خَبَرَيْن logo

نفاد صواريخ باتريوت يهدد دفاعات أوكرانيا ومستقبلها العسكري

في ظل نفاد صواريخ باتريوت الأميركية وتعطّل خدمة Starshield الفضائية يبقى سؤال الصمود الأوكراني بلا دعم أميركي حاضراً. كيف سيواجه المدنيون الهجمات الروسية دون منظومات دفاع متطورة؟ التفاصيل في خَبَرَيْن.

جنود يرتدون زي عسكري موحد يقفون أمام منظومة صواريخ باتريوت الاعتراضية، تعكس التحديات في الدفاع الجوي لأوكرانيا بعد نفاد مخزون الصواريخ الأميركية.
يجري جنود أوكرانيون وألمان تدريبات على نظام صواريخ الدفاع الجوي باتريوت الأمريكي الصنع في منطقة تدريب عسكرية بألمانيا عام 2024. تصوير ينس بوتنر/وكالة الصور غيتي إيمجز
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

في الليلة الفاصلة بين الأربعاء والخميس، دوّت في سماء كييف صواريخ باليستية روسية ولم يعترض أيٌّ منها. هذا الصمت الدفاعي هو الدليل الأوضح على أن مخزون أوكرانيا من صواريخ اعتراض «باتريوت» (Patriot) الأميركية فارغ أو شبه فارغ. وبينما تتواصل الهجمات الروسية، يتبيّن أن السؤال لم يعد عمّا إذا كانت أوكرانيا قادرة على القتال بلا أموال أميركية، فهذا حدث فعلاً. السؤال الآن هو هل تستطيع الصمود من دون الاستخبارات والتكنولوجيا والمنظومات الأميركية التي ما زالت تعتمد عليها اعتماداً كبيراً.

ما الذي توقّف فعلاً من الدعم الأميركي؟

بدأ دونالد ترامب ولايته الثانية بوقف المساعدات المخصّصة لمجهود أوكرانيا الحربي، وأوقفت إدارته حزم المساعدات الجديدة مطلع عام 2025. وكانت المساعدات الأميركية قبل ذلك القرار قد بلغت 131.5 مليار دولار على الأقل، وبقيت الولايات المتحدة أكبر مانح منفرد منذ الغزو الروسي الشامل عام 2022، بحسب ما يرصده معهد كيل للاقتصاد العالمي الألماني.

وسدّت أوروبا جزءاً من الفراغ، فيما كانت كييف توسّع صناعتها الدفاعية بسرعة. فقد قدّمت دول الاتحاد الأوروبي ومؤسساته 228.5 مليار دولار على الأقل منذ 2022. وجاءت ألمانيا والدنمارك وهولندا والسويد في صدارة دول الاتحاد من حيث المساعدات العسكرية، وأسهمت المملكة المتحدة والنرويج بمساعدات عسكرية كبيرة من خارجه.

لكنّ الحساب لا يقف عند الأموال. فحلفاء في حلف شمال الأطلسي (NATO) يشترون أسلحة أميركية الصنع ثم ينقلونها إلى أوكرانيا، ولا يتم أي نقل أوروبي لهذه الأسلحة من دون ترخيص من البنتاغون. وما زال بعض الأسلحة التي اشترتها دول من الشركات الأميركية المصنّعة في عهد جو بايدن يصل إلى أوكرانيا، فقد نُفّذ كثير من تلك العقود. ويرى محللون أن تباطؤاً طويلاً في مبيعات الأسلحة الأميركية مستبعد، لأن شركات الدفاع الأميركية تستفيد منها.

ماذا يعني نفاد «باتريوت» بالنسبة للمدنيين؟

تُعدّ صواريخ «باتريوت» الاعتراضية من الأسلحة الدفاعية القليلة القادرة على إسقاط الصواريخ الباليستية، وقد نفدت من أوكرانيا الأسبوع الماضي. وقال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يوم الجمعة: «تسليم صواريخ الاعتراض التي تحمينا من الصواريخ الباليستية الروسية ما زال متأخراً. ننتظر صواريخ اعتراض جرى الاتفاق عليها أصلاً، لكنها ما زالت لا تصل».

وأضاف أن بلاده تطلب من حلفائها أمرين: «ألا تُرفع العقوبات عن بوتين... (وأن) يمنحونا صواريخ أفضل».

ولم يقتصر الأمر على الاعتراض. قال زيلينسكي في وقت سابق من هذا الأسبوع إن أوكرانيا لم تتلقَّ أحياناً أي تحذيرات أميركية من الضربات الباليستية. وحين تغيب التحذيرات تسقط الصواريخ الروسية من دون صفارات الإنذار المعتادة التي تقود السكان إلى الملاجئ. وقال مسؤولون أوكرانيون إن مدنيين أكثر لقوا حتفهم بسبب غياب هذه التحذيرات.

نفت وزارة الخارجية الأميركية وترامب أنهما قيّدا تبادل المعلومات الاستخباراتية مع أوكرانيا. وبحلول مساء الثلاثاء قال زيلينسكي إن التبادل الاستخباراتي الأميركي «يعمل الآن» مجدداً.

Starshield: من يتحكم في سرعة الاتصال؟

يكمن جانب آخر من الاعتماد في الفضاء. فـ Starshield هي النسخة العسكرية من خدمة الإنترنت عبر الأقمار الاصطناعية Starlink التي يملكها إيلون ماسك. وقال زيلينسكي ومسؤولون أوكرانيون يوم الجمعة إن الوصول إلى Starshield ما زال مقيّداً. وأفاد المسؤولون بأن القيود عطّلت الذخائر العسكرية عالية السرعة والطائرات المسيّرة الاعتراضية، وأثّرت في عمليات على عدة محاور قتالية.

والمفارقة أن حلفاء أوكرانيا الأوروبيين هم من دفعوا ثمن عقد Starshield. وقال زيلينسكي: «نسأل إن كان ممكناً أن تعطونا Starshield بسرعة طبيعية كي ندافع عن أنفسنا. وإن لم يكن ذلك ممكناً، فلا بأس. سننجو وسنبقى أقوياء».

حريق ضخم يلتهم مبنى سكني في كييف بعد هجوم صاروخي روسي، يعكس تأثير نفاد صواريخ باتريوت الأميركية على الدفاعات الأوكرانية.
Loading image...
مبنى سكني متعدد الطوابق في كييف يحترق بعد تعرضه لضربة صاروخية روسية في 13 أكتوبر 2026. تصوير يفغيني مالوليتكا/أسوشيتد برس

وتتضارب الروايات حول من اتخذ القرار. فقد نفى ترامب وكبار مسؤولي إدارته أنهم قرّروا خنق استخدام أوكرانيا لـ Starshield، وقال ترامب في وقت سابق من هذا الأسبوع إنه لا علاقة له بالأمر. وقال ترامب لاحقاً إن ماسك أعاد وصول أوكرانيا إلى الخدمة. وقال شخص مطّلع على الملف بأن ترامب طلب من ماسك في الأيام الأخيرة استعادة الوصول الكامل. أما ماسك فنفى التصرف منفرداً، وقال إن «أي قيود على السرعة أو الاستخدام يقرّرها الجيش الأميركي، وفي النهاية رئيس الولايات المتحدة».

لماذا لا تملك أوروبا البديل بعد؟

لا تملك أوكرانيا بديلاً لصواريخ «باتريوت» الاعتراضية ولا لـ Starshield ولا لتقنيات الإنذار المبكر المتقدمة من الصواريخ، رغم انهيار دعمها المالي الأميركي. ويشرح ماكس بيرغمان، مدير برنامج روسيا في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) في واشنطن، أن هذه القدرات «لا يملكها الأوروبيون، ولا يملكونها لأننا (الولايات المتحدة) قلنا لهم طوال الثلاثين عاماً الماضية ألا يطوّروها... لأن بإمكانهم الاعتماد علينا».

ويرى بيرغمان أن الأمر يتجاوز أوكرانيا. فهو يقول: «نحن في وضع تُثبت فيه أميركا لكل الأوروبيين أنه لا يمكن الاعتماد عليها ببساطة». ويضيف: «أظن أن الأوكرانيين ربما لم يتوقعوا أن تنحدر الولايات المتحدة إلى هذا الحد، وأن تخونهم إلى هذه الدرجة، فهذا ليس عملاً خيرياً تقوم به الولايات المتحدة... إنها خدمة تنفق عليها أوكرانيا أموالها». ويحذّر من أن ما تفعله الإدارة «له تداعيات أوسع بكثير على موثوقية الولايات المتحدة الأساسية بوصفها مورّداً للتكنولوجيا والدفاع».

ويتوقع خبراء أن يكون أي اضطراب إضافي في المنظومات الأميركية مؤلماً لأوكرانيا في المدى القصير، وأن تستثمر الدول الأوروبية أكثر على المدى الطويل في تطوير منظوماتها الخاصة لصالح كييف.

مَن يربح في موسكو؟

على الجبهة الدبلوماسية، أرسل ترامب مبعوثاً إلى النرويج وروسيا، وخرجت واشنطن بخطة لاستئناف المحادثات الثلاثية. وكانت سان بطرسبرغ مكان الاجتماع مع بوتين. لكنّ الكرملين لم يتحوّل عن مطالبه القصوى لإنهاء الحرب. وانتقد ترامب زيلينسكي بسبب مسار المفاوضات، بينما اتهمت كييف واشنطن بحجب دعم عسكري أساسي.

وفي الشهر الجاري تخلّت إدارة ترامب عن عقوبات روسية جديدة قبل أن تدخل حيز التنفيذ، وأبرمت اتفاقاً يسمح لروسيا بتصدير الديزل. وربط ترامب إعفاء العقوبات بالإفراج عن الأميركي المحتجز ستيفن هابارد، وكان قد قال سابقاً إن واشنطن لم تعطِ موسكو «لا شيء في المقابل» مقابل حرية هابارد. أما المبعوث الخاص ستيف ويتكوف فاستخدم كلمة «إنساني» في سياق هذا الملف.

ويحذّر محللون من أن الخلاف الأميركي الأوكراني قد يخدم المجهود الحربي للكرملين. فترى ناتيا سيسكوريا، الباحثة الأولى في الشأن الروسي والأوراسي في المعهد الملكي للخدمات المتحدة (RUSI) في بريطانيا، أن الضغط الأميركي على كييف يمكن أن يشجّع روسيا على توقّع تراخي العزيمة الأوروبية، وأنه «يمنح روسيا أملاً معيّناً بأنها إذا واصلت هذه الحرب فإن العزيمة الأوروبية ستتلاشى في النهاية».

ويذهب جون لوف، رئيس الشراكات الدولية في مركز «نيو يوراشن ستراتيجيز»، إلى أبعد من ذلك، فيرى أن الضغط الأميركي على أوكرانيا وكسر نظام العقوبات وعدم المضي في مشروع قانون ليندسي غراهام أرهقت أوروبا. ويقول: «أعتقد أن الروس يشعرون بارتياح كبير لأنفسهم حالياً مع الضغط الذي يسببه كل هذا النشاط الأخير على أوروبا، إذ دفعوا ترامب إلى الضغط على أوكرانيا وكسر نظام العقوبات وعدم متابعة مشروع قانون ليندسي غراهام». ويضيف: «هذا يبرز فحسب أن أوروبا والولايات المتحدة غير متوافقتين».

ما دور حرب إيران وأسعار الوقود؟

يرى خبراء أن التوتر بشأن الديزل قد يخفّ بعد انتخابات التجديد النصفي الأميركية. وفي الأثناء حمّل ترامب الضربات الأوكرانية على المصافي الروسية مسؤولية ارتفاع الأسعار، بدلاً من حرب إيران. ويتوقع لوف أن تستمر أسعار الوقود المرتفعة وعدم شعبية حرب إيران بقية ولاية ترامب. ويقول إن هجمات أوكرانيا على المصافي الروسية جعلتها هدفاً لترامب، ووصفها بأنها «قطعة قماش حمراء أمام ثور». ويضيف: «إنه يجعل أوكرانيا هدفاً سهلاً إن كنت تريد صرف المسؤولية عمّا حدث مع إيران».

وتبقى الصورة مفتوحة على احتمالين. على المدى القريب قد يكون أي انقطاع جديد في المنظومات الأميركية باهظاً، إذ يقول بيرغمان: «قد يكون هذا مدمّراً حقاً لأوكرانيا، بمعنى أنه قد يسبب ضرراً اقتصادياً هائلاً وخسائر هائلة في أرواح المدنيين ومغادرة المدنيين». لكنه يستدرك: «لكنني أشكّ في أنه سيكسر فعلاً إرادة أوكرانيا في القتال». وفي كييف، حيث لا صافرات تسبق الصواريخ حين تغيب التحذيرات، يبقى السؤال معلّقاً: كم من الوقت ستحتاج أوروبا لتبني ما ظلّت واشنطن تقول لها لثلاثين عاماً إنها ليست بحاجة إليه؟.

أخبار ذات صلة

Loading...
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي والرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب في لقاء رسمي يعكس التوترات السياسية بين واشنطن وكييف.

زيلينسكي والخلاف مع ترامب: السياسة حين تتحوّل إلى قضيّة وجود

الصراع في أوكرانيا يتصاعد وسط صمت ترامب الذي يثير تساؤلات حول موقف واشنطن الحقيقي. اكتشف تفاصيل التوترات والدبلوماسية المتشابكة الآن.
Loading...
ستيفن هبارد يجلس مبتسماً داخل طائرة خاصة بعد الإفراج عنه من السجون الروسية، محاطاً بأشخاص يرحبون به في لحظة عودة أمريكي محتجز.

روسيا تُطلق سراح الأمريكي ستيفن هبارد البالغ 74 عاماً بعد أسره في أوكرانيا المحتلة

بعد سنوات من الأسر الروسي، عاد ستيفن هبارد إلى عائلته وسط محادثات السلام المتوترة بين واشنطن وموسكو، فهل يفتح إطلاق سراحه باب الأمل؟ اقرأ المزيد الآن.
Loading...
رجل أمن يمشي أمام مبنى مدمر في دونباس بأوكرانيا، يعكس أثر القصف الروسي المستمر على البنية التحتية المدنية في النزاع.

روسيا وأوكرانيا: جمودٌ على طاولة التفاوض وساحات القتال

تتصاعد معركة دونباس بين كييف وموسكو وسط محاولات دبلوماسية معقدة وتأثيرات قرارات ترامب، فهل تنجح جهود السلام أم يستمر النزاع؟ تابع التفاصيل.
Loading...
اندلاع حريق ضخم ودخان أسود يتصاعد من محطة نفطية في سان بطرسبرغ بعد هجوم أوكراني بطائرات مسيرة في سياق الحرب الروسية الأوكرانية.

العلاقات الأمريكية الأوكرانية تتدهور وسط الخلاف بين ترامب وزيلينسكي

تصاعد الخلاف بين زيلينسكي وترامب يهدد دعم واشنطن لأوكرانيا وسط هجمات بالطائرات المسيّرة وتوترات سياسية. اكتشف المزيد عن تداعيات الحرب الآن.
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمتكنولوجيااقتصادصحةتسلية