تشاناكيا حكاية الحرف الهندية تضيء مسار الأزياء العالمية
في مومباي، أتيليه تشاناكيا الدولي يحول الحرف اليدوية الهندية إلى أزياء فاخرة تُعرض في باريس وميلانو، مع الحفاظ على تراث نسيجي عريق وإحياء تقنيات نادرة تجمع بين الفن والاستدامة خَبَرَيْن

في ورشةٍ على أطراف مومباي، تتقاطع رائحة القطن المصبوغ حديثاً مع صوت الإبر وهي تنقر على الأقمشة كأنّها تكتب. خيوط الفضة النقية تتلألأ تحت الإضاءة الطبيعية بينما تنحني نساءٌ ورجالٌ فوق أقمشةٍ ستتحوّل، بعد أسابيع، إلى فساتين تُعرض على مسارح باريس وميلانو. هذا المشهد يتكرّر يومياً منذ أربعين عاماً في «تشاناكيا إنترناشونال» (Chanakya International)، أتيليه الغزل والتطريز الذي يقف اليوم خلف بعضٍ من أفخم أزياء العالم، وإن ظلّت أسماء صانعيه، حتى وقتٍ قريب، غائبةً عن أذهان من يرتدي هذه الأزياء.
بمناسبة يوبيلها الأربعين، فتحت «تشاناكيا» أبوابها هذا الموسم على معرضين في مومباي، لا لتحتفل بمنجزها التجاري فحسب، بل لتضع الحرفيّين الهنود، أخيراً، في الواجهة التي يستحقّونها في لحظةٍ يزداد فيها النقاش العالمي حول من يُنسَب إليه الإبداع الحرفي، ومن يُستثنى منه.
من مصنعٍ للحديد إلى أتيليه عالمي
بدأت القصة عام 1986، حين ترك فينود شاه، رجل الأعمال العامل سابقاً في تجارة الحديد والصلب، مجاله واتّجه من ولاية غوجارات إلى مومباي، مصطحباً معه 22 حرفياً بارزاً عُرفوا بلقب "الأوستاد". لم يكن هدفه تجارياً بحتاً بقدر ما كان، كما يُروى عن مشروعه الأول، رغبةً في مشاركة العالم أدقّ ما تملكه الهند من مفردات بصرية وثقافية. كانت "ألبرتا فيريتي" (Alberta Ferretti) من أوائل الماركات التي راهنت على هذه الرؤية.
في منتصف التسعينيات، انضمّت كاريشما سوالي وشقيقها إلى المشروع العائلي، بعد أن تدرّبا في إيطاليا وعاشا أيضاً بين مجتمعات الحرفيين الهنود. تقول سوالي، التي تشغل منصب المديرة الإبداعية منذ أكثر من عقدين: "بدأ والدي (تشاناكيا) بفكرةٍ بسيطة جداً، وهي الرغبة في مشاركة العالم أرقى ما تصنعه أيدي الهند". وتضيف عن استقبال الإيطاليين لهذه الفكرة رغم غرابتها آنذاك: "حتى وإن كانت فكرةً جديدة في ذلك الوقت، كان الإيطاليون منفتحين دوماً على لقائنا".
اليوم، يتّخذ الأتيليه من مومباي مقرّاً رئيسياً، ويحافظ على مكتبٍ في بولونيا الإيطالية، ويوظّف أكثر من 50 مصمماً وأكثر من 1,400 حرفي، بعضهم ينحدر من سلالاتٍ حرفية تمتدّ عبر 13 جيلاً. يبتكر الفريق نحو ثماني مجموعاتٍ من الأفكار النسيجية سنوياً، وهي التي تنطلق منها كل الحوارات مع الماركات العالمية. تشرح سوالي آلية العمل: "نصنع نحو ثماني مجموعاتٍ من الأفكار النسيجية كل عام، ومنها تبدأ كل الحوارات العالمية. تختار الماركات الأفكار الأقرب إلى روحها"، مضيفةً أنّ التعاون أعمق من مجرّد طلبٍ جاهز: "أحياناً نبني حول مزاجٍ معيّن، أو حتى كلمةٍ واحدة يشاركوننا إياها. الأمر أكثر تشاركية بكثير من أن تقول لنا الماركة ببساطة: هذا ما نريده".
خرائط مطرّزة وآلهةٌ من الخيزران
يستضيف متحف "الدكتور بهاو دايجي لاد"، أقدم متاحف مومباي، معرض "En Route"، الذي يعرض خرائط مطرّزة يدوياً صُنعت في "مدرسة الحرفة" (School of Craft)، الذراع غير الربحية لـ"تشاناكيا" التي تدرّب نساءً من فئاتٍ محرومة على تقنيات نسيجية عمرها قرون. أما في مقرّ الشركة نفسه، فيقيم معرض "Garden of Gestures" منحوتاتٍ ضخمة قرمزية اللون تمثّل "السابتاماتريكا"، الأمّهات الإلهيّة السبع في الهندوسية، صُنعت حصراً من الخيزران والرافيا والقطن. وقد زارت ماريا غراتسيا كيوري، المديرة الإبداعية لـ"فندي"، هذين المعرضين، وقالت: "عبر المشاريع الكثيرة التي حقّقناها معاً، رأيت كيف تمنح تشاناكيا رؤيةً أوسع لعمق وتطوّر وإمكانات الحرفية الهندية على المسرح الدولي، مع بقائها ملتزمةً بعمقٍ تجاه الناس والمعرفة التي تُبقي هذا الحرف حياً".
هذا الالتزام يتغذّى من أرشيفٍ ضخم تحتفظ به "تشاناكيا"، يضمّ أكثر من 150,000 عيّنة قماشية و10,000 قطعة نسيجية وأثرية تاريخية، تعود إليها الشركة باستمرار لإحياء حرفٍ متوقّفة بلغةٍ متجدّدة. تقول سوالي عن هذا البحث: "نستعيد حرفاً خرجت من التداول، لكن بلغةٍ متطوّرة"، موضحةً منهجية العمل: "نمضي وقتاً طويلاً في فهم الذكاء المادي داخل الهند، وإعادة صياغة صلابته وقوّته لخدمة الأزياء الراقية".
من أبرز هذه الحرف المُستعادة "تشاند جال"، تقنية مغولية من القرن السادس عشر تستخدم خيوط الفضة النقية لصنع دانتيلا حرّة الشكل، إلى جانب تحويل الرافيا إلى ملابس عبر تقنيات الدانتيلا والتطعيم والتلحيف. وتُنتج "تشاناكيا" أيضاً مجموعاتٍ صديقة للبيئة تعتمد حصراً على مواد النفايات، استخدمتها بيوت أزياء مثل "ميزون مارجيلا" (Maison Margiela) و"ديور" (Dior).
ومن أكثر هذه الحِرَف قيمةً وجدارةً بالحفاظ عليها، فنّ "الرافوغاري"، وهو أسلوب رتقٍ جنوب آسيوي آخذٌ في الانقراض، يُستخدم لترميم تمزّقات الأقمشة وإطالة عمرها، وقد عُرض عملٌ صُنع منه حصراً في بينالي البندقية عام 2024. تصف سوالي هذه الحرفة بعمقٍ خاص: "الرافوغاري فعلٌ استثنائي في الاستمرارية. إنه يتيح لك صناعة إرثٍ يُورَّث. أردنا رعايته وحمله إلى الأمام"، وتضيف في تعميمٍ يحمل نبرة تحذير: "إنها استعارة للحرفة بهذا المعنى، أليس كذلك؟ فإن لم يوجد رعاة، ستتراجع هذه الفنون وتندثر".
من يُنسَب إليه الإبداع؟
لكنّ هذا الحضور المتصاعد للحرفيين الهنود على المسارح العالمية لا يخلو من توتّرات. فقد واجهت "رالف لورين" (Ralph Lauren) في وقتٍ سابق من هذا العام اتّهاماتٍ باستخدام طبعة "باندهاني" التقليدية على تنّورة دون الإشارة إلى أصلها الهندي، ولم تُصدر الماركة أيّ تعليقٍ علني بشأن الانتقادات، ولم تردّ على طلب للتعليق.
وفي 2025، واجهت "برادا" (Prada) ردّ فعلٍ غاضباً بعد إطلاق صنادل جلدية مسطّحة رأى مراقبون هنود أنها تشبه إلى حدٍّ كبير "كولهابوري تشابال"، الحذاء التقليدي لولاية ماهاراشترا. اعترفت "برادا" هذه المرة بأنّ التصميم "مستوحًى فعلاً من الأحذية الهندية"، وتعاونت لاحقاً مع هيئاتٍ حرفية في ولاياتٍ غربية بالهند لإنتاج نسخةٍ محدودة من الصنادل.
وحتى "فندي"، رغم علاقتها الوثيقة بـ"تشاناكيا"، لم تسلم من الجدل: فحقيبة "بغيت" (Baguette) المطرّزة بأعمال المرايا التي صنعها حرفيّو "تشاناكيا" أثارت انتقاداتٍ مؤخراً من بعض مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي في الهند، الذين رأوا أنّ الإشارة إلى مصدر التطريز لم تكن كافية، رغم أنّ الماركة كانت قد نوّهت سابقاً بمساهمة "تشاناكيا" عبر حساباتها على وسائل التواصل.
تعلّق سوالي على هذا التوتّر الدائم بين الإلهام والاستحواذ بقولها: "التقدير الثقافي والتعاون، مع ذلك، يمنحان الحرفة حياةً وإمكانات أوسع"، لكنها تشدّد على ضرورة الوعي بحساسية الموضوع: "من المهم أن تكون حسّاساً تجاه مجتمعٍ عمل لعقودٍ وأجيال هناك تفانٍ وشجاعة كبيران في "الرياض" (التمرين) الذي يمارسه الحرفي طوال حياته. عليك أن تعترف بالتقاليد النسيجية الفريدة لكل بلد وتتعامل معها باحترام".
متى يصبح التعاون شراكةً حقيقية؟
من بين المحطات التي تعتبرها سوالي نقطة تحوّل، عرض "ديور" في مومباي عام 2023، حين سلّطت الماركة، بقيادة ماريا غراتسيا كيوري، الضوء على حرفيي "تشاناكيا" علناً، وحضر هؤلاء الحرفيون العرض بأنفسهم ليروا أعمالهم على المدرج. تقول سوالي إنّ هذه اللحظة كانت "مهمة بشكلٍ خاص في تفكيك فكرة أنّ الماركات تأتي إلى الهند فقط لأنّ العمل هنا أرخص"، وتصف الأثر العميق لتلك التجربة: "لا يمكنك أن تتخيّل ما فعله ذلك لعائلاتهم وقراهم"، مضيفةً: "لقد أدركوا مساهمتهم على مسرحٍ عالمي".
وتؤكّد سوالي أنّ الأمر يتجاوز الكلفة المنخفضة نسبياً: "نحن نعمل مع بيوت الأزياء الراقية في العالم لأنّ لدينا مفردات بالغة المرونة، وأمهر الحرفيين في العالم. الهند هي المكان الوحيد المتبقّي بهذا المستوى من المهارة".
قريباً، سيُقدّم حرفيّو "تشاناكيا" عروضاً حيّة لتقنياتهم ضمن معرضٍ مؤقّت في متجر "هارودز" (Harrods) بلندن، في خطوةٍ أخرى نحو كسر الحاجز بين المستهلك وصانع القطعة التي يرتديها. وتعمل سوالي حالياً على مواجهة ظاهرةٍ تُقلقها بشدّة: ابتعاد الأجيال الشابة من الحرفيين عن هذه المهن، عبر تخطيطٍ لشراكاتٍ مع جامعاتٍ عالمية تهدف إلى مأسسة تعليم الحرفة وضمان استمراريته.
وفي الوقت ذاته، تسعى سوالي إلى نشر لغة التصميم الهندية عالمياً عبر علامتها الخاصة "Chorus"، للأزياء الجاهزة ومنتجات نمط الحياة، مؤمنةً بأنّ الحرفي يمكن أن يبقى في الهند بينما تسافر صنعته إلى أرجاء العالم. فالسؤال الذي تترك "تشاناكيا" العالم يواجهه بعد أربعين عاماً ليس فقط من صنع هذه القطعة الفاخرة، بل من يستحقّ أن يُذكر اسمه حين تُروى قصّتها.
أخبار ذات صلة

الموضة الأمريكية تغزو مطاعم فرنسا

عندما يلتقي الفرح بالحزن: قصة مصمّم معروف بجمال تصاميمه

الساعات الخمس الأكثر رغبةً للنساء في 2026
