طلاب أوروبا ينتفضون من أجل تعليم وسكن أفضل
طلاب أوروبا من الجيل زد يرفضون حياة أقل فرصاً بسبب ارتفاع إيجارات السكن وتراجع جودة التعليم. احتجاجات متشابكة بين فرنسا وإيطاليا واليونان تطالب باستثمار أكبر في التعليم والحياة الكريمة وسط أزمات اقتصادية واجتماعية متصاعدة خَبَرَيْن

على مدى النصف الأول من دراستها الجامعية، كانت Elisa Pastore تقطع 120 كيلومتراً (75 ميلاً) من ضواحي روما للوصول إلى جامعتها، فقط لتوفّر ثمن السكن. اليوم تقيم في العاصمة الإيطالية مع شقيقها في غرفة واحدة، وتقول إنهما يدفعان إيجارها «بالكاد». Pastore واحدة من الطلاب الذين نصبوا مخيّماً احتجاجياً في روما، وقالوا إن السكن الميسور لا ينفصل عن التعليم الجيد. قصتها تختصر ما يحرّك موجة احتجاجات يقودها شبان وشابات من الجيل «زد» في أنحاء أوروبا: تعليم يعاني من نقص التمويل، وإيجارات تلتهم الدخل، وخوف من أن يعيش جيلهم حياة أقلّ فرصاً من حياة آبائهم.
وتتداخل هذه الحركات اليوم عبر الحدود، وتواجه حكومات مثقلة بالديون ومقيّدة في الإنفاق العام.
هل هي احتجاجات متفرقة أم حركة واحدة؟
تقول Alice de Brito، نائبة رئيس UNEF، أبرز اتحاد طلابي في فرنسا، إن النقابات الطلابية الأوروبية تتبادل النصائح والخبرات. وتضيف : «أرى تشابهات أكثر بكثير من الاختلافات». وتوضح: «نتحدث جميعاً عن الحاجة إلى الاستثمار في التعليم وفي الجامعات وفي الشباب عموماً. لكننا نتحدث أيضاً عن تكاليف المعيشة وعن السكن».
أما Julius Fintelmann، المؤسس المشارك ورئيس تحرير نشرة European Correspondent اليومية، فيرى أن هذه الاحتجاجات «تعكس نوعاً من الإحباط، والشعور بأن سياسات أوروبا تفشل في تلبية احتياجات الجيل القادم». ويعدّد مصادر غضب هذا الجيل: عمل غير مستقر، وتأثير الذكاء الاصطناعي في الوظائف المبتدئة، وأزمة المناخ. ويذهب أبعد من ذلك: «أعتقد أن ما نراه في جوهره هو أن الوعد الذي قدّمته الديمقراطية الليبرالية، وهو أن الجيل التالي سيحظى بحياة أفضل من الجيل الحالي، لم يعد صحيحاً ببساطة».
وتبدو اليونان وإيطاليا وفرنسا وبلجيكا وإسبانيا والبرتغال بين دول الاتحاد الأوروبي الأكثر تأثراً بالاحتجاجات. وتتقاسم هذه الدول الست أوضاعاً اقتصادية قاتمة وديوناً وطنية مرتفعة، ما يضيّق هامش رفع الإنفاق العام. وبلغت عوائد السندات الفرنسية يوم الأربعاء أعلى مستوى لها منذ عام 2002.
ماذا يريد الطلاب في فرنسا؟
في فرنسا، تنظّم احتجاجات الطلاب في مطلع العام الدراسي، في سبتمبر وأكتوبر، منذ تسع سنوات. غير أن الشارع هذا العام حمل مطالب أوسع: فصول أصغر، وإنفاق أكبر على المعلمين، وبنية تحتية قادرة على مواجهة تغيّر المناخ، ووقف عنف الشرطة ضد الشباب. وخرج الطلاب كذلك تضامناً مع معلمين مضربين. ويتكرر في الشكاوى الفرنسية نقص الطلاب والمعلمين وعدم كفاية التجهيزات.
وتقول de Brito: «الناس ببساطة سئموا من انتظار إجابة».
والمشهد مرشّح للتصعيد. فقد دعت نقابتان من أكبر النقابات العمالية الفرنسية إلى احتجاجات جديدة في باريس يوم السبت. وتحرّك الرئيس Emmanuel Macron لحظر الاحتجاجات «غير الشرعية»، وأفادت التقارير بأن السلطات لن تسمح إلا بالتظاهرات المرتبطة بالنقابات. ومن المتوقع كذلك أن تشهد مدينة Orléans تظاهرات واسعة خلال إطلاق Marine Le Pen حملتها الرئاسية في نهاية الأسبوع. ودعت كبرى النقابات الفرنسية إلى إضراب عام في 5 نوفمبر.
كيف عبرت الشعارات الحدود؟
في 7 أكتوبر، افتتح طلاب يحتلون إحدى المدارس الثانوية في روما بيانهم بعبارة «كما في فرنسا». ولم يكن ذلك استثناءً، فقد استحضر محتجون في إيطاليا واليونان نظراءهم الفرنسيين في شعاراتهم. وفي اليونان سار آلاف الطلاب والمعلمين في أنحاء البلاد، وتجمّع متظاهرون أمام البرلمان في أثينا، مرددين بحسب Reuters: «من اليونان إلى فرنسا، نريد تعليماً عاماً ومجانياً».
في إيطاليا رفضت الحكومة المقارنة مع الحراك الفرنسي. وقال وزير التعليم Giuseppe Valditara: «الوضع في إيطاليا مختلف جداً عن فرنسا». وكرّر الوزير ادعاءً يمينياً متطرفاً يربط الاحتجاجات الفرنسية بمسألة اندماج أبناء الجيل الثاني من المهاجرين في المدارس.
وفي مخيّم روما، ربط الطلاب بين السكن والتعليم، كما فعلت Pastore. وخاطبت Sabrina Brizzola، التي تقود اتحاداً طلابياً إيطالياً، تجمعاً حاشداً في عطلة الأسبوع الماضي قائلة: «لنُسمِع أصواتنا من أجل مدارس لا تنهار فوق رؤوسنا، ومن أجل عمل آمن وكريم، ومن أجل صحة عامة، ومن أجل عدالة اجتماعية». وفي ضغط معيشي آخر، أغلق سائقو شاحنات إيطاليون الطرق احتجاجاً على ارتفاع أسعار الوقود عقب حرب إيران، ما أوقف إنتاج جبن الموزاريلا من حليب الجاموس وبعض أنواع المعكرونة.
من مدريد إلى لشبونة: لماذا يشعل السكن الغضب؟
في إسبانيا كانت الشرارة إخلاء Maricarmen Abascal، وهي في السابعة والثمانين من عمرها، من منزلها. وأطلقت الحادثة موجة احتجاجات على كلفة السكن اشتدّت في سبتمبر، وانتهت بدعوة الحكومة إلى انتخابات مبكرة. ودعت كبرى النقابات الإسبانية إلى إضراب عام في 11 نوفمبر.
وامتدت الاحتجاجات الإسبانية إلى البرتغال. ففي لشبونة، احتشد آلاف المتظاهرين كل مساء هذا الأسبوع في ساحة Rossio، ونصب بعضهم الخيام. واعتقلت الشرطة 55 شخصاً فجر الثلاثاء، وتبعتها تظاهرات أخرى. ويطالب المحتجون بوضع سقف لزيادات الإيجارات وإلغاء قانون جديد يسهّل عمليات الإخلاء، ويرفعون شعاراً معناه «منازل للعيش».
ماذا عن البلقان؟
في ألبانيا وصربيا اتخذت الاحتجاجات طابعاً مختلفاً، إذ تتركز على مكافحة الفساد أكثر من التعليم والسكن، وتسعى إلى إسقاط الحكومات. في ألبانيا اندلعت احتجاجات الطلاب في البداية بسبب خطط لمشروع عقاري فاخر يدعمه Jared Kushner، صهر Trump، وتتكرر منذ أشهر بصورة متقطعة. وتحولت إلى العنف الأسبوع الماضي، ورفض رئيس الوزراء Edi Rama دعوات الاستقالة، متهماً المحتجين بتهديد خططه للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، ومحمّلاً خصومه السياسيين مسؤولية الاضطرابات.
وقال أحد المحتجين في ألبانيا، دون ذكر اسمه، لـReuters: «نريد تغييراً، ولهذا نحن هنا». وقال آخر: «نريد ثورة، نريد حكومة جديدة، لا نبحث عن أي مفاوضات، نحتاج إلى حكومة جديدة في أقرب وقت ممكن».
وفي صربيا، شكّل الحراك الذي يقوده الطلاب ملامح السياسة الوطنية خلال العامين الماضيين. ويُنظر إليه في انتخابات الأحد البرلمانية بوصفه أقوى معارضة لزعيم البلاد منذ سنوات طويلة، Aleksandar Vucic.
ما الذي ينتظر الشارع الأوروبي؟
الروزنامة تشير إلى مزيد من التعبئة. فقد دعت مجموعة «Gen Z regelt» إلى احتجاجات في أنحاء ألمانيا في 31 أكتوبر. وبعد إضرابَي فرنسا وإسبانيا في 5 و11 نوفمبر، يخطط اتحادان طلابيان بريطاني وإيطالي ليوم عمل مشترك في 20 نوفمبر ضد ارتفاع كلفة التعليم.
وأمام حكومات تضغط عليها الأسواق والديون، يبقى السؤال مفتوحاً: كم من الوقت سيقبل جيل يقول إنه سئم الانتظار أن يظل ينتظر إجابة؟
أخبار ذات صلة

هجمات الجمهوريين على ديانة المرشح 'السيّد' تبلغ ذروتها في مواجهة مشحونة بلقاء جماهيري

(غرينلاند) تكذب ادعاء ترامب بأن عمليات التننقيب الضخمة عن النفط والغاز على وشك البدء هناك

ترامب والسلطة: صفقة روسيا والترحيلات وخطط الإعدام
