تآكل قواعد الجمهوريين يعيد رسم الخريطة الانتخابية الأمريكية
خَبَرَيْن يكشف كيف يتآكل تحالف ترامب تدريجياً مع تراجع شعبيته في ولايات كانت آمنة للجمهوريين وتغير الولاءات في الريف والضواحي مما يجعل الانتخابات النصفية معركة شاملة تؤثر على مستقبل الحزبين في أمريكا.

في العادة، يُقاس أداء أي رئيسٍ أمريكي في منتصف ولايته بمعيارٍ بسيط: هل ارتفعت شعبيته أم تراجعت؟ وهذا المعيار، على بساطته الظاهرة، يخفي افتراضاً خطيراً: أن تراجع التأييد يتحوّل تلقائياً إلى مكاسبَ للمعارضة في الدوائر الهامشية وحدها، بينما تبقى المعاقل الحزبية الكبرى بمنأى عن الاهتزاز. غير أن ما تكشفه الاستطلاعات الأمريكية قبيل انتخابات التجديد النصفي لعام 2026 يروي قصة مختلفة تماماً: الحزب الجمهوري بات يوجّه الأموال إلى ولايات اعتُبرت حتى وقتٍ قريب حصوناً آمنة ألاسكا وتكساس وآيوا وأوهايو فيما يتباعد بعض مرشّحيه علناً عن سياسات ترامب في التعريفات الجمركية والحرب على إيران. حتى في كانساس ونبراسكا وميسيسيبي، تلك الولايات التي لم تكن لتخطر على بال أحدٍ قبل عامين، باتت مقاعد الجمهوريين في مجلس الشيوخ موضع تساؤل.
يصف جون أنزالوني، الخبير الاستطلاعي الديمقراطي المخضرم، هذا المشهد بأنه أقرب إلى عام 1994، حين خسر الديمقراطيون سيطرتهم على مجلسَي النواب والشيوخ بعد عامين فقط من وصول بيل كلينتون إلى البيت الأبيض. يقول أنزالوني: "هذا أقرب إلى عام 1994، وما أعنيه ليس العدد الإجمالي للمقاعد المطروحة... بل أنك تشعر أن أمريكا كلّها هي ساحة المعركة." ويذهب أبعد من ذلك حين يتحدث عمّا يسمّيه "أعضاء الكونغرس العرضيين" أولئك الذين وصلوا إلى مقاعدهم في موجةٍ انتخابية لم يكونوا يتوقعون الفوز بها أصلاً. ويتفق معه ويت أيرس، الخبير الاستطلاعي الجمهوري العريق، إذ يقول: "في هذه الأجواء، أعتقد أننا سنجد ولاياتٍ متنازعاً عليها لم نكن نظن يوماً أنها ستكون كذلك بحلول نوفمبر."
ولكن هل هذا صحيح فعلاً؟ أم أن الإغراق في القياس التاريخي يُخفي حقيقةً أبسط وأقل دراماتيكية: أن ما يحدث ليس موجةً ديمقراطية عارمة، بل تآكلاً تدريجياً داخل ائتلاف ترامب نفسه؟ الفارق هنا جوهري. ترامب حسّن أداءه في عام 2024 مقارنة بعام 2020 في ما يقارب 90% من نحو 3,100 مقاطعة أمريكية، كما توثق بيانات التحوّلات الانتخابية، وهو ما يجعل أي تراجعٍ لاحقٍ عن تلك المكاسب ذا وقعٍ مضاعف. فالشعبية المتدهورة لترامب تتركز تحديداً في الفئات التي انتقلت إليه بقوةٍ في تلك الانتخابات: الشباب من الذكور، واللاتينيون، وغير البيض من دون شهادات جامعية. كما تظهر تصدعات أخرى بين البيض من دون تعليم جامعي، والناخبين الريفيين، بل وحتى بين الجمهوريين التقليديين. يلخّص أنزالوني المشهد بقوله: "أعتقد أننا سنرى مجموعة من الروايات... أولها أن اللاتينيين والأمريكيين من أصل أفريقي والشباب سيعودون إلى الديمقراطيين. هذا سيكون الأول. لكنكم سترون أيضاً نزيفاً جمهورياً بين الناخبين البيض من الطبقة العاملة، وتراجعاً في هامش الفوز في الريف الأمريكي."
لرصد مسار هذا التآكل بدقة، اختيرت نحو 24 مقاطعة ممثّلة موزّعة على ست فئاتٍ ديموغرافية وجغرافية: المدن الكبرى، والضواحي التقليدية، وبوتقات الضواحي المتعددة الأعراق، وجيوب اللاتينيين، ومعاقل الطبقة العاملة البيضاء، والريف الأمريكي. ونتائج انتخابات مجلسَي النواب والشيوخ والحاكمية في هذه المقاطعات ستكون مؤشراً مبكراً على اتجاه الولاء الانتخابي قبل أن تتضح الصورة الكاملة في نوفمبر.
الريف الأمريكي: آخر خط دفاعٍ للجمهوريين يترنّح
إذا كان هناك قطاعٌ وُصف بأنه خط الدفاع الأخير للحزب الجمهوري في عهد ترامب، فهو الريف. لكن هذا الخط يواجه ضغوطاً اقتصادية متعددة المصادر: التعريفات الجمركية رفعت تكاليف آلات الزراعة والمدخلات الأخرى وعطّلت أسواق التصدير، والحرب على إيران رفعت تكاليف الوقود والأسمدة، وتخفيضات برنامج "ميديكيد" الواردة في قانون التسوية المالية العام الماضي تهدد المستشفيات الريفية، فيما عطّلت حملات إنفاذ الهجرة عمليات تعبئة اللحوم. يقول ناثانيال بيركهيد، أستاذ العلوم السياسية في جامعة ولاية كانساس: "لقد أضرّ هذا بالناخبين الريفيين كثيراً"، مضيفاً أن المزارعين قادرون على ربط ضغوطهم المعيشية مباشرةً باختيارات ترامب نفسه وبتصويت الجمهوريين في الكونغرس المتكرر لدعم تلك السياسات. في المقابل، توجّه إدارة ترامب إعاناتٍ فيدرالية ضخمة للمزارعين ومنحاً للمستشفيات الريفية من صندوق قانون التسوية، في محاولةٍ لاحتواء الأضرار قبل أن تتحول إلى فاتورة انتخابية.
غير أن الديمقراطيين لا يراهنون على قلب هذه المقاطعات، بل على تضييق الهامش فيها. يشرح دان كانينين، مدير الولايات المتأرجحة في حملة هاريس عام 2024، المعادلة بوضوح: "بدلاً من أن يفوز الجمهوريون بعشرين مقاطعة ريفية بفارق 40 نقطة، يفوزون بها بفارق 18 نقطة فقط" وهو تحوّلٌ كافٍ لتغيير حسابات الولايات الريفية بأكملها. من بين المقاطعات التي ستُختبر فيها هذه الفرضية: مقاطعة فورد في جنوب غرب كانساس، التي تضم مدينة دودج سيتي مركز تعبئة اللحوم وتحوي عدداً كبيراً من اللاتينيين؛ ومقاطعة داركي في غرب أوهايو المعتمدة على الذرة وفول الصويا والدواجن والبيض؛ ومقاطعة غرانت في جنوب غرب ويسكونسن المعتمدة على الألبان والذرة وفول الصويا؛ ومقاطعة سكوت في شرق آيوا المعتمدة على الذرة وفول الصويا والخنازير. وباستثناء فورد، فإن هذه المقاطعات بيضاء ساحقة ودون المتوسط الوطني للدخل، وباستثناء سكوت فإن نسبة خريجي الجامعات فيها أقل من المعدل العام. ويلفت آرت كالين، رئيس تحرير صحيفة Storm Lake Times Pilot الريفية في آيوا، إلى مؤشرٍ بسيطٍ لكنه دال: "هذا العام لا ترون لافتات الفناء الجمهورية ولافتات ترامب الضخمة. اللافتات لا تعني الكثير، لكنها مقياسٌ لا بأس به لحماسة الناخب." ويضيف أن "المسألة ستكون في نسبة الإقبال."
الطبقة العاملة البيضاء: هل تتكرر قصة سكرانتون وويلكس باري؟
خارج الريف الزراعي الصرف، تقف معاقل الطبقة العاملة البيضاء ذات نسب التعليم الجامعي المنخفضة نسبياً (25% إلى 30%) ودخل أقل من المتوسط الوطني باستمرار على مفترق طرق. مجموعات النقاش التي أجراها تحالف Welcome الديمقراطي الوسطي في قلب هذه المجتمعات كشفت عن تراجعٍ ملموس في الولاء لترامب. يقول دان كونواي، المدير السياسي للتحالف: "هناك دليلٌ واضح على أنهم يتراجعون، وهناك فرصة للديمقراطيين لتحقيق مكاسب هناك." ويذهب دانتي كيني، مدير مشروع المجتمعات الأمريكية في جامعة ولاية ميشيغان، إلى تفسيرٍ أعمق: هؤلاء ليسوا ناخبين أيديولوجيين، بل "ناخبون يشعرون أن اللعبة مُزوّرة ضدهم وأن شخصاً ما يجب أن يُصلح النظام"، مضيفاً أن كثيرين منهم يشعرون بأن "ترامب قال إنه سيُصلح كل شيء ولم يفعل، وأنا غاضب منه أيضاً."
في بنسلفانيا، يُعدّ تضييق الهامش الجمهوري التقليدي في مقاطعة لوزيرن (منطقة ويلكس باري) أمراً حاسماً لحملة بيج كونيتي، فيما يسعى الديمقراطيون إلى هامشٍ أكبر في مقاطعة لاكاوانا (سكرانتون)، في سياق محاولة كونيتي الإطاحة بالنائب الجمهوري المبتدئ روب بريسناهان. وفي أوهايو، تراجع هامش شيرود براون في مقاطعة لورين (ضواحي كليفلاند) من 18.5 نقطة عام 2018 إلى 5 نقاط فقط عام 2024، وهو التحدي ذاته الذي يواجهه في مقاطعة ماهونينغ (منطقة يونغستاون). أما مقاطعة ماكومب في ميشيغان، المعروفة منذ ثمانينيات القرن الماضي بأنها موطن "ديمقراطيي ريغان" من الطبقة العاملة، فقد صوّتت لترامب في انتخاباته الرئاسية الثلاث جميعها، لكنها دعمت ديمقراطيين آخرين مثل الحاكمة غريتشن ويتمر حين لم يكن ترامب على بطاقة الاقتراع ما يجعلها فرصةً رئيسية في سباقَي مجلس الشيوخ والحاكمية بالولاية. وفي مقاطعة كاتوبا بولاية كارولاينا الشمالية، التي تضم نسبةً أعلى من الإنجيليين البيض مقارنةً بمقاطعات الشمال العاملة بحسب بيانات التعداد الديني والتي يمنح فيها الجمهوريون عادةً هامشاً يبلغ 40 نقطة، نجح روي كوبر في تقليص ذلك الهامش بنحو 10 نقاط خلال فوزه بالحاكمية عام 2020.
جيوب اللاتينيين: هل ينقلب الندم إلى صناديق اقتراع؟
لا توجد فئةٌ أظهرت تحولاً أعمق نحو ترامب عام 2024 من جيوب اللاتينيين، ولا توجد فئةٌ اليوم أكثر استعداداً للتراجع عنه. في مقاطعتَي هيدالغو (مركزها ماكألين) وكاميرون (مركزها براونزفيل) في وادي ريو غراندي، ذات الغالبية المكسيكية الأمريكية، حسّن ترامب هامشه بنحو 40 نقطة بين عامَي 2016 و2024. وفي مقاطعة ميامي-ديد، ذات الكثافة السكانية الكبيرة من أصول أمريكية وسطى وجنوبية، حصلت هاريس على نحو 140,000 صوتٍ أقل من بايدن. وفي حي البرونكس بنيويورك، ذي الكثافة السكانية البورتوريكية والدومينيكية، تراجع الهامش الديمقراطي بمقدار 23 نقطة بين عامَي 2016 و2024.
لكن الاستطلاعات الوطنية تُظهر اليوم أن 60% أو أكثر من اللاتينيين يرفضون أداء ترامب. تقول ماريا دي فرانكو كينونيز، مديرة الأبحاث الأولى في مؤسسة Equis Research المتخصصة في استطلاعات اللاتينيين: "نرى هذا التراجع يمتد عبر كل المناطق التي نرصدها"، مشيرةً إلى أن بعض مؤيدي ترامب اللاتينيين عام 2024 باتوا يعبّرون عن ندمٍ أو خيبة أمل. وهذا التذمّر، بحسبها، يمتد عبر النساء والرجال، وبين حاملي الشهادات الجامعية ومن دونها، وفي كل المناطق المرصودة. غير أن هذا لا يعني عودةً تلقائية إلى الديمقراطيين، إذ لا يزال كثيرٌ من اللاتينيين، بحسب استطلاعات الرأي، ينظرون إلى الحزب الديمقراطي بعين الريبة. الاختبار الحقيقي سيكون في أداء جيمس تالاريكو، مرشح الديمقراطيين لمجلس الشيوخ عن تكساس، في وادي ريو غراندي، حيث تدور ثلاثة سباقاتٍ حامية لمجلس النواب، وفي مدى قدرة الديمقراطيين على منافسة النائبة الجمهورية ماريا إلفيرا سالازار في دائرتها بمنطقة ميامي، وفي أداء الحاكمة كاثي هوكول في إعادة انتخابها، والذي سيختبر قدرة الديمقراطيين على استعادة هامشهم التقليدي في البرونكس.
الضواحي: من "الهروب الأبيض" إلى ساحة الاقتراع المتأرجحة
تمثّل الضواحي الأمريكية حالةً خاصة من التعقيد التاريخي. فالضواحي الشمالية التقليدية الميسورة والمتعلمة وذات الغالبية البيضاء خارج المدن الكبرى بدأت تنتقل نحو الديمقراطيين أول مرة في عهد بيل كلينتون في تسعينيات القرن الماضي، ثم ابتعدت أكثر عن الجمهوريين مع صعود ترامب، قبل أن تميل يميناً مجدداً عام 2024 وهو انعطافٌ يستحق إعادة النظر فيه لا مجرد تسجيله. في مقاطعة ديلاوير شمال كولومبوس بأوهايو، فاز ترامب بفارق 7 نقاط عام 2024، بينما فاز في مقاطعة واوكيشا غرب ميلووكي بفارقٍ يقارب ثلاثة أضعاف ذلك الهامش تفاوتٌ يجعل من سباقَي مجلس الشيوخ (شيرود براون) والحاكمية (إيمي آكتون) في أوهايو، وسباق الحاكمية في ويسكونسن (ديفيد كراولي)، اختباراً مباشراً لمدى استياء الناخبين المتعلمين جامعياً من ترامب. الإشارات نفسها ستتكرر في مقاطعتَي كنت (منطقة غراند رابيدز، الأقرب إلى المتوسطات الوطنية) وأوكلاند (ضواحي ديترويت، الأكثر ثراءً وتعليماً) عبر سباقَي مجلس الشيوخ (عبد الفتاح السيد) والحاكمية (جوسيلين بنسون) في ميشيغان.
أما الفئة الأكثر تعقيداً فهي ما يمكن تسميته "بوتقات الضواحي المتعددة الأعراق" ضواحٍ متنوعة ومتعلمة نسبياً، من الطبقة الوسطى إلى الطبقة الوسطى العليا، تتركز خصوصاً في مدن الحزام الشمسي الكبرى. وهنا تكمن مفارقةٌ تاريخية لافتة: كثيرٌ من هذه الضواحي نشأ أصلاً بعد الحرب العالمية الثانية كوجهةٍ لهروب البيض من المدن المركزية ذات الأغلبية غير البيضاء، لكنها اليوم باتت هي نفسها متنوعةً بنسبةٍ تقارب النصف أو أكثر من سكانها، بمعدلات دخلٍ وتعليمٍ جامعي تفوق المتوسط الوطني عموماً وهذا التحول ساعد الديمقراطيين على أن يصبحوا أكثر تنافسيةً في أنحاء الحزام الشمسي. في مقاطعة غوينيت شمال شرق أتلانتا، ذات الكثافة السكانية الكبيرة من السود والآسيويين واللاتينيين، يبدو جون أوسوف في موقعٍ يسمح له بتوسيع هامشه البالغ 16 نقطة عام 2020، فيما كان له في مقاطعة كوب غرب أتلانتا، المشابهة ديموغرافياً، هامشٌ بلغ 10 نقاط في العام نفسه. وتراقب أندرا جيليسبي، أستاذة العلوم السياسية في جامعة إيموري، مؤشرات التراجع الجمهوري في مقاطعتَي شيروكي وفورسيث، وهما ضاحيتان موثوقتان تقليدياً للجمهوريين فيأتلانتا، إذ قد يشكّل أي تآكلٍ فيهما مؤشراً أبعد مدى من المكاسب المتوقعة أصلاً في غوينيت وكوب.
في أريزونا، تحمل مقاطعة ماريكوبا، مركز فينيكس وضواحيها، رمزيةً تاريخية خاصة: فحين فاز بايدن بها عام 2020، كان أول مرشحٍ رئاسي ديمقراطي يحقق ذلك منذ فوز هاري ترومان عام 1948. ثم أيّدت المقاطعة بفارقٍ ضئيل كاتي هوبز ومارك كيلي عام 2022، وانقسمت بين ترامب وروبن غاييغو عام 2024، فيما يُتوقع أن تميل ديمقراطياً مجدداً في إعادة انتخاب هوبز هذا النوفمبر. أما مقاطعة أورانج في كاليفورنيا، التي تُوصف بأنها مهد الحركة المحافظة الحديثة في ستينيات القرن الماضي، وتضم اليوم كثافةً سكانية كبيرة من اللاتينيين والآسيويين، فقد صوّتت بقوة لبايدن عام 2020 وبفارقٍ ضئيل لهاريس عام 2024 ما يجعل سباق الحاكمية في كاليفورنيا وعدة مقاعد في مجلس النواب اختباراً مباشراً لتأثير ترامب على هذه الجاليات.
وفي تكساس، تبرز مقاطعة كولين شمال دالاس، ذات الدخل المتوسط القريب من 122,000 دولار والتنوع والتعليم العالي، كمختبرٍ سياسي خاص: فهي المكان الذي بدأ منه كين باكستون مسيرته السياسية، وقد اتجهت نحو الديمقراطيين بين عامَي 2016 و2020 قبل أن تعود نحو الجمهوريين في عهد بايدن، ليفوز بها ترامب بفارق 9 نقاط عام 2024 ضعف هامشه تقريباً قبل أربع سنوات. لكن ترشيح بو فرينش جمهورياً لمفوضية السكك الحديدية في تكساس، المتّهم في تصريحاتٍ وُصفت بالعنصرية الصريحة ضد الآسيويين، قد يدفع الجالية الآسيوية الكبيرة في كولين إلى الانقلاب على الحزب الجمهوري، بتداعياتٍ مباشرة على حظوظ جيمس تالاريكو في مجلس الشيوخ. مقاطعاتٌ أخرى مكتظة السكان ومتنوعة ومتعلمة في تكساس دينتون وويليامسون وفورت بند ستُقرأ على المنوال ذاته.
المدن الكبرى: اختبار الوعد المؤجَّل
إذا كانت الضواحي تختبر مدى امتداد التذمّر من ترامب إلى الطبقة الوسطى المتعلمة، فإن المدن الكبرى تختبر أمراً مختلفاً تماماً: هل ما زال بإمكان الديمقراطيين إعادة بناء قاعدتهم بين ناخبي المدن، وتحديداً الناخبين السود؟ فترامب رفع عدد أصواته بشكلٍ متواضعٍ في كثيرٍ من المراكز الحضرية عام 2024، بينما حصلت كامالا هاريس على أصواتٍ أقل بكثير مما حصل عليه جو بايدن في المراكز نفسها. في مقاطعة كوياهوغا (كليفلاند)، حصلت هاريس على 40,000 صوتٍ أقل من رصيد بايدن عام 2020. وفي مقاطعة واين (ديترويت)، بلغ الفارق 60,000 صوت. يحذّر ألفين برنارد تيليري، الخبير الاستطلاعي الديمقراطي المتخصص في دراسة الناخبين السود، من أن الديمقراطيين قد لا يستعيدون الهوامش التي يحتاجونها في هذه المعاقل الحضرية الأساسية، ويقول: "البيانات كانت موجودة منذ فترة، لكن الناس كانوا يتجاهلونها لأنهم أرادوا أن يصدّقوا أن آلة التعبئة الانتخابية القديمة ستصمد. ومنذ 2024 نرى أنها لا تصمد."
ومع ذلك، فإن ما يجعل حالة مقاطعة هينيبين في مينيسوتا (مركزها مينيابوليس) مختلفة عن المدن الأخرى هو تركيبتها السكانية الأكثر تعليماً وثراءً، رغم أن التصويت الديمقراطي فيها تراجع بشكلٍ حاد عام 2024. وقد اكتسبت هذه المقاطعة بعداً إضافياً هذا العام بعد أن قتل عملاء فيدراليون في وقتٍ سابق اثنين من المقيمين البيض من الطبقة الوسطى أثناء احتجاجهما على حملة إنفاذ الهجرة التي تشنّها وكالة ICE في مينيابوليس حادثةٌ قد تنعكس على سباقَي الحاكمية ومجلس الشيوخ في مينيسوتا كمقياسٍ لغضب الناخبين المتعلمين جامعياً من ترامب.
أما في تكساس، فتحمل مقاطعة تارانت، التي تتمحور حول فورت وورث وتضم أغلبيةً غير بيضاء وتُعدّ من أكثر المقاطعات تنافسية في الولاية، تاريخاً متقلّباً: صوّتت لترامب عامَي 2016 و2024، لكنها منحت بايدن صوتها عام 2020. وقد فاز بها بيتو أورورك بفارقٍ ضئيل في سباق مجلس الشيوخ عام 2018، ثم خسرها في سباق الحاكمية عام 2022. يقول مات ماكوفياك، الاستراتيجي الجمهوري في تكساس: "تارانت ستكون مجزرة... معظم من يملك عقلاً يعمل في جانبي السياسي يعتقد أن تارانت ضائعة"، مضيفاً أن المقاطعة ستكون مقياساً لمدى استياء الجمهوريين التقليديين من كين باكستون، الذي هزم جون كورنين في الانتخابات التمهيدية الجمهورية لمجلس الشيوخ.
ما الذي يتبقّى قبل نوفمبر؟
يمنح أنزالوني الحجة المعاكسة فرصتها الكاملة حين يُقرّ بأن الأمر لن يكون عودةً طبيعية بسيطة؛ فهو يتوقع أن يعود اللاتينيون والأمريكيون من أصل أفريقي والشباب إلى الديمقراطيين، لكنه يربط ذلك بنزيفٍ جمهوري متزامن بين البيض من الطبقة العاملة وتضييقٍ في هوامش الريف وهذان مساران مختلفان قد لا يتقاطعان بالسرعة ذاتها في كل الولايات. والحزب الجمهوري نفسه ليس في موقع المتفرج: فهو مضطرٌ للدفاع عن المجموعات الست كلّها في آنٍ واحد، من المدن إلى الريف، في وقتٍ يتصاعد فيه الاستياء من الولاية الثانية لترامب.
لكن الانتخابات لا تُحسم بالاتجاهات العامة وحدها، بل بما يحدث في الأسابيع الأخيرة تحديداً. فالمناطق الريفية وغيرها من المعاقل الحمراء قد تعود جزئياً نحو الجمهوريين بحلول يوم الاقتراع، خصوصاً أن الناخبين الريفيين قد يكونون أكثر تقبّلاً للحجج الثقافية التي يطرحها الجمهوريون ضد الديمقراطيين. والفارق بين موجةٍ انتخابية حقيقية على طراز 1994 وبين مجرد تصحيحٍ محدود في عددٍ من الدوائر الهامشية، سيُحسم خلال الأسابيع القليلة المتبقية وهي مدةٌ لا تكفي الجمهوريين لإعادة بناء ثقةٍ تآكلت على مدى عامين، لكنها قد تكفي لمنع الانهيار الكامل الذي يُلمّح إليه أنزالوني. والسؤال الذي يستحق أن يبقى مفتوحاً ليس من سيفوز بهذه المقاطعات العشرين وبضع، بل: هل ما يجري فعلاً تصحيحٌ لحظي في ائتلافٍ متصدّع، أم بداية إعادة ترتيبٍ أعمق لخريطة الولاءات الحزبية الأمريكية نفسها؟ التاريخ، كما يذكّرنا قياس 1994، لا يُجيب عن هذا السؤال مسبقاً هو فقط يمنحنا معياراً نقيس به ما سيحدث.
أخبار ذات صلة

كيف تُفسد إطلاقات النار احتفالات الجامعات وملاعب كرة القدم

الديمقراطيون يطلقون إعلاناً انتخابياً يروي قصة عائلة ضحية إبستين

مجلس قضائي أميركي ينظر في حق المدن مقاضاة شركات النفط على أضرار المناخ
