معركة الشفافية ورفض النواب في قضية إبستين
في انتخابات كولورادو يواجه النائب الجمهوري جيف كرانك اتهامات بالرفض المتكرر للكشف عن ملفات إبستين رغم تصويته لاحقاً لصالح القانون الشفاف. هل يكفي التصويت الأخير أم أن المواقف المبكرة تحكم على السياسي؟ خَبَرَيْن تكشف التفاصيل.

ثمة قناعة شائعة في الحياة السياسية الأمريكية مفادها أن التصويت النهائي هو المعيار الحقيقي لموقف أي نائب، وأن ما سبقه من تردّد أو امتناع لا يعدو كونه تفصيلاً إجرائياً يذوب أمام النتيجة. الحاكم بهذه القناعة أن النائب الجمهوري جيف كرانك، ممثل الدائرة الخامسة في كولورادو، صوّت في نهاية المطاف لصالح قانون شفافية ملفات إبستين، فلماذا إذن لا يزال يُحاسَب على موقفه السابق؟ الإجابة التي تطرحها عائلة فيرجينيا جيوفري، وتُبنى عليها حملة انتخابية كاملة، تستحق أن تُختبر بهدوء قبل أن تُرفض أو تُقبل.
الذراع الحملي لديمقراطيي مجلس النواب أصدر الاثنين إعلاناً دعائياً يدعم المرشحة الديمقراطية جيسيكا كيلين، التي تنافس كرانك على مقعده في انتخابات الدائرة الخامسة بولاية كولورادو، وهي دائرة تضم مدينة كولورادو سبرينغز وضواحيها، وكانت حتى وقت قريب تُعدّ بعيدة المنال بالنسبة للديمقراطيين قبل أن تتحوّل، بحسب مؤشرات الحملة، إلى ساحة تنافسية محتملة. يستند الإعلان إلى شهادة شخصيتين قريبتين من فيرجينيا جيوفري: شقيقها سكاي روبرتس، وزوجة شقيقها أماندا روبرتس، في الإعلان الانتخابي الذي يروي حكاية رفضٍ متكرر لا موقفاً سياسياً عابراً.
حين يصبح الرفض الشخصي مادة انتخابية
يقول سكاي روبرتس في الإعلان: "أختي فيرجينيا كانت إحدى ضحايا جيفري إبستين"، مضيفاً: "لقد أمضت حياتها تحاول كشف الحقيقة. وبعد وفاتها، وعدنا بأن نواصل معركتها." أما أماندا روبرتس فتوجّه اتهاماً مباشراً إلى النائب: "لكنّ نائبنا في الكونغرس، جيف كرانك، رفض أن يلتقي بنا. وحين أتيحت له الفرصة لكشف الحقيقة والإفراج عن ملفات إبستين، صوّت مراراً لصالح التستّر عليها." ينتهي الإعلان بمشهد يجمع الاثنين بكيلين على فنجان قهوة، في مشهدٍ يراد له أن يختصر الفارق بين من "يستمع" ومن "يرفض اللقاء".
هذه الشهادات لا تأتي من فراغ. فيرجينيا جيوفري، التي توفيت منتحرة العام الماضي، كانت أول ضحية لإبشتاين تُعلن اتهاماتها علناً، إذ زعمت أنه تاجر بها وأرغمها على إقامة علاقات جنسية مع معارفه، كما اتهمت أندرو ماونتباتن-وندسور (الأمير أندرو سابقاً) بالاعتداء عليها جنسياً حين كانت مراهقة، وهو ما نفاه مراراً. وإبستين نفسه، الذي كان يواجه تهماً بالاتجار الجنسي، مات منتحراً عام 2019 في ظروف غذّت نظريات مؤامرة وأبقت اسمه حاضراً في النقاش العام، لا سيما مع ارتباط اسمه برجال نافذين مثل دونالد ترامب وبيل كلينتون، اللذين قالا إنهما قطعا علاقتهما به منذ سنوات ونفيا معرفتهما بجرائمه.
متى يكون التصويت الأخير كافياً، ومتى لا يكون؟
هنا يكمن جوهر الإشكال: العام الماضي، رفض كرانك التوقيع على عريضة إجبارية (discharge petition) حظيت بدعم من الحزبين، وكانت ستفرض على مجلس النواب تصويتاً علنياً على الإفراج عن آلاف الملفات المتعلقة بقضية إبستين. لاحقاً، صوّت كرانك لصالح "قانون شفافية ملفات إبستين"، الذي ألزم الحكومة بالإفراج عن ملفات واسعة متعلقة بتحقيقاتها في القضية وهو قانون مرّ بتأييد شبه إجماعي من أعضاء الكونغرس تقريباً. وقد دافع كرانك عن موقفه بالقول: "لقد دعمتُ باستمرار الشفافية والمساءلة فيما يتعلق بأعمال جيفري إبستين والتحقيق فيه ومحاكمته."
هل يكفي هذا التصويت الأخير لمحو أثر الرفض الأول؟ من ينظر إلى النتيجة النهائية فقط سيقول نعم: فالقانون مرّ، والملفات أُفرج عنها، والنائب صوّت مع الأغلبية الساحقة. لكن من ينظر إلى التسلسل الزمني سيلاحظ أمراً مختلفاً: العريضة كانت الاختبار الحقيقي، لأنها جاءت حين كان مصير الإفراج عن الملفات لا يزال غير محسوم، بينما جاء التصويت النهائي بعدما بات التأييد شبه إجماعي ولم يعد يكلّف أحداً شيئاً سياسياً. والفارق بين الاثنين هو بالضبط الفارق بين موقفٍ يُتَّخذ حين يكون الثمن مرتفعاً، وموقفٍ يُتَّخذ حين يكون الثمن معدوماً. وهذا تمييز يستحق أن يُؤخذ بجدية، وإن لم يكن حاسماً بذاته.
ما الذي تقيسه هذه الحملة فعلاً؟
السياق الانتخابي يضيف بعداً آخر: كرانك يخوض ولايته الأولى بعد فوزه في 2024 بفارق نحو 13 نقطة، وهو هامش مريح لا يوحي بسباق متقارب. لكن حملة الديمقراطيين تراهن على أن قضية بحجم إبشتاين وجيوفري قادرة على زحزحة هذا الهامش، خصوصاً في دائرة بدأت تُظهر إشارات تنافسية لم تكن متوقعة قبل سنوات قليلة. حملة كرانك لم تردّ بعد على طلب التعليق على الإعلان، وهو صمتٌ قد يعكس حساسية الملف أكثر مما يعكس غياب موقف.
السؤال الذي يستحق أن يبقى مفتوحاً ليس من يصوّت في النهاية لصالح الشفافية فذلك يكاد يكون إجماعاً اليوم بل من يقف وحيداً حين يكون الوقوف وحيداً هو الاختبار الحقيقي. وهذا سؤال لن يحسمه إعلان انتخابي واحد، بل صناديق الاقتراع في الدائرة الخامسة بكولورادو، حين يقرر الناخبون أيّ اللحظتين تستحق أن تُحاسَب: لحظة الرفض، أم لحظة الموافقة المتأخرة.
أخبار ذات صلة

كيف تُفسد إطلاقات النار احتفالات الجامعات وملاعب كرة القدم

مجلس قضائي أميركي ينظر في حق المدن مقاضاة شركات النفط على أضرار المناخ

الدوائر الانتخابية الحاسمة في معركة الانتخابات النصفية
