تصاعد التوتر بين أوكرانيا والولايات المتحدة حول ستارشيلد
تتصاعد التوترات بين واشنطن وكييف بعد قيود أمريكية على منظومة Starshield وضغوط لوقف هجمات أوكرانية على منشآت الطاقة الروسية. في ظل انتقادات ترامب لـ Zelensky وتصعيد روسي مستمر، الأزمة تعكس تعقيدات الحرب وتأثيرها على المدنيين. خَبَرَيْن

في كييف، قالت كاتيا فوتيما، وهي شابة في الثالثة والعشرين من عمرها، يوم الخميس إن الهجمات الصاروخية على العاصمة تزداد رعباً. وأضافت: «لا تعرف أبداً، ففي أي ثانية قد يسقط الصاروخ على بيتك، أو على بيت جارك». كلماتها تختصر ما وراء أزمة تتفاقم بين واشنطن وكييف، وُصفت بأنها الأسوأ في العلاقة بين البلدين منذ مشادّة المكتب البيضاوي العام الماضي.
ما الذي فجّر القطيعة الجديدة؟
يدور الخلاف على نقطتين. الأولى هوية من أمر بفرض قيود على منظومة Starshield، النسخة العسكرية من خدمة Starlink. والثانية الضغط الأمريكي على أوكرانيا لوقف هجماتها على منشآت الطاقة الروسية.
أعلن الرئيس الأوكراني Volodymyr Zelensky يوم الخميس أن بلاده ستستأنف هذه الهجمات، وقال: «انتهينا». ويقول الرئيس الأمريكي Donald Trump إن ضربات المصافي الأوكرانية تُفاقم أسعار الديزل والبنزين في الولايات المتحدة قبل انتخابات التجديد النصفي. وتربط التغطية قلق Trump من كلفة الطاقة بالحرب في إيران.
تسلسل الأسبوع: صفقة ديزل وتهديدات وهدنة لم تصمد
بدأت الأحداث الجمعة الماضي حين أعلن Trump صفقة لشراء الديزل من روسيا، وهي صفقة توصَف بأنها التفاف على العقوبات. وفي عطلة نهاية الأسبوع حذّرت الإدارة الأمريكية كييف من احتمال وقف تبادل المعلومات الاستخباراتية، وهدّدت كذلك بمنع مشتريات الأوروبيين من الأسلحة الأمريكية الصنع. وربطت واشنطن التهديدين بتوقف أوكرانيا عن ضرب المصافي الروسية بعيدة المدى.
وبعد موجة انتقادات أعلن Trump هدنة تشمل منشآت الطاقة الروسية والأوكرانية. ثم أشار لاحقاً إلى أنه لم يُبلغ طرفي القتال قبل إعلانها. التزمت أوكرانيا بالهدنة، فردّت روسيا بضربات جوية وبالمسيّرات على محطات الطاقة الأوكرانية، تركت 600 ألف شخص بلا كهرباء.
وفي يوم الثلاثاء قال Zelensky إن بلاده لم تتلقَّ من الولايات المتحدة الإنذار المبكر المعتاد. وفي ذلك اليوم أصاب صاروخ باليستي روسي محطة كهرباء كبرى في كييف، وألحق أضراراً بمبنى سكني. أما الإدانة الأمريكية لهجمات الصواريخ الروسية المتواصلة على المدنيين فوُصفت بأنها هزيلة الأثر.
ويزيد الوضع حرجاً أن أوكرانيا استنفدت صواريخ منظومة الدفاع الجوي الأمريكية Patriot. وكان Trump قد طرح علناً في وقت سابق من العام الجاري إمكانية ترخيص إنتاج نسخ من Patriot داخل أوكرانيا، لكنه لم يمضِ في ذلك. وفي المقابل تسبّبت الهجمات الأوكرانية على منشآت الطاقة الروسية في طوابير أمام محطات الوقود في بعض مناطق أوكرانيا.
من قيّد Starshield؟
تملك الحكومة الأمريكية منظومة Starshield وتتحكم فيها، لا Elon Musk. وبحسب التغطية، حدّت القيود من سرعة المعدات العسكرية الأوكرانية، ومنها الطائرات المسيّرة. كما قلّصت قدرة كييف على الاتصال وعلى تشغيل الطائرات الحربية والمروحيات، وهو ما منح روسيا أفضلية ميدانية كبيرة.
ويتبادل الأطراف الاتهام. كتب Musk على منصة X يوم الأربعاء: «أي قيود على السرعة أو الاستخدام يقررها الجيش الأمريكي، وفي نهاية المطاف رئيس الولايات المتحدة». وقال مسؤولان أمريكيان كبيران إن Trump لم يأمر بفرض القيود، فيما يزداد اعتقاد بعض المسؤولين بأن Musk يتحمل القسط الأكبر من المسؤولية.
لكن تقرير Reuters مساء الخميس قلب الصورة، إذ نقل عن مسؤولَين أمريكيَّين ومسؤول غربي مطّلع على الملف أن أمر التقييد صدر من داخل البيت الأبيض. وقال Zelensky: «لم تكن مشكلة تقنية»، مؤكداً أن القيود كانت متعمدة. ونقلت Financial Times عن مصدر عسكري أوكراني أن الوظائف الكاملة لـ Starshield استُعيدت وأن حدود السرعة رُفعت.
Trump بين Zelensky و Putin
في مقابلة مع Newsmax يوم الخميس انتقد Trump نظيره الأوكراني بحدّة، وقال: «لست من كبار المعجبين بـ Zelensky. لقد دمّروا ذلك البلد». وأضاف: «أجد أن التعامل مع Zelensky أصعب من التعامل مع Putin». وقال الاثنين: «أعتقد في الواقع أن Putin يريد التوصل إلى صفقة أكثر من Zelensky».
وليست هذه المرة الأولى التي يضع فيها Trump المساعدات العسكرية في خدمة أهدافه مع كييف. ففي مكالمة هاتفية عام 2019 استخدم احتمال تقديم مساعدة عسكرية للضغط على Zelensky كي يفتح تحقيقاً يطال Joe Biden ونجله Hunter، وانتهت تلك الواقعة بأول مساءلة لـ Trump بقصد العزل.
أما على الجانب الروسي، فلم يُبدِ Putin منذ عودة Trump إلى السلطة العام الماضي أي مؤشر على تليين موقفه. فهو يشترط أن تسلّم أوكرانيا، وهي جمهورية سوفييتية سابقة، أراضي شرقية حيوية لم تسيطر عليها القوات الروسية بعد، منذ أن شنّت روسيا غزوها غير المشروع عام 2022 سعياً إلى سحق سيادة أوكرانيا. ولا يستطيع Zelensky قبول صفقة كهذه لأنها تخون ذكرى قتلى الحرب الأوكرانيين، ولأنها ستمنح روسيا موطئ قدم لغزو مقبل.
صفقة الديزل: من المستفيد؟
تقلق واشنطن وعواصم أوروبية من أن يتخذ Trump خطوات قد تخدم Putin، وقد أثارت تصرفاته وخطابه الأخيرة استياء حلفاء يفضّلون الضغط على موسكو. ويرى منتقدون أن صفقة الديزل لن تخفّض الأسعار كثيراً قبل انتخابات التجديد النصفي. ولو طُبّقت بالكامل لضخّت مليارات الدولارات في الاقتصاد الروسي، وقد تستخدمها موسكو في تعزيز آلتها الحربية. ويأتي ذلك في ظل سياسة يختصرها Trump بشعار «أمريكا أولاً».
وفي مقابلة مع Financial Times قال Zelensky إن الولايات المتحدة تتصور صفقات أخرى مع Putin، ربما في الغاز. وتوقّع ألا تلقى شعبية في الولايات المتحدة، مضيفاً: «سيرغب الجميع في أن يسأل كيف يمكن أن يحدث هذا، فيما يكافح بعض الناس من أجل البقاء ويقاتلون ويموتون، وأنتم تُجرون أعمالاً تجارية مع أشخاص بهذا القدر من العدوانية».
وتتسع دائرة القلق من سلوك موسكو. في مارس زوّدت روسيا إيران في مرحلة سابقة من الحرب بمعلومات استخباراتية عن سفن أمريكية وطائرات وأفراد. وتُتهم روسيا بعمليات تخريب ومضايقة ضد حلفاء واشنطن في الناتو. وحذّر رئيس جهاز MI5، الاستخبارات البريطانية الداخلية، هذا الأسبوع من أن موسكو تشنّ حرباً هجينة ضد بريطانيا وحلفائها، ووصفها بأنها «المعتدي الأول».
ويقدّم منتقدو Trump قراءة انتخابية لهذا المسار. قال Tom Keatinge، مدير مركز التمويل والأمن في المعهد الملكي للخدمات المتحدة (RUSI) في لندن: «Donald Trump يضع موقفه الانتخابي قبل أمن الشعب الأوكراني وسلامته وحياته، وينبغي ألا يغيب هذا عن المشاهدين ولا عن صانعي السياسات على ضفتَي الأطلسي». أما السيناتور الديمقراطي عن ولاية ديلاوير Chris Coons فقال: «Trump يائس ويفعل أي شيء لتحسين موقعه وموقع الجمهوريين المرشحين لمجلس الشيوخ في انتخابات التجديد النصفي هذه».
ماذا ينتظر كييف؟
تعود الحسابات الكبرى إلى أسئلة بسيطة في شوارع العاصمة: هل يصل الإنذار قبل الصاروخ، وهل تبقى صواريخ اعتراض في المخازن؟ وحين غاب التحذير الأمريكي المعتاد، لم تتردد كاتيا فوتيما في تفسيره. قالت: «أعتقد أن الأمر سياسي... الولايات المتحدة كانت قد حذّرتنا من قبل».
أخبار ذات صلة

بوتين يحصل على هديّة وسط مخاوف من تشديد ترامب الخناق على أوكرانيا

روسيا تقصف منشآت أوكرانيا الكهربائية بساعات من استغاثة زيلينسكي

محاكمة قضية التخريب الكبرى: ما تحتاج لمعرفته
