو-سانشيز ترى في تفشّي الحصبة دليلاً على أن الأمراض التي تمنعها اللقاحات لم تختفِ.
كيف يبدو «التأجيل» داخل العيادة؟
تقول الطبيبة إن الأهل يلجؤون بشكل متزايد إلى ثلاث صيغ: الحديث عن ترتيبات عملية، أو إحالة القرار إلى أحد الوالدين الغائب، أو طلب مهلة إضافية. وكثيراً ما يغادر أطفال هؤلاء الأهل العيادة غير مُطعَّمين.
وتسوق أمثلة من عيادتها. قال أحد الوالدين: «بالتأكيد لسنا ضد اللقاحات. نحن فقط ننتظر الأب». وحين حضر الأب الزيارة التالية قال: «أعتقد أن الأم ينبغي أن تكون حاضرة عندما نعطيها». وقال والد آخر: «سنطعّمها بالتأكيد، لكن لدينا حفل عيد ميلاد قريباً يا دكتورة؛ لا نريدها أن تكون متوعّكة!».
وفي حالة ثالثة وافق أحد الأهل على اللقاحات ثم غادر قبل عودة الممرضة، وكان الطفل قبل دقائق يلعب بسعادة. وفي وصفٍ لحال الطفل قال أحد الوالدين إنه «خارج عن طوره». ومن عبارات التأجيل الأخرى التي يسمعها الأطباء: «ربما في المرة القادمة».
وتصف براتشو-سانشيز تأجيل اللقاحات بأنه قد يكون فئةً ناشئة مختلفة عن الرفض الصريح. وتقول إن على أطباء الأطفال أن يتعاملوا مع عبارة «ليس اليوم» التي يقولها هؤلاء الأهل، وألّا يقتصر جهدهم على إقناع المتشككين المعلنين في اللقاحات.
ماذا يستطيع طبيب الأطفال أن يفعل؟
تعرض الطبيبة مجموعة من الممارسات العملية:
تقديم اللقاح كرعاية وقائية روتينية. تبلغ الأهل بما هو مستحق من اللقاحات بعبارة مثل «طفلك مستحق لهذه اللقاحات اليوم». وتؤكد أن للأهل أن يسألوا وأن يتخذوا القرار النهائي بأنفسهم.
توضيح كلفة التأجيل. تقول للأهل إن التأجيل يعني أن يغادر الطفل دون حماية من مرضٍ يمكن الوقاية منه. وتشدّد على كلمة «اليوم».
تحديد موعد عودة. إذا أصرّ الأهل على التأجيل، توصي بعرض موعد محدد بدل ترك الأمر عند حدود «سنفعلها لاحقاً»، كأن يُقال: «سنعود يوم الثلاثاء في الساعة 3:30 مساءً».
إشراك صاحب القرار الغائب. حين يحتاج أحد الوالدين إلى رأي الآخر، تتصل بالطرف الآخر وتُدخله في النقاش. وإن احتاج الاثنان إلى وقت أكثر، تمنحهما معلومات موثوقة وتُشركهما في حوار لاحق.
توسيع دائرة الحوار. أشركت أحياناً الأجداد، وراجعت مقاطع مصوّرة على وسائل التواصل ومنشورات في مجموعات المحادثة للإجابة عن أسئلة الأهل.
وتقول إنها صارت تتحدث مع الأهل عن الأمراض التي يمكن الوقاية منها أكثر من السابق. فكثير من الآباء والأمهات، ومعهم أطباء أطفال شباب، لم يشهدوا آثار هذه الأمراض بأنفسهم، ومنها السعال الديكي والفيروس العجلي (Rotavirus) ومضاعفات الحصبة. وتعدّ ذلك نتيجةً لنجاح اللقاحات ذاته. وتضيف أن البحث عن «أعراض جانبية» مزعومة على وسائل التواصل قد يشوّش حسابات الأهل للمخاطر. وتقرّ بأن موضوع اللقاحات صار مشحوناً اجتماعياً وسياسياً.
وتشير إلى أن اللقاحات قادرة على الحماية من أمراض عدّة، منها الحصبة والنكاف والحصبة الألمانية والإنفلونزا وجدري الماء. وتقول إن الحماية نفسها أهم من أن يصف الأهل أنفسهم بأنهم «مؤيدون للقاحات أو معارضون لها». وحين يوافق الأهل تكون الإجابة المرجوة كلمة بسيطة: «نعم».
ما الذي يحتاجه النظام الصحي؟
لا تحمّل براتشو-سانشيز العيادة وحدها هذا العبء. فهي تدعو إلى تحسين إتاحة اللقاحات، وتبسيط سير العمل داخل العيادات، ومنح الأطباء وقتاً أطول للإرشاد. وتطالب بتمويل الباحثين لدراسة الأهل الذين يؤيدون اللقاحات لكنهم يؤجلونها، لأن الأطباء، في رأيها، بحاجة إلى فهم كيف تُتخذ قرارات التطعيم وكيف تتغيّر.
أخبار ذات صلة

انخفاض عدد الحيوانات المنوية عالمياً: ما الحقائق وراء الجدل؟

هل أدوية GLP-1 تُبطّئ الشيخوخة؟

الذكاء الاصطناعي ضمن 17 تهديداً "كارثياً" يتطلب تحركاً عاجلاً
