خزان بنما الجديد بين أمن المياه وألم السكان
مشروع خزان نهر إنديو في بنما يهدد غمر آلاف الأفدنة وإعادة إسكان آلاف السكان ونقل قبور عائلات عاشت أجيالاً على ضفاف النهر. رغم أهميته لأمن القناة المائي، يثير المشروع مخاوف السكان حول تعويضاتهم ومستقبل رزقهم خَبَرَيْن

-ستُغمر المياه أكثر من 11,000 إيكر (acre) في بنما، وسيُعاد إسكان ما لا يقل عن 1,600 شخص، وستُنبش قبور عائلات عاشت على ضفاف نهر إنديو (Indio River) أجيالاً. هذه كلفة المشروع الذي تعدّه بنما ركيزة لأمنها المائي: خزان ثالث لقناة بنما، تقول السلطات إنه ضروري لحماية تشغيل القناة وإمدادات المياه. أما السكان فيسألون عمّا إذا كان التعويض سيكفي، وعمّا إذا كان بوسعهم أن يواصلوا الزراعة والصيد بعد أن يغيب الوادي تحت الماء.
لماذا تحتاج القناة إلى خزان ثالث؟
تتولى هيئة قناة بنما (Panama Canal Authority) أو ACP، وهي جهة حكومية مستقلة، الإشراف على مشروع خزان نهر إنديو. وتمرّ عبر القناة نحو 5% من الشحن البحري في العالم، وتسهم بنحو 8% من الناتج المحلي الإجمالي السنوي لبنما. ولذلك تصف الدولة الخزان بأنه «أولوية قصوى للأمن المائي الوطني».
وتستند الهيئة في تبريرها إلى تقلّب الأنماط المطرية في البلاد. فالموسم الجاف في بنما يمتدّ تقليدياً من يناير إلى مارس، والموسم الماطر من مايو إلى نوفمبر. لكنّ Steve Paton، مدير برنامج الرصد في معهد سميثسونيان للأبحاث الاستوائية (Smithsonian Tropical Research Institute)، يقول إنّ الفترة من يناير إلى مارس من هذا العام كانت أكثر المواسم الجافة هطولاً للأمطار في تاريخ المنطقة المسجّل، بينما كانت الفترة من أبريل إلى يوليو أشدّ فترة جفاف على الإطلاق.
والتمييز هنا مهم. موسمٌ واحد استثنائي هو حدث طقسي، لا يكفي وحده دليلاً على اتجاه مناخي. غير أنّ مسؤولي القناة يربطون قرار بناء الخزان بظاهرة النينيو، وهي نمط مناخي طبيعي، وبتغيّر المناخ الناجم عن النشاط البشري. وتقول الهيئة إنّ التلوّث الناتج عن الوقود الأحفوري والنينيو رفعا خطر الجفاف في وسط بنما. وخلاصة منطق المشروع أنّ البلاد تحتاج إلى تخزين مياه إضافية في المواسم الجافة الغزيرة المطر، لتستخدمها في المواسم الماطرة الشحيحة المطر. وقد ظهرت آثار انخفاض المياه في بحيرة غاتون (Gatun Lake)، أحد خزانات القناة، حيث بدت سفن الشحن وجذوع الأشجار المكشوفة وسط المياه المنخفضة.
وتتوقع الهيئة أن يرفع الخزان المكتمل كفاءة تشغيل القناة بنسبة 10 إلى 15%، وأن يمدّ المجتمعات المجاورة بالمياه. وكانت قد وصفته في فبراير من العام الماضي بأنه «خطوة مهمة نحو استدامة القناة وموثوقيتها وقدرتها التنافسية، لصالح جميع البنميين والتجارة العالمية»، وتعهّدت بتخصيص أموال للتعويضات وإعادة الإسكان ودعم الأسر وأصحاب الممتلكات. ويُنتظر أن يبدأ البناء في 2028 وأن يكتمل بين 2031 و2032.
ماذا سيُغمر؟ بيوت ومدارس وكنائس ومقابر
تضمّ منطقة الغمر منازل ومدارس وكنائس ومزارع ومقابر. وبلدة Limón de Chagres واحدة من عشرات المجتمعات المطلّة على نهر إنديو المتأثرة بالمشروع.
هناك تعيش Maricel Sánchez، وهي في السابعة والعشرين وأمّ لطفلتين صغيرتين، وتعمل في نقل الناس بالقوارب عبر النهر. تقول: «فاجأني هذا الأمر تماماً». وتضيف: «لم أتخيّل يوماً أنهم سيجرؤون على المساس بشيء بالغ الحساسية بالنسبة إلينا نحن أهل الريف».
وتقع مقبرة El Limón بين ثماني مقابر في نطاق الغمر. فيها أفراد من عائلة Sánchez، ودُفنت جدّتها هناك قبل 15 عاماً. وفيها أيضاً أجداد Olegario Cedeño Rojas الأربعة، وهو مزارع في الأربعين من عمره من البلدة نفسها. وبعض المقابر المتأثرة تضمّ أكثر من خمسة أجيال من العائلات.
وقد أوقف مرسوم حكومي صدر في يوليو (دون أن تُذكر السنة) الدفن في مقبرة El Limón. أما المقابر السبع الأخرى فمن المقرر أن يُمنع الدفن فيها في يناير 2027.
وتقول هيئة القناة إنّ نقل القبور سيجري بالتنسيق مع الأسر، مع مراعاة الاعتبارات الدينية والثقافية. وستتحمّل السلطات المحلية تكاليف النقل، بما فيها التوابيت أو الجرار الجنائزية وشواهد القبور الجديدة. لكنّ الكلفة المادية لا تغطي ما يشعر به الأهالي. تقول Sánchez: «يكفي ما نتحمّله من ألم فقدان أحد أفراد العائلة، لكنني أشعر أنهم حين ينبشونهم مرة أخرى، تعيشين الألم كله من جديد».
وتشاركها الشعور Alexis Rodriguez، الذي نشأ في قرية El Jobo de Rio Indio ويقيم في مدينة بنما منذ نحو عشر سنوات. يزور أسرته بالقارب عبر النهر، ومنهم جدّه البالغ 91 عاماً. دُفن جدّاه الأكبران في مقبرة منذ 30 عاماً، ودُفن أسلافه الآخرون قبل ذلك بزمن أطول. يقول: «أن نضطر إلى فتح القبور مجدداً وإخراج عزيزٍ منها… أمر محزن ومؤلم وصادم بعمق».
وماذا عن الأرض والرزق؟
يتركّز قلق السكان على ما بعد النقل. يقول Cedeño Rojas: «كيف يمكنهم أن يعوّضوني بشيء دائم، شيء يبقى، وأنا أتخلّى عن أرضي وحياتي وكل ما أملك؟». ويضيف: «الأرض هي تأمين الحياة لنا، وهي الأصل الوحيد الدائم ذو القيمة، والمصدر الوحيد للرزق لنا نحن المزارعين».
وتشكّل الزراعة والصيد والنقل النهري أعمدة العيش في هذه المجتمعات. ويحذّر خبراء السدود من أنّ جدار الخزان قد يعطّل جريان النهر ويضرّ بالحياة المائية. ويقول LeRoy Poff، الخبير في بيئة الأنهار بجامعة ولاية كولورادو (Colorado State University)، إنّ السدّ سيعيق حركة الأسماك على امتداد النهر للتكاثر. وبحسب الخبراء، قد يطال ذلك مصادر الغذاء والدخل المحلية.
وتقول Karina Vergara، مديرة الجانب الاجتماعي والبيئي في المشروع، إنّ مناطق إعادة التوطين ستكون قريبة، بتربة وظروف زراعية مماثلة. وتصف النهج المتّبع بأنه «إنجاز هذه العملية بصورة تدريجية وحذرة، والعمل مع الناس».
لكنّ التفاصيل لا تزال ناقصة. فأراضي إعادة التوطين لم تُشترَ رسمياً بعد، وتفاوض الهيئة ملّاكها الحاليين. وبعض مواقع النقل المقترحة تحتاج إلى بنية تحتية، منها الطرق. ومن المقرر أن تجري عمليات إعادة الإسكان في وقت ما من عام 2027 دون جدول زمني محدّد، على أن تبدأ أولى الانتقالات في مناطق فيها بيوت ومدارس وطرق قائمة.
ويرى Osvaldo Jordan، الرئيس التنفيذي لمنظمة CREHO المعنية بحماية الأراضي الرطبة، أنّ الوضع متأخر عن موعده: «أعتقد أنه كان ينبغي أن تتوافر لديهم في هذه المرحلة على الأقل مواقع للنقل، وأن يبدؤوا في إعادة إنشاء المزارع». ويقول السكان إنّ السلطات لم تجعل العملية تشاركية بالقدر الذي تزعمه. وكان سكان ضفاف النهر قد احتجّوا على المشروع العام الماضي.
وتقول Sánchez: «يتخذون قراراتٍ بشأننا كأننا مجرّد أشياء». وتضيف: «لسنا أشياء تُنقل من مكان إلى آخر».
ماذا تقول التجارب المجاورة؟
تهجير السكان لإقامة السدود ممارسة مثيرة للجدل، وللمنطقة سوابق فيها. فقد افتُتح سدّ بيلو مونتي في البرازيل عام 2016 بعد تهجير أكثر من 40,000 شخص. وفي كولومبيا بدأ بناء سدّ إل كيمبو عام 2011، ولم تسلّم الحكومة الأراضي لـ94 أسرة مهجّرة إلا في 2024. ويقدّر ناشطون أنّ عدد المتضررين الفعلي من إل كيمبو قد يبلغ مئات أو آلاف الأشخاص.
وتبقى بنما أمام معادلة صعبة: مجرى ملاحي يمرّ به جزء كبير من التجارة البحرية، ومناخ لم تعد مواسمه تسير على إيقاعها المعتاد، وسكان ينتظرون أن يعرفوا أين سيعيشون. وعلى أصغر المعنيّين أن يواجه السؤال نفسه. فقد سألت ابنة Sánchez، وعمرها 7 سنوات: «ماما، هل سيغمروننا فعلاً بالماء؟ هل سنصبح تحت الماء؟»، ثم: «إلى أين سننتقل؟». وتجيب الأم بسؤال لا جواب عنه حتى الآن: «كيف لنا نحن الكبار أن نسلّمها إلى أبنائنا؟».
وسيُقاس نجاح المشروع بقدرة السلطات على الوفاء بوعودها قبل أن يبدأ البناء عام 2028: أراضٍ مُستملكة وطرق ومواقع جاهزة، وقبور تُنقل بالاحترام الموعود.
أخبار ذات صلة

نهر الجليد يذوب بسرعةٍ أكبر من التوقّعات وتأثيره على منسوب البحار حتميّ

مدينة تواجه أزمة المياه: النهاية قد تكون قريبة أقرب مما يتوقّع السكان

حرائق الغابات الأمريكية تُعيد تشكيل المناظر الطبيعية.. ونقطة اللاعودة تقترب
