يِنكا إيلوري بين الفرح والحزن في تصميم الحياة
يستعرض المصمم Yinka Ilori رحلته بين الفرح والحزن بعد فقدان والدته وكيف حوّل ألم الفقد إلى فن وحركة خيرية تصمم ملاعب للأطفال، معزّزاً هويته بين لندن ونيجيريا بأسلوب ملون ينبض بالذاكرة والفرح خَبَرَيْن

حين رحلت والدته عام 2024، وجد المصمّم البريطاني النيجيري Yinka Ilori نفسه في مكانٍ لم يتوقّعه: يواجه الحزن بمفرده، بعد خمس عشرة سنةً قضاها يبشّر بالفرح. الرجل الذي بنى مسيرته على الألوان الصاخبة والتصاميم التي تُطلق الدوبامين كما يُوصف أسلوبه كان عليه فجأةً أن يتصالح مع الغياب. يقول بصراحةٍ نادرة: «شعرت بغرابة الأمر، كأنّني محتالٌ».
لكنّ Ilori لم يتوقّف عند هذا الشعور. بدلاً من ذلك، حوّله إلى كتابٍ وأسّس مؤسّسةً خيرية، وأعاد تعريف ما يعنيه الفرح بالنسبة إليه ليس نقيضاً للحزن، بل شيئاً يسكن جانبه ويتعايش معه.
كرسيٌّ يحمل عشر سنوات من الذاكرة
صدر حديثاً كتاب «Chairman» عن دار ORO Editions، وهو مرجعٌ بصري يتتبّع عقداً كاملاً من تصاميم Ilori للكراسي الأثاث الذي اختاره لتكون لغته الأولى في الحديث عن الهوية والهجرة والعائلة. الكتاب ليس مجرّد توثيقٍ لأعمال، بل هو قراءةٌ في كيفية احتفاظ الأشياء بالذاكرة والقصص.
من أبرز الكراسي التي يستعرضها الكتاب: «Ni Akoko Fe»، وهو تصميمٌ يحتفي برحلة والديه من نيجيريا إلى المملكة المتحدة؛ و«Two Become One»، أوّل كرسيٍّ صمّمه Ilori على الإطلاق بشكله الذي يخلو من المقعد؛ ثمّ «Iya Ni Wura»، كرسي الهزّاز الذي يعني اسمه «الأمّ ذهبٌ» باللغة اليوروبية وهو تكريمٌ مباشر لوالدته التي ألهمته بشغفها بجمع الأشياء، وبنظرتها إلى كلّ مقتنىً باعتباره حاملاً لقصّةٍ وذاكرة.
يرفض Ilori فكرة أن يكون هذا الكتاب استعراضاً للمسيرة في نهايتها. هو في التاسعة والثلاثين من عمره، ويريد أن يتحدّث عن عمله الآن، لا لاحقاً. «لا أؤمن حقاً بفكرة الاستعراض الختامي حين تكون مسيرتك على وشك الانتهاء. لماذا أنتظر حتى أبلغ الثمانين أو التسعين؟» ثمّ يضيف بنبرةٍ أكثر شخصية: «أشعر أنّني في منتصف مسيرتي، وأريد أن أنظر إلى ما أنجزته وأتحدّث عنه الآن... لا أريد أن أتهرّب من فكرة أن أفعل ذلك وأنا في التاسعة والثلاثين. لماذا لا؟»
لندن في الجسد، نيجيريا في الروح
نشأ Ilori في لندن، وتشكّلت رؤيته البصرية من نسيجٍ متشعّب: العمارة، الموسيقى، الموضة، الخامات، الأصوات، الرسوم المتحرّكة. كلّ ذلك ترك أثره في طريقة نظره إلى العالم وفي هويّته كمصمّم وفنّان. يقول: «نشأتي في لندن كنت محاطاً بكلّ شيء، من العمارة إلى الموسيقى والموضة والخامات والأصوات والرسوم المتحرّكة. كلّ ذلك أثّر حقاً في طريقة رؤيتي للعالم وفي حضوري كفنّانٍ ومصمّم جذوري كان لها الأثر الأكبر في مسيرتي».
هذه الجذور المزدوجة بريطانية في الشكل، نيجيرية في العمق هي ما يجعل أسلوبه مغايراً للتيّار السائد. في عالمٍ يميل كثيرٌ من مصمّميه نحو الحياد والتقشّف، يصرّ Ilori على الألوان الجريئة والتصاميم المشبعة بالمعنى العاطفي، رافضاً الجماليات الصارمة التي تُفرغ الأشياء من تاريخها.
عام 2024 كان عاماً حافلاً على صعيد التعاونات: Rapha، وVeuve Clicquot، وBloomingdales، وDunelm، وAbsolut Vodka، وStarbucks، وPortland Art Museum قائمةٌ تعكس مدى اتّساع حضوره خارج حدود التصميم التقليدي. يقول عن فلسفته في اختيار شركائه: «أحبّ العمل مع العلامات التجارية المنفتحة على أفكارٍ جديدة وطرقٍ جديدة في التفكير، وحيث يكون العمل في متناول الجميع». ولا يتردّد في الإقرار بالجانب العملي: «نعم، المال عاملٌ في المعادلة».
في أغسطس 2024، ألقى Ilori محاضرة TED بعنوان «كيف أحوّل الفرح إلى فنّ»، وأقام معرضه الفردي الأوّل «Joy Through Resistance» في Cristea Roberts Gallery بلندن وكلاهما جاء في العام ذاته الذي فقد فيه والدته، وهو توقيتٌ يكشف كيف يتعامل مع الحزن: بالعمل لا بالصمت.
الفرح الموروث، وملاعب تُبنى من الصفر
ما يشغل Ilori اليوم أكثر من أيّ شيءٍ آخر هو سؤالٌ يطرحه بنفسه: إذا كنّا نتحدّث كثيراً عن الصدمات الموروثة عبر الأجيال، فلماذا لا نتحدّث بالقدر ذاته عن الفرح الموروث؟ «نقضي وقتاً طويلاً نتحدّث عن الصدمة عبر الأجيال، لكن ماذا عن الفرح عبر الأجيال تلك البذور من الفرح التي أُعطيت لنا والتي نمرّرها كطقوسٍ لأحبّائنا ومجتمعاتنا؟»
من هذا السؤال وُلدت Yinka Ilori Foundation، المقرّر إطلاقها عام 2025، بهدف تصميم مساحات لعبٍ في مناطق تفتقر إليها، بمشاركة المجتمعات المحلّية في كلٍّ من كينيا ونيجيريا ولندن. المشروع الأوّل للمؤسّسة سيكون في لامو (Lamu) بكينيا.
الدافع وراء المؤسّسة ليس رومانسياً؛ إنّه يرى في اللعب ضرورةً صحية حقيقية عقلياً وجسدياً ويُشير إلى أنّ اللعب يؤثّر حتى على نموّ الشعر عند الأطفال. لكنّه يعرف أيضاً أنّ ملايين الأطفال حول العالم محرومون منه. «هناك أطفالٌ في العالم الآن لا يلعبون أبداً. كلّ ما يعيشونه هو الحرب والصدمة والإهمال. جزءٌ كبير من اللعب غائبٌ عن طفولتهم».
ولا يقتصر قلقه على الأطفال. يرى أنّ البالغين أيضاً يعانون من حاجزٍ نفسي يمنعهم من الوصول إلى الفرح واللعب والخيال. «أحياناً يشعر الناس بأنّهم يحتاجون إلى إذنٍ للوصول إلى الفرح، أو اللعب، أو الحلم. ثمّة نوعٌ من الحاجز البالغون ليسوا جيّدين في ذلك على الإطلاق».
حين يسكن الفرح جانب الغياب
ما يجعل Ilori مختلفاً ليس فقط ألوانه، بل قدرته على إعادة تعريف الفرح بعيداً عن السطحية. بعد رحيل والدته، وجد نفسه يعيد النظر في كلّ ما بنى عليه فلسفته. «للمرّة الأولى كان عليّ أن أعالج الفقد والحزن، في حين أنّني كنت أبشّر بالفرح طوال خمس عشرة سنة». لكنّه لم يتراجع عن قناعاته بل وسّعها. «يبدو ما سأقوله غريباً، لكن لا يزال هناك فرحٌ في الفقد والحداد حين تنظر إليه جيّداً... في كلّ تلك الذكريات».
كتاب «Chairman» الصادر عن ORO Editions هو ربّما أوضح تجسيدٍ لهذه الفلسفة المعقّدة: كراسٍ تحمل أسماء يوروبية، وقصص هجرة، ومقاعد فارغة تعني أكثر ممّا تعنيه المقاعد المملوءة. Ilori في التاسعة والثلاثين يعيد ترتيب عقدٍ من عمله لا ليودّعه، بل ليفهم من أين يمضي بعد ذلك.
أخبار ذات صلة

الموضة الأمريكية تغزو مطاعم فرنسا

الحرف الهندية تترك المصانع الخفية: تشاناكيا تعيد تعريف الصناعة الفاخرة

الساعات الخمس الأكثر رغبةً للنساء في 2026
