غياب الأعاصير في الأطلسي يكشف لغز النينيو المناخي
محيط الأطلسي يشهد شهراً نادراً بلا أعاصير رغم الدفء اللازم للتكوّن بسبب تأثير النينيو وقص الرياح القوي الذي يمنع تشكل الأعاصير. موسم غير مسبوق قد يكسر الأرقام القياسية وينبه لمخاطر الطقس المتغيرة خَبَرَيْن

لم يسجّل المحيط الأطلسي إعصاراً واحداً خلال شهر سبتمبر، وهي المرة الأولى منذ أكثر من 30 عاماً التي يمرّ فيها هذا الشهر — الأكثر نشاطاً تقليدياً في الموسم — دون أن يتشكّل فيه إعصار كامل. الفراغ ليس عابراً: فموسم الأطلسي الحالي يقترب من كسر الرقم القياسي الأكثر موثوقية لأطول انتظارٍ لتشكّل أول إعصار فيه، ويطرح احتمالاً نادراً فعلاً — أن يكون هذا أول موسم أطلسي بلا إعصار واحد في كامل السجلّ الحديث. وفي المقابل، وعلى الجانب الآخر من القارة الأميركية، شهد المحيطان الهادئ الشرقي والمركزي نشاطاً استثنائياً بلغ ذروته مع إعصارٍ من الفئة الخامسة قبالة سواحل المكسيك. التناقض بين الحوضين ليس صدفة جغرافية، بل أثرٌ مباشر لظاهرة مناخية واحدة: النينيو.
كيف يمحو النينيو أعاصير الأطلسي؟
مياه الأطلسي كانت دافئة بما يكفي لتغذية أعاصير كاملة هذا الموسم، وهذا ما يؤكّده الدكتور فيل كلوتزباخ، الباحث في جامعة ولاية كولورادو المتخصّص في رصد الأعاصير. العامل الذي عطّل التشكّل لم يكن نقص الطاقة الحرارية في المحيط، بل عاملٌ جوّي آخر: قصّ الرياح (Wind Shear)، أي التغيّر في سرعة الرياح واتجاهها بين طبقات الغلاف الجوي المختلفة. حين يكون هذا القصّ قوياً، فإنه يمزّق الأنظمة المدارية الناشئة قبل أن تتمكّن من بناء بنيتها الدوّارة المتماسكة، وقد يُضعف حتى الأعاصير المكتملة التكوين.
وبحسب كلوتزباخ، سجّلت منطقة التكوين الرئيسية في الأطلسي — التي تمتدّ من سواحل أفريقيا غرباً وصولاً إلى البحر الكاريبي — أقوى قصّ رياحٍ منذ هذا الصيف، ما أدّى عملياً إلى تعطيل هذه المنطقة بأكملها خلال ذروة الموسم التي تمتدّ من منتصف أغسطس إلى أوائل أكتوبر. العاصفتان المداريتان دولي وغونزالو كانتا النظامين الوحيدين اللذين تشكّلا في هذه المنطقة هذا الموسم، ومزّقهما قصّ الرياح بسرعة: لم تصمد دولي سوى يوم واحد، وغونزالو ما يقارب يومين فقط.
أرقامٌ تكشف حجم الندرة
منذ عام 1950، لم يسجّل الأطلسي سوى ثلاثة أشهر سبتمبر خالية من الأعاصير: في 1994 و1972 و1962. أما هذا العام فانضمّ إلى هذه القائمة القصيرة، رغم أن سبتمبر يشهد عادةً تشكّل إعصارين إلى ثلاثة أعاصير. وتشكّلت ثلاث عواصف مدارية فقط الشهر الماضي، كان أبرزها العاصفة المدارية فاي، التي اقتربت كثيراً من عتبة الإعصار إذ لم تنقص رياحها عن تلك العتبة سوى بمقدار 4 أميال في الساعة — وهو فارق قد يُعاد النظر فيه حين يُصدر المركز الوطني للأعاصير مراجعته النهائية لبيانات الموسم، ما قد يرفع فاي رسمياً إلى مرتبة إعصار بأثر رجعي.
في المعدّل التاريخي، يُفترض أن يشهد الأطلسي سبعة أعاصير في الموسم الواحد، وأن تكون خمسة منها قد تشكّلت بحلول هذه المرحلة من العام. وللمقارنة، شهد الموسم الماضي خمسة أعاصير، تشكّل أربعة منها بحلول بداية أكتوبر، وثلاثة منها في سبتمبر وحده. الفجوة هذا العام إذن ليست طفيفة، بل انقطاعاً شبه كامل عن المعدّل المعتاد.
هل سبق أن مرّ موسمٌ أطلسي بلا إعصار واحد؟ التاريخ يقدّم استثناءين فقط، وكلاهما يحمل تحفّظاً منهجياً: عاما 1907 و1914، حين لم يُسجَّل أي إعصار، لكن ذلك سبق عصر الأقمار الصناعية ومراقبة الطائرات، ما يعني احتمال فوات أعاصير فعلية عن الرصد بسبب محدودية أدوات التتبّع آنذاك. أما منذ عام 1950 — أي في كامل حقبة السجلّ الحديث الموثوق — فلم يمرّ موسمٌ واحد دون إعصار. وأقل الأرقام المسجّلة كانت في عامي 1982 و2013، حين لم يتجاوز عدد الأعاصير إعصارين فقط في كلٍّ منهما. إذا استمرّ الجفاف الحالي في التشكّل حتى نهاية الموسم، فسيكون 2026 سابقةً لم يشهدها السجلّ منذ 76 عاماً على الأقل.
هل انتهت المخاطر فعلاً؟
بقي أمام الموسم شهران عند نقطة هذا التقرير، وهو ما لا يسمح بإعلان الموسم آمناً. أكتوبر يشهد عادةً تشكّل إعصارٍ واحد في المتوسط، ونوفمبر يمكن أن ينتج إعصاراً بشكل عرضي. والأخطر أن عواصف أواخر الموسم تميل إلى التشكّل قرب الولايات المتحدة مباشرة — في خليج المكسيك والبحر الكاريبي والساحل الجنوبي الشرقي — ما يرفع احتمالات وصولها إلى اليابسة مقارنةً بعواصف منتصف الموسم التي تتشكّل في عرض المحيط. أما البحر الكاريبي، فلا يزال متأثراً بعمق بقصّ الرياح الناتج عن النينيو، ما يجعله على الأرجح غير متاحٍ للتطوّر في المدى القريب.
وحتى في غياب الأعاصير، لا تعني العاصفة المدارية غياب الخطر بالضرورة. العاصفتان آرثر وإدوارد كانتا قصيرتي العمر ولم تبلغا قوة الإعصار، لكنهما تسبّبتا بفيضانات مفاجئة كبيرة وعمليات إنقاذٍ مائي قرب ساحل الخليج. وهذا يتّصل بملاحظةٍ أوسع يجدر عدم إغفالها: الأنظمة المدارية تزداد غزارةً بالأمطار في عالمٍ أكثر احتراراً، وهو اتجاهٌ مناخي بعيد المدى يختلف جوهرياً عن حدّة أو غياب أي عاصفة بعينها في موسمٍ واحد.
أين ذهب النشاط إذن؟
النينيو لم يُضعف الأطلسي فحسب، بل حوّل النشاط المداري نحو المحيط الهادئ الشرقي والمركزي، حيث وجدت المياه الدافئة للغاية بيئةً مثالية لا يعطّلها قصّ الرياح بالقدر نفسه. سجّل الحوضان معاً 20 عاصفة مسمّاة هذا الموسم، من بينها ثلاثة أعاصير من الفئة الخامسة. أبرزها إعصار بولو، الذي اشتدّ بسرعة إلى الفئة الخامسة برياح بلغت 180 ميلاً في الساعة قبالة سواحل المكسيك الأسبوع الماضي، وأظهرته صور الأقمار الصناعية بهذه القوة في 22 سبتمبر 2026، ليتعادل بذلك مع ثالث أقوى إعصار مسجَّل في تاريخ شرق المحيط الهادئ. كما مرّت العواصف لالا ولويل ونولو قرب سلسلة جزر هاواي، حاملةً أمطاراً غزيرة ورياحاً قوية.
الصورة الكاملة إذن ليست غياباً للنشاط المداري عالمياً، بل إعادة توزيعٍ له بفعل نمط مناخي واحد يُعيد تشكيل خرائط الرياح فوق حوضين متجاورين بطريقتين متعاكستين تماماً. وما يحسم مصير الموسم الأطلسي نهائياً — هل سيُسجَّل كأول موسمٍ بلا إعصار في السجلّ الحديث، أم ستكسر عاصفة أكتوبر أو نوفمبر هذا الصمت — لن يُعرف إلا مع اقتراب الموسم من نهايته الرسمية.
أخبار ذات صلة

مدينة تواجه أزمة المياه: النهاية قد تكون قريبة أقرب مما يتوقّع السكان

حرائق الغابات الأمريكية تُعيد تشكيل المناظر الطبيعية.. ونقطة اللاعودة تقترب

العلماء يحذّرون من تحوّلاتٍ عميقة تجتاح محيطات الأرض
