تصعيد الحرب في أوكرانيا يهدد دعم أمريكا ويفجر الخلافات
في ظل تصاعد التوتر بين زيلينسكي وترامب حول دعم أوكرانيا، تزداد المخاوف من تقليص الدعم الأميركي والتنازل لموسكو رغم استمرار الهجمات الروسية. تعرف على تفاصيل الصراع السياسي والإنساني في خَبَرَيْن.

في منطقة خاركيف شرقي أوكرانيا، نشر الرئيس فولوديمير زيلينسكي صورة غير واضحة المعالم لطفل في عربة أطفال بعد هجوم بطائرة روسية مسيّرة، قال إنه أودى بحياة 6 أشخاص بينهم 3 أطفال. جاءت الصورة يوم الاثنين، في اللحظة التي كانت فيها كييف تحاول إقناع واشنطن بأن الحرب لم تخفّ، وأن سيل التصريحات الأميركية الغاضبة منها لا يعكس ما يجري على الأرض.
فالعلاقة بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ونظيره الأوكراني تمرّ بأدنى مستوياتها منذ اللقاء المتفجّر الذي جمعهما في البيت الأبيض قبل 18 شهراً. والسؤال الذي يشغل كييف والعواصم الأوروبية اليوم: هل تتجه الإدارة الأميركية إلى تقليص دعمها لأوكرانيا، أو إلى تقديم تنازلات لموسكو مقابل اتفاق سلام؟
ما الذي فجّر الخلاف هذا الأسبوع؟
بدأ التصعيد الأخير بضربات أوكرانية على منشآت الطاقة الروسية. ففي نهاية الأسبوع شنّت أوكرانيا واحدة من أكبر هجماتها بالطائرات المسيّرة على روسيا هذا العام، واستهدفت محطة نفطية في سان بطرسبرغ. وكان ترامب قد طالب كييف بوقف ضرب مصافي التكرير الروسية، و وصف الضربات الأوكرانية عليها الأسبوع الماضي بأنها «عار». وقال أيضاً إن التعامل مع زيلينسكي أصعب من التعامل مع فلاديمير بوتين.
وراء هذا الموقف حسابات داخلية أميركية، إذ يسعى البيت الأبيض إلى تخفيف الضغط على أسعار النفط والديزل قبل انتخابات التجديد النصفي الحاسمة، وأسعار الديزل في الولايات المتحدة عند مستوى قياسي.
وتبادل الرئيسان الاتهامات علناً. ففي يوم الأحد انتقد زيلينسكي من وصفهم بأنهم قتلة حتى وهم يبتسمون، في إشارة بدت موجّهة إلى علاقة ترامب بروسيا، وقال إن «من الأفضل أن يكون لدينا شركاء منفتحون و واضحون جداً من أن يكون لدينا من هم قتلة، حتى وإن ابتسموا». ردّ ترامب في اليوم نفسه عبر منشور قال فيه إن زيلينسكي «لا يريد إنهاء هذه الحرب، وربما لم يرد ذلك يوماً». ثم عاد يوم الاثنين فشكّك في فهم الرئيس الأوكراني للموقف، وقال إنه «حان الوقت لأن يتفاوض شخص آخر نيابةً عن أوكرانيا».
ردّ زيلينسكي بأنه يدعم مفاوضات السلام شرط ضمان أمن أوكرانيا. وكتب في منشور عن جهود السلام: «نبذل كل ما في وسعنا من جانبنا لتحقيق ذلك، ولضمان أن يكون موقف أميركا قوياً ويقرّب السلام». وفي بيان آخر قال: «أوكرانيا لم تُرد هذه الحرب قط، ورحّبنا بكل محاولة من شركائنا، حرفياً، لإنهاء هذه الحرب بصورة كريمة». وكان قد تحدّث يوم الأحد مع المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر عن جهود السلام، ووصف ذلك بأنه «تواصل لا ينقطع».
العقوبات والتنازلات: هل تميل واشنطن نحو موسكو؟
هنا تكمن مخاوف كييف وأوروبا. فقد دافع ترامب عن تنازلات في العقوبات على روسيا، منها إعفاء يتيح تصدير الديزل الروسي. ويعفي إعفاء أميركي آخر روسيا من عقوبات اقتصادية فرضها الكونغرس الأميركي. وقال ترامب يوم الأحد: «أنا بصدد التفاوض على السلام في الحرب بين روسيا وأوكرانيا، ولا أريد أن أفعل شيئاً يدفع روسيا، بحماقة، بعيداً عن طاولة المفاوضات».
لكن زيلينسكي قال لبرنامج «Meet the Press» إن هذه الإعفاءات تقوّي المجهود الحربي لبوتين. وأضاف أن موسكو تتعثر في ساحة المعركة. ووصف الاصطفاف الأميركي إلى جانب روسيا بأنه «خطأ تاريخي»، ولما سُئل عمّا إذا كان يأمل أن يغيّر ترامب موقفه من بوتين أجاب: «آمل ذلك».
وفي اليوم التالي عقد زيلينسكي اجتماعاً عبر الإنترنت مع مشرّعين أميركيين من الحزبين، وناشد الكونغرس التدخل. وقال إن الوضع هو «أصعب وضع منذ بداية هذه الحرب»، وإن «قراراً سياسياً ما اتُّخذ لإبطاء الدعم المقدّم لنا». وتحدّث عن «حقيقة هذه الحرب» في سياق مناشدته، وقال: «يجب حماية الأرواح. أوكرانيا بحاجة إلى دفاعات جوية. لا يمكنكم التفكير في كسب المال مع روسيا ما دامت مستمرة في حربها الحمقاء».
تهدئة الطاقة التي لم يعترف بها أحد
قبل أسبوع قال ترامب إن روسيا وأوكرانيا اتفقتا على وقف الهجمات على منشآت الطاقة لدى كل منهما. لم تؤكد كييف ولا موسكو وجود اتفاق كهذا. وتوقفت أوكرانيا لفترة وجيزة عن ضرب منشآت الطاقة، بينما واصلت روسيا قصف محطات الطاقة والمدن الأوكرانية. وقال زيلينسكي: «منذ أن أعلن الرئيس الأميركي هدنة الطاقة قبل أسبوع، استهدفت روسيا عمداً قطاعَي الطاقة والنفط والغاز في أوكرانيا 76 مرة».
وجاءت الضربة الأوكرانية في عطلة الأسبوع، يوم الأحد 18 أكتوبر، على محطة سان بطرسبرغ النفطية التي تبلغ طاقتها حتى 12.5 مليون طن سنوياً. وقالت شركة Fire Point الأوكرانية لصناعة الطائرات المسيّرة إن أرض المحطة اشتعلت بعد الضربة. وطالت الهجمات في المدينة أيضاً مركزاً لوجستياً تديره شركة Ozon الروسية للتوزيع، ومركز بيانات تابعاً لمنصة التواصل الروسية VKontakte. وأفادت السلطات المحلية بمقتل شخص وإصابة 5 آخرين، وبتضرر منازل سكنية.
نزاع حول الاستخبارات وStarlink
اتسع الخلاف إلى ما هو أبعد من النفط. فقد قال زيلينسكي يوم الأحد إن تغييرات في نظام Starlink التابع لإيلون ماسك حدّت من سرعة الطائرات المسيّرة قصيرة المدى وطائرات ساحة المعركة. وكان ماسك قد قال الأسبوع الماضي إن أنظمة Starlink تملكها الحكومة الأميركية وتتحكم فيها، وإن الحكومة وحدها تستطيع تقييد سرعتها أو استخدامها. وعدّ زيلينسكي ذلك «رسالة من الحكومة الأميركية». ونفت إدارة ترامب أنها أمرت بفرض قيود على الخدمة. وقال ترامب يوم الاثنين إنه لا يعرف من قيّدها، لكنه «أودّ أن أعرف».
والأمر الأخطر أن كييف تتهم واشنطن بحجب معلومات استخبارية عن صواريخ باليستية قادمة. وتوفّر شبكات الأقمار الصناعية الأميركية للقوات الأوكرانية إنذاراً مبكراً بالصواريخ، وتستهدف الهجمات الباليستية الروسية الحياة المدنية والبنية التحتية الأساسية. وقال زيلينسكي يوم الاثنين: «هجوم صاروخي باليستي روسي آخر جاء على عدة موجات خلال الليل، ومرة أخرى لم يكن هناك إنذار مبكر من شركائنا». وذكر أن ذلك تكرر مرات عدة خلال الأسبوع، وأن أوكرانيا لم تتلقَّ أي تحذير قبل هجمات ليلة الأحد.
نفت إدارة ترامب هذه الرواية. وقال وزير الخارجية ماركو روبيو إنه لا يعرف «من أين يأتي بهذه الأمور ولماذا يقولها للصحافة»، وأكد: «لم يكن هناك أي توقف». وأضاف أن ما ينبغي أن يركّز عليه زيلينسكي، وما تريد واشنطن التركيز عليه، هو إنهاء الحرب: «هذا ما ينبغي أن ينشغل به».
اجتماع أميركي صيني بلا كييف؟
عمّق الغموضَ حديثٌ عن لقاء محتمل بين الولايات المتحدة والصين الشهر المقبل لبحث تسوية النزاع، من دون مشاركة أوكرانيا. وقال روبيو، وهو في أوزبكستان يوم الاثنين: «أعتقد أنه جرى الحديث عن لقاء. لا أعرف إن كان قد جرى تأكيد أي شيء».
وحذّر وزير الخارجية الأوكراني أندريه سيبيها من أن لقاءً كهذا «لن يفعل سوى العكس: تشجيع بوتين على مواصلة هذه الحرب». وأضاف أن «دعوة بوتين إلى لقاء كهذا ستغذّي شهيته إلى تضخيم الذات وتمنحه مكانة لا يستحقها». أما الكرملين فقال إنه «لم تُناقَش ولم يُطرح من أي طرف أي مقترحات أو اتفاقات ملموسة، لا بشأن الاجتماع نفسه ولا بشأن جدول أعماله ومضمونه المحتمل».
أوليشكي: ما يبقى خارج الحسابات
بعيداً عن الحسابات الانتخابية والنفطية، تظل مدينة أوليشكي، الخاضعة للاحتلال الروسي، مثالاً على ما يُدفع ثمناً. فبحسب السلطات الأوكرانية، يفتقر نحو 2,000 مدني فيها إلى الغذاء والأدوية الأساسية. وقد بحث البابا ليو الرابع عشر الوضع الإنساني فيها قبل أيام في اتصال هاتفي مع بوتين، ووصفه بأنه «وضع إنساني خطير». وتحدّث زيلينسكي مع البابا يوم الاثنين، بحسب الفاتيكان.
وتبقى الأسئلة مفتوحة: هل يتحوّل الخلاف حول الطاقة والعقوبات والاستخبارات إلى تراجع فعلي في الدعم الأميركي، أم يبقى سجالاً علنياً يتجاوزه التفاوض؟ في الأثناء تنتظر كييف جواباً من واشنطن والكونغرس، وينتظر أطفال خاركيف وسكان أوليشكي أن تصلهم نتائج هذه المفاوضات.
أخبار ذات صلة

ترامب يلغي العقوبات على روسيا قبل بدء تطبيقها وسط تدهور العلاقات الأوكرانية

روسيا تشهد حرباً رقمية: أوكرانيا تستهدف محرك البحث الروسي الأكبر

الخلاف حول نظام Musk العسكري في أوكرانيا يعمّق الأزمة مع واشنطن
