محكمة أمريكا العليا تحسم مستقبل دعاوى شركات النفط المناخية
تتابع المحكمة العليا الأمريكية قضية Boulder التي قد تعيد تحديد مسؤولية شركات النفط عن أضرار التغير المناخي وتؤثر على دعاوى مشابهة في الولايات الأخرى. قرارها سيشكل منعطفًا حاسمًا في حماية البيئة والمساءلة القانونية عبر القضاء خَبَرَيْن

- تفتتح المحكمة العليا الأمريكية دورتها القضائية الجديدة يوم الاثنين بقضيةٍ قد تُعيد رسم حدود المساءلة القانونية لشركات النفط عن أضرار التغيّر المناخي. القضية التي تحمل اسم مدينة Boulder في ولاية Colorado ليست مجرّد نزاعٍ محلّي، بل اختبارٌ قانوني يتابعه عشرات المدن والولايات الأمريكية التي رفعت دعاوى مماثلة ضد كبرى شركات الطاقة، في مسعى قضائي يُقدَّر بمليارات الدولارات.
النزاع يعود إلى عام 2018، حين تقدّمت مدينة ومقاطعة Boulder بدعوى قضائية ضد شركتَي Exxon وSuncor Energy، متّهمةً الشركتين بالمساهمة في التغيّر المناخي وتضليل الرأي العام بشأن دور الوقود الأحفوري في هذه الظاهرة. تطالب Boulder بتعويضات تُغطّي تكاليف إصلاح البنية التحتية وتوفير خدمات الصحة العامة، بعد موجةٍ من الحرائق والفيضانات ضربت المنطقة. وتستند المدينة في دعواها إلى ما تصفه بصلاحيات الشرطة المتأصّلة في الولاية، أي سلطتها الدستورية في حماية صحة سكانها وسلامتهم وهو أسلوبٌ قانوني تقول Boulder إنّه ليس سابقةً غريبة، مستشهدةً بدعاوى الولايات ضد كبرى شركات التبغ في تسعينيات القرن الماضي، والتي انتهت بتسويةٍ ضخمة بعد اتهام الشركات بممارسات خادعة.
ماذا تريد Boulder بالضبط؟
في مذكّرتها المقدّمة للمحكمة، حرصت Boulder على تحديد سقف مطالبها بعبارةٍ واضحة: "هذه القضية ليست محاولةً لحلّ مشكلة التغيّر المناخي، إنّما تطلب فقط أن تتحمّل الشركات المدعى عليها حصّتها العادلة من التكاليف المحلّية التي نجمت جزئياً عن تصرّفاتها الضارة". بعبارةٍ أخرى، المدينة لا تسعى إلى وقف أنشطة الشركتين أو تغيير سياسات الطاقة الوطنية، بل إلى تعويضٍ محدّد عن كلفةٍ محلّية قابلة للقياس.
أما Exxon وSuncor Energy، فتريان في هذا التأطير مراوغةً قانونية. الشركتان، اللتان استأنفتا القضية أمام المحكمة العليا العام الماضي بعد أن كانت محكمة Colorado العليا قد رجّحت كفّة Boulder، تجادلان بأنّ انبعاثات غازات الدفيئة قضيةٌ بطبيعتها عابرة للولايات، ولا يمكن حلّها عبر قانون ولايةٍ واحدة. وتقول الشركتان في مذكّرتهما: "كما أقرّت هذه المحكمة مراراً، فإنّ الاستناد إلى قانون ولايةٍ واحدة لحلّ نزاعٍ هو في جوهره عابرٌ للولايات يتعارض مع المخطّط الأساسي للدستور". بمعنى آخر، تعتبر الشركتان أنّ القضايا المتعلّقة بالانبعاثات بين الولايات هي شأنٌ فدرالي منذ زمنٍ طويل، وأنّ قوانين الضرر الخاصّة بكل ولاية (tort laws) لا يمكن أن تحلّ محلّ هذا الإطار الفدرالي.
لماذا يخشى قطاع النفط من هذه السابقة؟
تحذّر شركات النفط من أنّ السماح لمثل هذه الدعاوى بالاستمرار في المحاكم المحلّية قد يتحوّل عملياً إلى ضريبةٍ كربونية مفروضة عبر القضاء لا عبر التشريع، بتكاليف قد تصل إلى حدّ إفلاس قطاع الطاقة بأكمله. هذا التخوّف ليس نظرياً: فعشرات المدن والولايات الأمريكية الأخرى رفعت دعاوى مشابهة، وقرار المحكمة العليا في قضية Boulder سيحدّد إلى حدٍّ كبير مصير تلك الدعاوى جميعها.
عامل غير متوقّع: تنحّي قاضٍ وفرصة التعادل
أضاف القاضي Samuel Alito بُعداً جديداً للقضية الأسبوع الماضي، حين أعلن تنحّيه عن النظر فيها. وصرّح لاحقاً لوكالة Bloomberg News أنّ امتلاكه أسهماً في شركات طاقة جعل التنحّي خياراً "حصيفاً" (prudent). هذا التنحّي يفتح الباب أمام احتمال تعادل الأصوات بين القضاة بنسبة 4 مقابل 4 وهو سيناريو تُرجّح فيه القواعد الإجرائية للمحكمة استمرار الدعوى تلقائياً دون صدور قرارٍ نهائي يحسم القضية.
لكن حتى لو حكمت المحكمة لصالح Boulder، فإنّ ذلك لا يعني إنهاء القضية، بل إعادتها إلى محاكم الولاية لمواصلة النظر فيها. كما يبقى مساراً آخر مطروحاً: أن تحسم المحكمة العليا الاستئناف على أسسٍ أضيق، إذ لا يزال من غير الواضح ما إذا كان الاستئناف أصلاً جاهزاً لمراجعة المحكمة العليا. وإذا تبيّن أنّ المراجعة سابقةٌ لأوانها، فستُعاد القضية إلى محاكم الولاية، في الوقت الراهن على الأقل.
يُنتظر أن تصدر المحكمة قرارها بحلول يونيو المقبل، إلى جانب أحكامٍ في قضايا أخرى مثيرة للجدل تتعلّق بحظر بنادق AR-15 والمدارس الدينية والتصويت. أما قضية Boulder، فسيُنظر إليها بصرف النظر عن نتيجتها التقنية كمؤشّرٍ مبكّر على موقف القضاء الأمريكي من مسؤولية شركات النفط التاريخية عن الانبعاثات، في لحظةٍ يتزايد فيها الضغط القانوني والمناخي على قطاع الطاقة الأحفورية من عشرات الجهات القضائية في آنٍ واحد.
أخبار ذات صلة

كيف تُفسد إطلاقات النار احتفالات الجامعات وملاعب كرة القدم

الديمقراطيون يطلقون إعلاناً انتخابياً يروي قصة عائلة ضحية إبستين

الدوائر الانتخابية الحاسمة في معركة الانتخابات النصفية
