رحلة الغذاء الطازج المجاني تغير حياة آلاف الأسر في شيكاغو
في شيكاغو منظمة «Dion's Chicago Dream» توصل فواكه وخضار طازجة مجاناً لأكثر من 5400 أسرة أسبوعياً مع فريق محلي يتقاضى أجراً عادلاً. هدفهم محاربة الجوع بكرامة وتوفير غذاء صحي يغير حياة الناس. اكتشف القصة على خَبَرَيْن.

-في الرابعة فجراً، حين يكون معظم سكان شيكاغو نائمين، تُحمَّل صناديق الفواكه والخضار في شاحنات ملوّنة تتّجه إلى عتبات البيوت. تقف وراء هذه الرحلة اليومية منظمة غير ربحية اسمها «Dion's Chicago Dream». توزّع المنظمة مجاناً أكثر من 80,000 رطل (باوند) من المنتجات الطازجة على أكثر من 5,400 أسرة كل أسبوع. ومع ذلك، تضمّ قائمة انتظارها أكثر من 4,300 شخص، في مدينة يتّسع فيها الجوع.
كيف يصل صندوق الخضار إلى الباب؟
تصل المنتجات ستة أيام في الأسبوع إلى مقرّ المنظمة لتُعبَّأ في صناديق، وتُحمَّل الصناديق في الشاحنات عند الرابعة فجر اليوم التالي. تشتري المنظمة ما توزّعه من بائعين محليين ومزارعين ومورّد إقليمي. ويشمل ذلك الرمّان والأناناس والسبانخ والسلق السويسري. وتقول المنظمة إن هذا الأسلوب في الشراء يمنحها سيطرة على سلسلة الإمداد ورقابة على الجودة.
يصل الصندوق، وزنه 10 أرطال، إلى عتبة بيت المستفيد، أو إلى إحدى «خزائن الحلم» (Dream Vaults)، وهي خزائن مستوحاة من خزائن أمازون وموزّعة في متاجر محلية. وتتتبّع منصة «Cosmic Crate» خطوات التوصيل، فتصل المستفيدين رسائل نصية بحالة الطلب. يصف ديون دوسون، مؤسس المنظمة، النموذج بأنه مزيج من «HelloFresh» و«Amazon». وتقدّم المنظمة هذا النظام وسيلةً لإيصال الغذاء بكفاءة ومعاملة السكان بكرامة.
للكرامة هنا تفاصيل مقصودة، منها ألوان الشاحنات والصناديق. يقول دوسون: «إنه زاهٍ وجميل. وكل ذلك مقصود». ويضيف: «نريدك أن تشعر بأنك مدفوع لاستخدامه وأكله». وللمحتوى نفسه رهان آخر، إذ يقول: «ما يتلقّونه هنا مجاناً أطزج مما قد يحصلون عليه في المتجر مقابل المال».
أما من يقود الشاحنات ويعبّئ الصناديق فهو «فريق الحلم» (Dream Team)، وعدده 56 عضواً من أبناء المناطق المحلية. لا تعتمد المنظمة على المتطوعين، ويتقاضى كل عضو 20 دولاراً في الساعة على الأقل. يرى دوسون أن توظيف أبناء الأحياء بأجور مدفوعة يوفّر قوة عاملة موثوقة و وظائف بأجر معيشي. ويقول: «لا تريد أن تضخّ الغذاء في الحي فحسب، بل أن تعيد المال إلى الحي أيضاً». ويلخّص فلسفة المنظمة بقوله: «تقوم «Dion's Chicago Dream» على لقاء الناس حيث هم».
من إنغلوود إلى أكثر من 180 رمزاً بريدياً
تعود الفكرة إلى طفولة دوسون في إنغلوود، في الجانب الجنوبي من شيكاغو. كانت أسرته تعاني التشرّد في أحيان كثيرة، وأحياناً لا تجد ما تأكله. يقول: «مرّت أوقات جُعنا فيها. ومرّت أوقات لم نأكل فيها، كما تعلمون، إلا مرة واحدة في اليوم».
كانت الأسرة تلجأ إلى بنوك الطعام، حيث الانتظار طويل. يقول دوسون: «نقف في الطابور قبل ساعات من فتح الأبواب». أما الطعام فكان في معظمه معلّبات ونودلز سريعة وأغذية شديدة التصنيع. يتذكّر: «كان معظمه معلّبات ونودلز سريعة وأغذية فائقة المعالجة. ... لم تكن لي فاكهة مفضّلة وأنا صغير». ويصف المعاملة قائلاً: «لا تُعامَل كأنك إنسان. أنت أشبه برقم».
خدم دوسون ست سنوات في البحرية الأمريكية أخصائيَّ اتصالات جماهيرية، وعاد إلى بيته عام 2015. لم يكن الانتقال إلى الحياة المدنية سهلاً. عانى اضطراب ما بعد الصدمة، وعاش فترة في سيارته. وحين قصد مخزن الطعام في مستشفى محلي لقدامى المحاربين، شعر بأن شيئاً لم يتغيّر. يقول: «في 30 عاماً، لم يتغيّر شيء». ويضيف: «لم نكن قد وجدنا طريقة أفضل لإطعام الناس».
جاء التحوّل في صيف 2020. كان دوسون يعمل ليلاً لدى أمازون حين سأله زميل عن «جونتينث» (Juneteenth). يتذكّر: «في لحظة اندفاع قلت: “سنُطعم 100 عائلة”». ثم يعترف: «لم يكن لديّ أدنى فكرة كيف سأفعل ذلك». أطلق حملة تبرّع على «GoFundMe»، ووزّع أكثر من 800 رطل من الغذاء على 96 أسرة. يقول عن ذلك اليوم: «ربما كان أعظم يوم في حياتي». ويضيف: «قرّرت حرفياً أن أطارد ذلك الشعور مجدداً».
بعد أسابيع قدّم دوسون أوراق تأسيس «Dion's Chicago Dream». وأطلقت المنظمة «مشروع ثلاجة الحلم» (Project Dream Fridge)، وهو ثلاجة مجتمعية في إنغلوود كان دوسون يملؤها كل صباح بالفاكهة والخضار والمياه مجاناً. وفي مطلع 2021 بدأ برنامج «Dream Deliveries» توصيل المنتجات إلى البيوت في ثلاث مجموعات من المباني السكنية في إنغلوود. وتستخدم المنظمة اليوم 12 شاحنة ملوّنة توزّع آلاف الصناديق أسبوعياً، وتصل إلى أكثر من 180 رمزاً بريدياً في منطقة شيكاغو الكبرى.
هل يغيّر الغذاء الصحة فعلاً؟
كل أسبوعين يتّصل عاملو صحة مجتمعيون بكل أسرة مستفيدة، ويسألونها عن التوصيل وجودة المنتجات ومستوى التوتر. وتفيد النتائج بأن المشاركين سعداء للغاية بالخدمة، وبأن التوتر المرتبط بالغذاء تراجع بأكثر من 80%.
وتشارك المنظمة في حركة «الغذاء دواء» (Food is Medicine) الوطنية، التي يصف فيها الأطباء الغذاء الصحي لمرضى من ذوي الدخل المحدود. وتتعاون مع أنظمة رعاية صحية على صناديق غذائية مصمَّمة طبياً لمرضى القلب والسكري. وقد سجّل المرضى نسبة شفاء من السكري (تراجع المرض) قاربت 40%، وعاد الكوليسترول إلى مستواه الطبيعي لدى 36% منهم. يقول دوسون: «رأينا انخفاضاً في مستويات الغلوكوز، ورأينا فقداناً للوزن». ويضيف: «رأينا تغييراً في حيوات الناس».
على أرض الواقع، تقيم ميشيل واتسون في دار للمسنّين وتصلها الصناديق أسبوعياً. تقول: «كلفة الغذاء اليوم فاحشة، ولذلك يساعدني هذا كثيراً». وتضيف: «أصبحتُ آكل كثيراً من الفاكهة، والخضار أيضاً». وتقول المتقاعدة شيلا كوبر إن التوصيل يخفّف عنها عناء الوصول إلى المتجر، وتصف أثر عصير الشمندر على ضغط الدم المرتفع لديها قائلة: «لديّ ضغط دم مرتفع، وحين أصنع لنفسي عصير شمندر، mmmm، رائع».
حاجة تسبق الطاقة
يتزامن التوسّع مع ضغوط متزايدة. فارتفاع أسعار الغذاء وتقليص برنامج المساعدات الغذائية الفدرالية (SNAP) يزيدان الحاجة، وقد أنهى تقليص البرنامج المزايا الفدرالية لنحو 200,000 من سكان شيكاغو. وأصدر بنك شيكاغو الكبرى للأغذية (Greater Chicago Food Depository) الشهر الماضي تقرير «الجوع في شيكاغو 2026». و وجد أن 36% من الأسر في المدينة تعاني انعدام الأمن الغذائي، وأن قرابة نصف الأسر التي لديها أطفال في الوضع نفسه، وأن أكثر من 60% من سكان شيكاغو السود يعانونه.
ولا يزال المقرّ الحالي لـ«Dion's Chicago Dream» مساحة من 900 قدم مربعة في مبنى كان فرعاً لجمعية الشبان المسيحيين (YMCA). وفي ديسمبر المقبل يُفترض أن يُفتتح «دريمفيل» (Dreamville) في إنغلوود، داخل مصنع فرشات سابق. سيمتد على حرم من 20,000 قدم مربعة يضمّ مساحة لتعبئة الغذاء ومخازن تبريد ومركزاً للعمل المشترك وفضاءً للتجمّع المجتمعي. ويأمل دوسون أن تنقل المنظمة نموذجها لاحقاً إلى مدن أخرى. ويمكن لمن يريد المتابعة أو المشاركة زيارة موقع المنظمة والاطلاع على سبل الانخراط في عملها.
يقول دوسون: «يحتاج الناس إلى أن يأكلوا، ويحتاجون إلى أن يأكلوا طعاماً جيداً ليعيشوا أطول». ويرى أن الأمر في جوهره «منح مجتمعك أفضل فرصة ممكنة للنجاح». ويختم: «قلب عملنا هو الناس». وبين 5,400 أسرة تصلها الصناديق و4,300 شخص ينتظرون دورهم، يظلّ السؤال ما إذا كان مقرّ جديد في مصنع فرشات قديم يكفي لتقليص تلك القائمة.
أخبار ذات صلة

كيف تُفسد إطلاقات النار احتفالات الجامعات وملاعب كرة القدم

الديمقراطيون يطلقون إعلاناً انتخابياً يروي قصة عائلة ضحية إبستين

مجلس قضائي أميركي ينظر في حق المدن مقاضاة شركات النفط على أضرار المناخ
