المخاطر العالمية الكبرى وتأثيرها على صحة الأجيال القادمة
تقرير خَبَرَيْن يكشف أن 17 تهديداً عالمياً مترابطاً تهدد صحة الأجيال القادمة خاصة الأضعف. بين مخاطر السمنة والذكاء الاصطناعي النووي، التحرك العاجل للقيادات والمجتمعات ضروري لتقليل الخسائر وبناء مستقبل أكثر أماناً وعدلاً.

-من سيدفع الثمن الأكبر إذا تفاقمت التهديدات العالمية الكبرى؟ تجيب لجنة علمية نشرت نتائجها في مجلة The Lancet بأن العبء الأثقل سيقع على المجتمعات الأكثر هشاشة. وتحذّر اللجنة من أن 17 تهديداً مترابطاً قد تتسبب مجتمعةً في خسارة عشرات المليارات من سنوات الصحة الجيدة إذا استمرت الاتجاهات الحالية. وترى أن العمل المنسَّق من القادة والمجتمعات قادر على تقليص الخطر، وعلى تجنّب تحميل الأجيال القادمة كلفة أكبر.
كيف حدّدت اللجنة هذه التهديدات؟
ضمّت اللجنة 35 قيادياً من قطاعات مختلفة. اختاروا 17 تهديداً رأوا أن التدخل الواقعي فيها ممكن. وتشمل القائمة أمراضاً وسلوكيات صحية، وأوضاعاً اقتصادية، وتغيّراً بيئياً، والتكنولوجيا، والنزاعات.
اعتمدت اللجنة على بيانات دراسة العبء العالمي للأمراض (Global Burden of Disease) التي يعدّها معهد القياسات الصحية والتقييم (Institute for Health Metrics and Evaluation). وقاست عدد سنوات الصحة الجيدة المفقودة بسبب المرض أو الإعاقة أو الوفاة المبكرة. وتصف النتائج هذه التهديدات بأنها مخاطر ستمتد طوال ما تبقى من القرن الحادي والعشرين. وتوضح اللجنة أن هدفها لم يكن ترتيب التهديدات من الأخطر إلى الأقل خطراً.
استندت اللجنة في تقريرها إلى ما سمّته «الصدمات العالمية الأخيرة»، ومنها أنظمة الذكاء الاصطناعي القوية وجائحة كوفيد-19 وتفشي إيبولا في أفريقيا والتسارع في آثار تغيّر المناخ. ووصفت هذه الأحداث بأنها تُظهر «مدى السرعة التي يمكن أن تنقلب بها الافتراضات المتعلقة بالاستقرار».
لماذا صُنّف خطران في خانة «الانقراض»؟
حدّد التقرير خطرين وجوديين: النزاع النووي، والاستخدام الخبيث للذكاء الاصطناعي. وتقدّر اللجنة أن الاستخدام الخبيث للذكاء الاصطناعي قد يتسبب بخسارة نحو 10.4 مليار سنة من الحياة الصحية حول العالم بحلول عام 2100. وهذا الرقم قريب من تقديرات الأوبئة الطبيعية والسمنة.
لكن الرقم يحتاج إلى قراءة حذرة. فتقديرات الذكاء الاصطناعي نظرية في جوهرها، لأن العالم لم يشهد، بحسب التقرير، «أي حدث خبيث للذكاء الاصطناعي بحجم عالمي حقيقي». وقد أظهر الخبراء الذين تعاونوا مع اللجنة في توقّع كوارث الذكاء الاصطناعي «تبايناً واسعاً» في تقديراتهم للمخاطر. وتستند تقديرات السمنة، في المقابل، إلى بيانات تجريبية أكثر.
وفي سياق المخاوف نفسها، قالت وثيقة الطرح العام الأولي لشركة Anthropic، الشهر الماضي، إن نماذجها قد تمثل «خطراً كارثياً أو وجودياً على البشرية». وحذّر عاملون سابقون في قطاع الذكاء الاصطناعي من أنه قد يقتل الجنس البشري بأكمله، ربما خلال هذا العقد. وهذه تحذيرات لا تقدّم تقديراً قابلاً للقياس، ولذلك يبقى هذا المحور أقل الملفات استناداً إلى بيانات راسخة.
السمنة: خطر أوضح معالمه
على النقيض من ذلك، تقف السمنة على أرضية بيانات أصلب. فزيادة الوزن والسمنة في ارتفاع في كل بلد. وقد تبلغ النسبة العالمية بحلول عام 2050 نحو 60% من البالغين وثلث الأطفال. والسمنة مرتبطة بعشرات النتائج الصحية السيئة الأخرى. وتُنسب مخاطرها خصوصاً إلى زيادة السعرات الحرارية المتناولة وانخفاض النشاط البدني. وتتوقع اللجنة «أثراً عالمياً كبيراً لهذه المجموعة من المخاطر السلوكية».
هذه أرقام على مستوى السكان لا توصيات فردية. أما وضع كل شخص وما يناسبه، فيبقى بينه وبين طبيبه المعالج.
هل يملك العالم القدرة على تغيير المسار؟
يقول الدكتور Christopher Murray، الرئيس المشارك للجنة ومدير معهد القياسات الصحية والتقييم في جامعة واشنطن: «ليس الأمر المذهل في النتائج حجم هذه التهديدات فحسب، بل أن البشرية ما زالت تملك القدرة على التصرف». ويضيف: «في جميع التهديدات الكارثية السبعة عشر، ستحدد قرارات القادة اليوم صحة الجيل القادم ورفاهه. لكن التأجيل لن يؤدي إلا إلى نقل التكاليف وزيادتها في المستقبل».
وتحذّر الدكتورة Natalia Kanem، الرئيسة المشاركة للجنة والمديرة التنفيذية السابقة لصندوق الأمم المتحدة للسكان، من كلفة الاستجابة المتأخرة: «تُظهر لنا الأحداث العالمية الأخيرة مدى السرعة التي يمكن أن ينقلب بها الاستقرار إلى أزمة، ومدى كلفة الاستجابة بعد وقوع الكارثة فقط. والتهديدات العالمية للصحة تنذر بتعميق التفاوتات القائمة، إذ يقع العبء الأكبر على المجتمعات الأكثر ضعفاً. ومع ذلك فالمستقبل ليس قدراً محتوماً».
وتقول إن على الحكومات والمجتمعات «أن تتحرك بحزم ابتداءً من اليوم، لحماية الصحة وبناء مستقبل أكثر عدلاً وسلماً وأمناً للأجيال القادمة».
وتحدد اللجنة سبعة عوامل، إضافةً إلى الثقة، ستشكّل «كيفية استجابة المجتمعات للتهديدات في المستقبل». وتصف الثقة بأنها «قوة استقرار تمكّن المجتمعات من التوقع والتخفيف والتكيّف». ومن هذه العوامل القيادة العالمية التعاونية، والنظم الغذائية القادرة على الصمود، والجهود الرامية إلى بناء مجتمعات أكثر إنصافاً.
وترى اللجنة أن الحلول التقنية وحدها لا تكفي، فـ«تحقيق تقدم ملموس يتطلب لا حلولاً تقنية فحسب، بل أسساً مجتمعية ومؤسسية متينة تعزز التعاون والمساءلة». وفي افتتاحية مرافقة، تأمل The Lancet أن يسهم التقرير في «حفز إجراءات دولية وإقليمية ووطنية لحماية مستقبل الصحة والبشرية وتعزيزه». ويمكن الاطلاع على التقرير عبر صفحة اللجنة في The Lancet.
يبقى السؤال المفتوح هو ما إذا كانت المعرفة ستتحول إلى فعل. فالتقرير نفسه يذكّر بأن «الصحة العامة مليئة بأمثلة عُرفت فيها التهديدات المحتملة ووُضعت خطط الحماية، ومع ذلك أخفق العمل الفعّال».
أخبار ذات صلة

الإيبولا تخترق حدود كينيا رغم الاستعدادات: تحذيرٌ من انتشارٍ إقليمي

الأطباء أخطأوا تشخيصها لثلاثين سنة.. ونجت بصعوبة من الانتظار

الحياة الطبيعية في مدن سيبيريا وسط تحذيرات من طاعون
