النكهات الأمريكية تغزو باريس وتغير عادات الإكرامية
في باريس موجة أمريكية جديدة في المطاعم تغير عادات الأكل من البيتزا بالقطعة إلى العشاء المبكر، وتدخل الإكرامية الرقمية صراعاً مع التقاليد الفرنسية التي تعتبر البقشيش اختيارياً. اكتشف التفاصيل في خَبَرَيْن.

في مطعم «Red Sauce» بباريس، تتقدّمك رائحة البيبروني المشوي قبل أن تطأ قدماك الأرضية المرقّطة بالفورميكا. مقاعد الجلد الأحمر، اللافتات النيونية، مراوح السقف البطيئة، وعلى كلّ طاولة أواني ملحٍ وفلفلٍ عتيقة الطراز وقناني صلصة تاباسكو وكأنّك دخلت حلقةً من «ذا سوبرانوز» لا مطعماً في قلب العاصمة الفرنسية. النادلون الشباب يتحدّثون بلكنةٍ إيطاليةٍ خفيفة وهم يقدّمون أطباق البيتزا على طريقة ديترويت المغطّاة بالهالابينو والعسل الحار، إلى جانب كرات اللحم العملاقة وباذنجان البارميجيانا. منذ عامٍ تقريباً، تحوّل هذا المكان إلى ظاهرةٍ انتشرت صورها على منصّات التواصل، ليصبح واحداً من عشرات التجارب الأمريكية الطابع التي غزت المشهد الباريسي في السنوات الأخيرة.
لكنّ ما بدأ كموضةٍ في الطبق بدأ يتسلّل إلى طقوسٍ أعمق في الثقافة الفرنسية، وعلى رأسها طقس الإكرامية وهنا بالتحديد تشتعل المقاومة.
من البيتزا بالشريحة إلى سلال المأكولات البحرية
لم تعد الموجة الأمريكية مقتصرة على "Red Sauce". في باريس اليوم، تجد البيتزا تُباع بالشريحة، وبرغر "سماش" يُشوى على الصاج أمامك، ودوناتس طازجة تُعرض خلف الواجهات الزجاجية. وفي الموجة الأحدث، ظهرت مطاعم الشواء على الطريقة التكساسية، والدجاج المقلي والوافل على الطراز الجنوبي، وحتى سلال المأكولات البحرية التي تُقدَّم مع قفازاتٍ بلاستيكية ومرايل ورقية يرتديها الزبائن قبل أن يغوصوا بأيديهم في الطعام. هذه العروض اكتسبت شرعيتها في فرنسا عبر وسائل التواصل الاجتماعي والتسويق الذكي، حتى باتت جزءاً من المفردات اليومية لهواة المطاعم في العاصمة.
التغيير لا يتوقّف عند الطبق، بل يمتد إلى الإيقاع نفسه. بعض المطاعم الجديدة باتت تفتح أبوابها للعشاء من الساعة 6:30 مساءً، في قطيعةٍ واضحة مع العادة الفرنسية التي اعتادت أن يبدأ فيها العشاء نحو الساعة 7:30، وتبلغ ذروته في الثامنة. صحيفة «لو فيغارو» رصدت هذا التحوّل في عنوانٍ تساءل: "هل هي موضة عابرة أم بداية تحوّل في العادات؟" وفي السياق ذاته، لاحظت بريسيلا كوانغ الطاهية التي عاشت في نيويورك وسان فرانسيسكو وهونغ كونغ قبل أن تعود إلى باريس أن "غداء العمل بدأ يختفي"، في إشارةٍ إلى أن ثقافة العشاء المبكّر وفترات الاستراحة القصيرة بدأت تطيح بتقاليد الغداء الفرنسي الطويل متعدّد الأطباق.
في مطعمها "Bittikesu"، الذي افتتحه الطاهي الكندي جول سان-سير في أبريل، تُقدَّم قائمة تذوّق من 15 طبقاً تستغرق نحو ساعتين ونصف، وتبدأ الجلسة الأولى في 6:30 مساءً والثانية في التاسعة، بحدٍّ أقصى عشرة ضيوف لكلّ جلسة. يقول سان-سير إن الهدف من الموعد المبكّر عملي بحت: "لا أريد لفريق العمل أن ينهي يومه متأخّراً جداً. الأمر لا يستحقّ ذلك على المدى الطويل." ويضيف أن روّاد الجلسة المبكرة مزيجٌ من السيّاح وبعض الفرنسيين الذين تقبّلوا الفكرة. أما كوانغ نفسها، فلم تفتح مطعمها الفاخر لتقديم الغداء أصلاً.
حين يطلب منك جهاز الدفع إكرامية
إذا كانت موجة البيتزا والبرغر تثير فضولاً، فإن ما يثير الجدل الحقيقي هو ظهور طلبات الإكرامية الرقمية على أجهزة الدفع وأكواد الاستجابة السريعة (QR)، حيث يُطلب من الزبون الفرنسي اختيار نسبة تتراوح بين 5% و20% فوق قيمة الفاتورة سواء في المطعم، أو عند الطلب الخارجي، أو حتى عند شراء فنجان قهوة.
هذا يصطدم مباشرةً بثقافة محلّية مختلفة جذرياً. في فرنسا، الإكرامية تقليدياً اختيارية بالكامل، والعاملون يتقاضون الحد الأدنى للأجور، بينما تتضمّن فواتير المطاعم رسم خدمةٍ بنسبة 15% (الخدمة مضمّنة أو service compris) يُستخدم لدفع رواتب الطاقم. ما يتركه الزبون الفرنسي عادةً هو الفكّة أو بضعة يوروهات تقديراً لخدمةٍ جيدة. تشرح إليزابيث دوبورس، رئيسة تحرير دليل المطاعم «لو فودينغ» ومؤلّفة كتاب "American appétit" الصادر عام 2023: "في فرنسا، البقشيش تقليدياً هو الفكّة التي في جيبك وتتركها على الطاولة ليشتري بها الطاقم شراباً لاحقاً." وكلمة "pourboire" الفرنسية نفسها تعني حرفياً "من أجل الشرب" وهو ما يلخّص حجم الاختلاف الثقافي.
هذا الفارق دفع الفيلسوف جان-لوب بونامي، في حديثٍ على برنامج "Les Grandes Gueules"، إلى القول: "إنه شكلٌ من أشكال أمركة المجتمع الفرنسي." ويذهب أبعد من ذلك: "إنها ثقافة 'التيبينغ'، وهي شكلٌ خَنوعٌ ومُساء فهمه من الأمركة." أما الصحفي فريدريك مارتيل، فاستخدم كلمةً أكثر حدّة ووصف الممارسة بأنها "سرقة"، داعياً إلى فرض سقفٍ بنسبة 5% على الإكرامية في فرنسا: "في عصر الدفع الرقمي، حان الوقت لتنظيم الممارسات التعسفية في المطاعم لطمأنة الزبائن والبقاء وفيّين للروح الفرنسية القائمة على أن الخدمة مضمّنة."
"يكسر العلاقة بين النادل والزبون"
الاعتراض لا يقتصر على المثقفين والصحفيين؛ فالزبائن العاديون يشعرون بالضغط أيضاً. روز كامارا، مدرّسة لغة إنجليزية من ليون، تقول إنها تترك إكراميةً تقديراً لخدمةٍ جيدة، لكنها ترفض فكرة أن تُملى عليها النسبة عبر شاشة: "حين تظهر لي شاشة الإكرامية على التطبيق الرقمي، أرفضها بشكلٍ تلقائي لأنني أخشى أن يقودنا ذلك إلى النظام نفسه المعمول به في الولايات المتحدة." وتضيف أن الأمر "يشكّل عبئاً ثقيلاً على بعض الناس"، خصوصاً عند تقسيم الفاتورة بين الأصدقاء: "أعرف أن بعض أصدقائي مضطرون لأن يكونوا حذرين جداً في ما ينفقونه، فطلب 10% أو حتى 5% زيادة قد يكون كثيراً بالنسبة لهم، ولا يشعرون بالارتياح."
ومن جنوب فرنسا، يأتي صوت كريستوف سوك، صاحب سبعة مقاهي وحانات بينها سلسلة حانات "Ma Nolan's" الأيرلندية في تولوز وكان ونيس، ورئيس الفرع المحلّي لاتحاد تجارات وصناعات الضيافة في منطقة نيس. سوك لاحظ منذ التسعينيات إكراميات سخية بأسلوبٍ أمريكي شمالي في مطاعمه، وربط ذلك بتزايد السياحة الأمريكية والكندية مع ازدياد الرحلات الجوية المباشرة. لكنه حسم موقفه أخيراً بإزالة الإكرامية الرقمية من كل مطاعمه، قائلاً بلا تردّد: "الثقافة الأنجلوفونية جلبت الإكرامية إلى فرنسا. هذا واضحٌ جداً." ويوضّح اعتراضه القانوني والأخلاقي: "من المفترض أن تكون الإكرامية بمحض إرادة الزبون. لكن إجباره على الاختيار من بين مبالغ معروضة على جهاز الدفع ينتهك خصوصيته وحقّه في القرار." ويصف شعوره عند رؤية الشاشة بأنه "عدواني ومُصدِم... يكسر العلاقة بين النادل والزبون"، مضيفاً أن الأمر "يتوقّف عن أن يكون متعلّقاً باللطف أو التواصل الإنساني، ويصبح مجرّد معاملة مالية بحتة بين النادل والزبون".
حتى أسلوب الخدمة نفسه بدأ يتغيّر بعين كامارا. فالخدمة الفرنسية تُوصف تقليدياً بأنها فعّالة ومهنية ومتحفّظة، على عكس الخدمة الأمريكية الشمالية الأكثر "معاملاتية" والمعتمدة على التعريف بالنفس والمتابعة المستمرة وعروض البيع الإضافي. بعد سفرها إلى كندا، وجدت كامارا هذا الأسلوب "مرهقاً"، ولاحظت تسرّبه إلى باريس: "قبل عشر أو خمس عشرة سنة، كان النُّدُل هنا متحفّظين جداً ولا يتدخّلون في الحديث. الآن، نرى نُدُلاً أصغر سناً يأتون ويقدّمون أنفسهم ويخوضون في أحاديث جانبية."
الأرقام وراء الجدل
البيانات تؤكّد أن الظاهرة ليست مجرّد انطباعٍ عابر. تقريرٌ صادر عن منصّة الدفع "Lightspeed"، شمل 1,500 مطعم فرنسي يستخدمون أنظمتها بين يونيو 2023 وأغسطس 2025، أظهر أن نسبة المعاملات الرقمية التي تتضمّن إكراميات قفزت من 4% عام 2023 إلى ما يقارب 10% عام 2025 أي أنها تضاعفت أكثر من مرّتين في غضون عامين فقط.
وقد ساهمت السياسة الضريبية في تسريع هذا الاتجاه: فمنذ عام 2022، أعلنت الحكومة الفرنسية إعفاء الإكراميات المدفوعة عبر البطاقات من الضرائب، بعدما كانت تُحتسب سابقاً ضمن إيرادات المطعم الخاضعة للضريبة. وهذا الإعفاء، الذي يشمل الإكراميات النقدية والرقمية على حدٍّ سواء، سيبقى سارياً حتى نهاية عام 2028 وهو ما يجعل السنوات المقبلة محطّ ترقّب لمعرفة ما إذا ستتحوّل الإكرامية الرقمية من استثناءٍ مؤقت إلى عادةٍ راسخة.
على الإنترنت، لا يخفي بعض المعلّقين الفرنسيين شكوكهم في أن المستفيد الحقيقي من هذا النظام ليس النادل بل المطعم نفسه ومنصّات الدفع التي تتقاضى عمولات على كل معاملة.
بين من يرفض ومن يقاوم بصمت
في المطبخ الآخر من المدينة، تختار بريسيلا كوانغ موقفاً واضحاً. في مطعمها "Trâm 130" وهو مطعمٌ نصف تقليدي (neo-bistro) يمزج النكهات الفرنسية والآسيوية، افتُتح عام 2024 ويحمل اسمها الفيتنامي الأول "ترام" (يُنطق "تيام") منعت الإكرامية تماماً: "رفضت رفضاً قاطعاً تطبيق ذلك في مطعمي الأول. لا أجد أنه من الأناقة أن يكون زرّ 'الإكرامية' تحت أنفك مباشرةً عند دفع الفاتورة، خصوصاً أن متوسط الفاتورة في ذلك المكان أعلى قليلاً."
لكنها اضطرت للتراجع جزئياً في مشروعها الأحدث، "Trâmette" وهو مطعمٌ أصغر وأكثر بساطة بطراز عدّاد الدِّلي (deli)، افتُتح في يوليو، واستوحته من المحال التي كانت ترتادها خلال إقامتها في الولايات المتحدة. هنا، أضافت خيار الإكرامية على مضض، لكن الطاقم يتجاهل طلبها في مرّتين من كل ثلاث مرّات تقريباً. والنتيجة: نحو 20% فقط من الزبائن يتركون إكرامية، ومعظمهم خلال وجبة العشاء، وغالباً ما تتراوح المبالغ بين 2 و5 يورو (ما يعادل 2.30 إلى 5.80 دولار). تلخّص كوانغ الأمر بوضوح: "ليست ردّة فعلٍ تلقائية إطلاقاً بالنسبة للفرنسيين... وحين يدفعون إكرامية، يتركون عادةً بين 2 و5 يورو. ما زلنا لا نملك هذه العادة الراسخة في تقديم الإكرامية على الإطلاق."
أما سان-سير، الطاهي الكندي الذي عاش التجربتين على الضفّتين، فيرفض فكرة إقحام الإكرامية الرقمية في مطعمه رفضاً قاطعاً، قائلاً إنه "لا يريد حتى أن يسمع عن الأمر".
هل يمكن فصل البرغر عن السياسة؟
رغم كل هذا الجدل، تذهب إليزابيث دوبورس التي تعيش في بلجيكا وتعمل نصف الأسبوع في باريس، وتتناول الطعام خارج المنزل ثلاث مرّات أسبوعياً في المتوسط إلى أن تراجع القدرة الشرائية في فرنسا يحدّ أصلاً من قدرة الزبائن على ترك إكراميات سخية، بغضّ النظر عن الجدل الثقافي الدائر.
وتطرح دوبورس ملاحظةً أعمق تفسّر كيف يمكن للفرنسيين أن يحتضنوا البيتزا بالشريحة والبرغر وحتى طقس العشاء المبكّر، بينما يرفضون في الوقت نفسه ثقافة الإكرامية الأمريكية: "بالنسبة للفرنسيين، لا توجد علاقة بين الاستمتاع بأشياء نابعة من... القوة الناعمة الأمريكية والسياسة الأمريكية الراهنة." بعبارةٍ أخرى، يمكن لرائد مطعم "Red Sauce" أن يستمتع بشريحة بيتزا ديترويت مغموسة بالعسل الحار، تماماً كما استمتع كثيرون بمشاهد الغداء الباريسي الطويل في مسلسل "Emily in Paris"، دون أن يشعر بأي تناقضٍ في رفضه لزرٍّ يطلب منه 15% إضافية على فاتورة قهوته الصباحية.
فالمعركة الحقيقية في باريس اليوم ليست حول نكهة الطعام، بل حول من يملك القرار في اللحظة الأخيرة من الوجبة تلك التي تتحوّل فيها علاقةٌ إنسانية بسيطة بين نادلٍ وزبون إلى معادلةٍ رقمية باردة على شاشة جهاز دفع. ومع اقتراب نهاية الإعفاء الضريبي عام 2028، يبقى السؤال مفتوحاً: هل ستجد فرنسا صيغتها الخاصة للتعامل مع هذه العادة الوافدة، أم ستُحسم المعركة لصالح الشاشات الرقمية كما حُسمت لصالح البيتزا بالشريحة؟
أخبار ذات صلة

الحرف الهندية تترك المصانع الخفية: تشاناكيا تعيد تعريف الصناعة الفاخرة

عندما يلتقي الفرح بالحزن: قصة مصمّم معروف بجمال تصاميمه

الساعات الخمس الأكثر رغبةً للنساء في 2026
