ترامب يجمّد عقوبات النفط الروسي وسط انتقادات حادة
قرار ترامب بتجميد عقوبات الوقود الروسي يثير جدلاً واسعاً بين نواب الحزبين ويزيد من إحساس أوكرانيا بالتخلي عنها وسط هجمات روسية مستمرة على بنيتها التحتية للطاقة كيف سيؤثر هذا التراجع على مستقبل الدعم الأميركي للحرب؟ خَبَرَيْن

«يبدو أن العالم ينسانا». بهذه الجملة وصف أحد سكان كييف، في مقطع مصوّر مدته 36 ثانية عن الحياة تحت الهجمات الروسية، شعوره بعد أسبوع تواصلت فيه الضربات على شبكة الطاقة الأوكرانية. وفي الأسبوع نفسه جاء من واشنطن قرار زاد هذا الشعور حدّةً: تجميد عقوبات جديدة على مبيعات الوقود الأحفوري الروسي كانت ستدخل حيز التنفيذ بعد أيام.
ما العقوبات التي علّقها ترامب؟
أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يوم الجمعة، في أمر تنفيذي، إعفاءً من عقوبات إضافية مرتبطة بمبيعات الوقود الأحفوري الروسي. وكان ترامب نفسه قد وقّع مشروع القانون ليصبح نافذاً الشهر الماضي. ويبقى الإعفاء ساريًا إلى أن ترى الإدارة أن «اتخاذ إجراء إضافي مناسب»، بحسب نص الأمر التنفيذي.
وتندرج العقوبات في إطار «قانون غراهام»، وهو تشريع يفرض رسوماً جمركية تصل إلى 100% على سلع معينة تدخل الولايات المتحدة، تأتي من الدول الخمس الأكبر استيراداً للنفط الخام أو الغاز الروسي. والفكرة وراء ذلك أن مبيعات النفط والغاز الروسيَّين تموّل المجهود الحربي للكرملين. ويحمل القانون اسم السيناتور السابق ليندسي غراهام، الذي وُصف بأنه من صقور الموقف من روسيا، وتوفي في يوليو.
وقال ترامب في تعليل القرار: «قدّمتُ إلى الكونغرس شهادةً بأن إصدار هذا الإعفاء في هذا الوقت يصبّ في المصلحة الوطنية للولايات المتحدة». غير أن الأمر التنفيذي لم يوضح لماذا يخدم الإعفاء تلك المصلحة.
وجاء الترحيب من موسكو. فقد وصف كيريل دميترييف، رئيس صندوق الثروة السيادي الروسي، اللحظة في رد فعله على الإعفاء بأنها «لحظة مهمة وتاريخية حقاً»، وأضاف أن «التعاون الاقتصادي بين روسيا والولايات المتحدة يخدم مصالح البلدين».
لماذا انتقده نواب من الحزبين؟
لم تنتظر ردود الفعل في واشنطن طويلاً. ففي مساء الجمعة انتقد نواب من الحزبين القرار. وقالت السيناتورة الديمقراطية إليزابيث وارن، مستشهدةً بما تحظى به أوكرانيا من «دعم قوي من الحزبين»، إن الخطوة «فشل ذريع ومتوقَّع في القيادة».
أما النائب الجمهوري دون بيكون فقال إن ترامب «يُطيل أمد الحرب ولا ينهيها». وكتب النائب عن ولاية فرجينيا دون باير، في منشور على منصة «إكس»: «أحدث استسلام لترامب أمام بوتين يخون شركاءنا الأوكرانيين مجدداً، ويتحدى الإرادة الواضحة للكونغرس في تشريع صُمّم لمعاقبة روسيا على حربها العدوانية غير المشروعة».
وكان أشدّ الانتقادات من السيناتور ريتشارد بلومنتال، أحد من شاركوا في صياغة مشروع القانون. فقد قال في تعليقه على القرار: «لا علاقة لهذه الإعفاءات بأمننا القومي، وكل علاقتها بالتودّد إلى فلاديمير بوتين».
ما الذي دفع البيت الأبيض إلى هذا المسار؟
لم يأتِ الإعفاء من فراغ. فقد ضغط البيت الأبيض على أوكرانيا لوقف ضرباتها على منشآت النفط الروسية، سعياً إلى خفض أسعار النفط قبل انتخابات التجديد النصفي الأمريكية. ووافقت كييف لفترة وجيزة على وقف الضربات، ثم استأنفتها. وفي الأسبوع الماضي وافق ترامب على السماح بصادرات الديزل الروسي، وهو اتفاق قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إنه جعله يشعر بالخيانة، وانتقده سياسيون أمريكيون من الحزبين كذلك.
وحمّل ترامب الحرب بين أوكرانيا وروسيا مسؤولية ارتفاع أسعار الوقود. وبحسب المقال الذي استندت إليه هذه المعطيات، تظل حربه في إيران غير شعبية بين الناخبين، وهو ما يضيف ثقلاً انتخابياً إلى حسابات الطاقة.
وعلّق زيلينسكي على الإعفاء قائلاً: «في وقتٍ نفّذ فيه الروس هجوماً ضخماً على قطاع الطاقة لدينا، اتُّخذ في أمريكا للأسف قرار بتجاهل قانون ليندسي غراهام تماماً، وهو القانون الذي كان يُفترض أن يفرض ضغطاً فعالاً حقاً على روسيا لإنهاء هذه الحرب». وأضاف: «كان بإمكان هذا القانون أن يساعد كثيراً، ولا يزال بإمكانه! لكن عليه أن يعمل فعلاً، وكل صوت داعم له مهم». واستخدم زيلينسكي في حديثه عبارة «قادة حقيقيين»، دون أن تتضح من المعطيات المتاحة الجهة التي وجّهها إليها.
كيف بدا الأسبوع على الأرض في أوكرانيا؟
واصلت روسيا طوال الأسبوع هجماتها على البنية التحتية للطاقة في أوكرانيا، ووصف زيلينسكي هجومها على قطاع الطاقة الأوكراني بأنه من أكبر ما نفّذته. واستهدفت ضربات روسية ليلية منشآت الطاقة في أنحاء البلاد، وقالت وزارة الطاقة الأوكرانية إن مدينة فينيتسيا بقيت بلا كهرباء. وفي المقابل أعلنت وزارة الدفاع الروسية اعتراض 610 طائرات مسيّرة أوكرانية.
وقبل ذلك بأيام أصاب صاروخ باليستي محطة كهرباء كبرى في كييف وألحق أضراراً بمبنى سكني. وقال زيلينسكي إن أوكرانيا لم تتلقَّ «إنذاراً مبكراً من شركائنا». ويأتي ذلك وسط مؤشرات على انسحاب أمريكي ظاهر من تبادل المعلومات الاستخباراتية مع كييف، وقد نفى ترامب أن تكون واشنطن أوقفت هذا التبادل.
وقالت السلطات الأوكرانية إن قيود خدمة «ستارلينك» (Starlink)، المملوكة لإيلون ماسك، عطّلت عمل الطائرات المسيّرة وأنظمة الإنذار المبكر. وكانت القيود قد طالت النسخة العسكرية من الخدمة، فقلّصت قدرات الجيش في الإمداد والاتصالات والاستطلاع. وأوضح زيلينسكي يوم الجمعة أن عمل «ستارلينك» تحسّن لكنه لم يعد كاملاً.
وفي الخلفية تقرير لشبكة «سي إن إن» يفيد بأن كييف استنفدت صواريخ منظومات «باتريوت» الأمريكية للدفاع الجوي. وتُعدّ اعتراضات «باتريوت» من الأسلحة القليلة القادرة على إسقاط الصواريخ الباليستية، وقد طلب زيلينسكي مراراً مخزوناً إضافياً منها.
وجاءت تصريحات ترامب في مقابلة مع قناة «نيوزماكس» يوم الخميس لتزيد التوتر، إذ قال: «أجد زيلينسكي أصعب في التعامل من بوتين».
هل تتحرك أوروبا حيث تتراجع واشنطن؟
في يوم الجمعة نفسه التفّ قادة أوروبيون حول زيلينسكي في قمة عُقدت في بلجيكا. ويُعدّ الاتحاد الأوروبي حزمة العقوبات الثانية والعشرين على روسيا منذ غزوها الشامل، وقال إن العقوبات ستُشدَّد ما لم يوقف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الحرب، التي دخلت عامها الخامس.
يبقى السؤال مفتوحاً: هل يتحول التضامن الأوروبي إلى ضغط اقتصادي فعلي على موسكو، فيما يبقى قانون أقرّه الكونغرس بدعم الحزبين معلّقاً بقرار رئاسي بلا أجل محدد؟ وفي كييف، حيث تُقاس الأيام بساعات انقطاع الكهرباء وعدد الصواريخ المتبقية في الدفاعات الجوية، لا يزال سكانها يترقبون إجابة تُعيد إليهم الشعور بأن العالم لم ينسهم.
أخبار ذات صلة

روسيا تشهد حرباً رقمية: أوكرانيا تستهدف محرك البحث الروسي الأكبر

الخلاف حول نظام Musk العسكري في أوكرانيا يعمّق الأزمة مع واشنطن

بوتين يحصل على هديّة وسط مخاوف من تشديد ترامب الخناق على أوكرانيا
