تحول الغابات الأمريكية بين الحرائق وتغير المناخ
في غابات أمريكا حرائق أشد حرارة تغير المشهد الطبيعي فتتحول الصنوبريات إلى شجيرات وأعشاب دائمة. تحولات بيئية عميقة تهدد التعافي الطبيعي وتزيد من تأثيرات التغير المناخي. اكتشف تفاصيل الظاهرة في خَبَرَيْن.

في غابات أمريكية اعتادت النار منذ آلاف السنين، بدأت الأشجار تفقد قدرتها على العودة بعد الحرائق. حيث كانت الصنوبريات تتجدّد خلال سنوات قليلة، تحلّ اليوم الشجيرات والأعشاب محلّها بشكل دائم، في ظاهرة يصفها علماء البيئة بأنها ليست حادثاً عابراً بل تحوّلاً بنيوياً طويل الأمد، تغذّيه حرائق أشدّ حرارةً وأسرع انتشاراً من أي وقت مضى. هذا ما توصّلت إليه مجموعة من الباحثين الذين تتبّعوا مواقع حرائق كبرى في ولايات مختلفة من يلوستون إلى كاليفورنيا ونيومكسيكو، في مقابل ما تقدّمه فلوريدا من نموذجٍ مغاير قائم على إدارة النار بدل إطفائها بالكامل.
يلوستون: حين لا يتعافى الرماد كما توقّعنا
عادت الباحثة مونيكا تيرنر، أستاذة علم البيئة في جامعة ويسكونسن-ماديسون، إلى التلال الغربية في يلوستون عام 2017، أي بعد أربع سنوات من زيارتها الأولى في 2013. كانت المنطقة قد احترقت بفعل حريق "مابل" عام 2016، ووصفت تيرنر ما وجدته بأنّ المنطقة كانت "أكثر حرارة" مقارنة بزيارتها السابقة، لدرجة أنّ أحد مساعدي الميدان أُصيب بالجفاف ونُقل إلى المستشفى خلال تلك الرحلة.
ما لفت انتباهها تحديداً كان أثر الاحتراق على الأرض نفسها، حيث قارنت الرماد في المنطقة المحترقة حديثاً برماد حرائق يلوستون الكبرى لعام 1988. تقول تيرنر: "كنّا نرى ما نسمّيه الجذوع الشبحية، حيث كانت هناك جذوع كبيرة على الأرض، احترقت بالكامل". وتضيف: "ثم يمكنك رؤية ظلالها حيث يتبقّى الرماد الأبيض من درجات الحرارة المرتفعة".
كانت تيرنر قد ظنّت، بعد حرائق 1988 التي درستها طويلاً، أنّ الغابة قادرة على التعافي. لكن بعد 38 عاماً من تلك الحرائق، لم تتجاوز نسبة الشتلات التي أعادت النمو في منطقة حريق 2016 سوى 5 بالمئة. بدلاً من الأشجار، غطّت الأعشاب وزهور ما بعد الحريق المساحة المحترقة، في مؤشّر على ما تصفه تيرنر بـ"تحوّل بطيء لكنه ملحوظ" نحو نباتات "أكثر تحمّلاً للظروف الأكثر دفئاً وجفافاً".
الأثر لم يقتصر على الغطاء النباتي؛ فقد فرضت إدارة المتنزّه حظراً مؤقّتاً على الصيد، بما في ذلك الصيد وإطلاق السراح، بسبب انخفاض منسوب المياه وارتفاع درجات الحرارة. وتوضح تيرنر أنّ غياب الظلّ الشجري ساهم جزئياً في ارتفاع حرارة المياه.
ورغم كل ذلك، تتجنّب تيرنر الأحكام القاطعة حول مستقبل النظام البيئي. تقول: "سيكون هناك أكثر من نقطة تحوّل واحدة"، موضحة أنّ "الغابة تستجيب لعوامل كثيرة في الوقت نفسه، ولهذا يصعب التنبؤ بمسارها". وتصف منطقة "غريتر يلوستون" بأنّها "أكبر نظام بيئي متكامل في الولايات الـ48 السفلى"، مشيرة إلى مفاجأة علمية: "لقد فوجئنا ببعض ما شاهدناه هناك، إذ ظننّا أنّ التربة ستكون معقّمة تماماً، لكنها لم تكن كذلك". وتختم بنبرة أقرب إلى الأمل الحذر: "أعتقد أنه سيكون من المثير للاهتمام رؤية كيف سيتكيّف هذا النظام البيئي مع التغيّرات القادمة، وهي قادمة فعلاً... قد تكون هناك قدرة على التكيّف أكبر ممّا نظنّ".
كاليفورنيا: "بحر من الشجيرات" لا يمكن رؤية ما بعده
على بُعد نحو 100 ميل شمال شرق العاصمة الكاليفورنية، وقف الباحث ديريك يونغ، عالم البيئة في جامعة كاليفورنيا ديفيس، وسط غابة "بلوماس" الوطنية، حيث خلّف حريق "ديكسي" عام 2021 جذوع أشجار متفحّمة. يدرس يونغ هذه المشهدية منذ 15 عاماً، منذ كان طالب دكتوراه، وقد لاحظ أنّ الغابات التي كان يتتبّعها تتحوّل تدريجياً، سنوات بعد الحرائق، إلى حقول من الشجيرات.
يقول يونغ: "من الجنون فعلاً مقدار التغيّر الذي حدث". ويضيف واصفاً كثافة هذا الغطاء الجديد: "يمكن أن تشعر فعلاً وكأنك تسبح في بحر من الشجيرات. لا يمكنك رؤية أبعد من بضعة أقدام أمامك". الشجيرات المسيطرة هي من نوعَي "ديير براش" و"وايت ثورن"، وهما نوعان يعاودان الإنبات من جذور ناجية بعد الحريق، وقد تنمو خلال سنوات قليلة لتصل إلى طول الإنسان.
أما تجدّد الأشجار نفسها، فيتوقّف وفق يونغ على عوامل متعدّدة: نوع الشجرة، وظروف الحريق، وتحرّر البذور وانتشارها، وظروف البقاء بعدها، إضافة إلى دور الرياح والحياة البرية في تحديد أين تهبط البذور.
يكشف يونغ عن حلقة تغذية راجعة مقلقة تربط هذه الظاهرة بالمناخ العالمي: الغابات تلتقط ثاني أكسيد الكربون وتخزّنه عبر ما يُعرف بعملية "عزل الكربون"، لكنّ حرائق الغابات تطلق هذا الكربون مجدداً. يقول: "حين تحترق الغابات، تطلق الكربون، وتساهم في تغيّر المناخ، ما يجعل اندلاع المزيد من الحرائق أكثر احتمالاً، وتحويل المزيد من الغابات".
يرجع يونغ جذور هذا التحوّل أيضاً إلى سياسة إطفاء الحرائق المتّبعة طوال 100 عام، والتي خلقت الظروف المواتية لسيطرة الشجيرات: "الأمر لا يتعلّق بأنّ النظام أراد طبيعياً أن يكون شجيرات. نحن من خلقنا هذا الوضع بقمع الحرائق لمدة مئة عام".
ويطرح يونغ سؤالاً فلسفياً حول القيمة البيئية لهذا التحوّل: "أحياناً أحاول التفكير من منظور: ماذا لو لم يكن هناك بشر، ولا مجتمع يقرّر قيمنا؟ في هذا السيناريو، أعتقد أنّ الإجابة الحاسمة هي أنّ النظام البيئي الأكثر قيمة هو ذلك المتكيّف مع الموقع في غياب كل تدخّل بشري". لكنه يضيف من منظور إنساني بحت: "يمكنك القول، إذا كنت تهتم برفاهية البشرية، إنّ ذلك سبب فعلي لتفضيل صون واستعادة الغابات بدل حقول الشجيرات ما بعد الحريق".
نيومكسيكو وأريزونا: خسارة أشجار عمرها 400 عام
حيث تلتقي السهول الكبرى بجبال روكي، في متنزّه "سوغاريت كانيون" الحكومي بولاية نيومكسيكو، أحرق حريق "تراك" أشجار صنوبر دوغلاس العتيقة على منحدرات الوادي. يقول الباحث كريس غيوترمان، من معهد التعاون للبحث في العلوم البيئية بجامعة كولورادو بولدر: "تنظر إلى سفوح التلال، فلا ترى سوى جذوع متفحّمة من أشجار صنوبر دوغلاس القديمة".
غيوترمان، الذي بحث في تعافي الغابات بعد حريق "لاس كونتشاس" عام 2011 أكبر حريق في تاريخ نيومكسيكو آنذاك بمساحة تجاوزت 156,000 فدان وفق هيئة المتنزّهات الوطنية وجد أنّ النباتات التي عادت بعد الحريق كانت في الغالب من الجنبة النيومكسيكية، وبلّوط غامبل، والهندباء، والأعشاب والشجيرات، لا الصنوبريات.
ويرى غيوترمان أنّ غابات جنوب غرب الولايات المتحدة ذات الغلبة الصنوبرية تتحوّل نحو شجيرات البلّوط المقاومة للجفاف، وهي شجيرات قد تزيد الوقود القابل للاحتراق وتُشعل حرائق أعنف خلال فترات الجفاف الحاد. وفي السياق نفسه، احترق أكثر من نصف مليون فدان في نيومكسيكو وأريزونا خلال حريق "والو" عام 2011، الذي وُصف بأنه أكبر حريق غابات في تاريخ أريزونا الحديث.
تكشف أبحاث غيوترمان أنّ الحرائق واسعة النطاق كانت تتكرّر في هذه المنطقة تقريباً كل 20 عاماً على مدى آلاف السنين، لكنّ الحرائق الحالية، كما تُظهر ندوب الأشجار التي درسها، أكثر حدّة بكثير من تلك المسجّلة تاريخياً. يقول: "الحرائق التي سجّلناها في مسارها، نجت الأشجار منها وسجّلت الندبة واستمرّت بالنمو. لكنّ تلك الغابات الآن، مثل الأشجار التي أخذنا منها عيّنات، كانت ميتة". وقد فقد سوغاريت كانيون أشجاراً يصل عمرها إلى 400 عام.
يصف غيوترمان المشهد بمزيج من الحزن والجمال المتناقض: "في سوغاريت، تشعر بذلك الإحساس بالفقدان. في الوقت نفسه، هناك جمال فيه لأنّ لديك كل هذه الألوان الزاهية من نباتات أخرى. لكن بدل أن تتجوّل بلا هدف في هذه الغابة وتقيم نزهة، تجد نفسك أمام أجمة من الشجيرات، ولا يمكنك مغادرة المسار". ويضيف واصفاً مصير الصنوبريات: "الصنوبريات ببساطة لا تملك فرصة كبيرة للعودة إلى هناك... شجيرات البلّوط ستتمسّك بالمكان، وهي شديدة الصمود".
ومع ذلك، يستعيد غيوترمان لحظة أمل وسط الدمار: "أتذكّر أننا كنّا نتناول الغداء وشاهدنا عقاباً صيّاداً يغوص في البحيرة ويلتقط سمكة تراوت". يعلّق قائلاً: "ربما كانت هناك خسارة أخرى بسبب الحريق، لكنني لم أشعر بها في تلك اللحظة".
ويخلص غيوترمان إلى أنّ تغيّر المناخ يجعل بقاء الأراضي الشجرية أكثر احتمالاً، في ظل جفاف متفاقم تؤكّده بيانات الجفاف الرسمية في الولاية.
نموذج فلوريدا: النار التي لا تدمّر بل تُجدّد
في مقابل هذه الصورة القاتمة، تقدّم فلوريدا نموذجاً مختلفاً جذرياً: استخدام النار المُتحكَّم بها (الحرق الموجّه) كأداة صيانة بيئية بدل كارثة. تدرس الباحثة راي كراندال، أستاذة علم إيكولوجيا الحرائق المشاركة في جامعة فلوريدا والباحثة الرئيسية في "ساذرن فاير إكستشينج"، غابة "أوستن كاري" التابعة للجامعة، حيث يمكن لحقل صنوبر "سافانا" محترق أن يتحوّل خلال شهرين إلى ثلاثة أشهر فقط من أرض "سوداء بشكل يكاد يكون مستحيلاً" إلى "بحر من الأعشاب والزهور البرية والفراشات وأنواع أخرى تعتمد على النار لتستمر في الوجود".
تشير كراندال إلى أنّ أنظمة بيئية في فلوريدا، من بينها إيفرغليدز وبيغ سايبرس، تستفيد من الحرائق الدورية، قائلة: "النار تشكّل هذه المناظر الطبيعية منذ آلاف السنين". وتضيف واصفة قدرة هذه الأنظمة على التعافي: "هذا النظام مرن للغاية".
الأرقام تعكس حجم هذه السياسة: تُجري فلوريدا عمليات حرق موجّه على مساحة تتراوح بين مليونين و2.5 مليون فدان سنوياً، وتصدر مصلحة الغابات في الولاية نحو 85,000 تصريح حرق كل عام. يوضح ريك دولان، مدير مصلحة الغابات في فلوريدا، أنّ الحرق الموجّه "يساعد على تعزيز الحياة البرية والموائل" ويقلّل من كمية المواد النباتية القابلة للاشتعال التي قد تغذّي حرائق أعنف لاحقاً.
وتساعد ظروف فلوريدا الطبيعية على نجاح هذه السياسة: فصلان مناخيان واضحان، رطب وجاف، وتضاريس مسطّحة، إضافة إلى تاريخ طويل من ممارسة ملّاك الأراضي الخاصة للحرق كوسيلة صيانة. تقول كراندال إنّ فلوريدا "نادراً جداً ما تشهد أي حريق كارثي من شأنه أن يغيّر جذرياً مجتمعات النباتات والحيوانات الموجودة هناك"، مضيفة بثقة: "لا نرى نقطة تحوّل".
لكنّ هذا النجاح ليس تلقائياً، بل يتطلّب تقييماً دقيقاً لكل موقع. تشرح كراندال: "نقيّم الأرض. نكتب وصفة مثلما يفعل الطبيب لمريضه". وتصف المشهد بعد الحرق بحلول الخريف: "بحلول الخريف بعد الحرق الموجّه، قد يصعب عليك أن تخطو خطوة دون أن تلامس نبتة مزهرة أو تثير فراشة أو جندباً في الهواء". وتضيف: "سلاحف غوفر تتغذّى على النمو الطري الجديد. وتحت كل هذا التجدّد الظاهر توجد استمرارية لافتة".
غير أنّ التحدّي الحقيقي، كما يرى دولان، ليس بيئياً بل اجتماعياً: "فلوريدا تنمو، وسكانها الأصليون يفهمون الحرق الموجّه لأنهم نشأوا عليه طوال حياتهم". المشكلة تكمن في الوافدين الجدد: "التحدّي الذي نواجهه هو حين ينتقل الناس للعيش في الولاية، ونحن ننمو من مناطق أخرى في البلاد ربما لا تمارس الحرق الموجّه. وأعتقد أنّ التعليم هو المفتاح".
بين الإطفاء القسري والحرق المُدار
ما تكشفه هذه الحالات الأربع مجتمعة هو أنّ غياب الحرق الموجّه، لا وجود النار نفسها، هو ما يترك الأشجار عرضة لحرائق أعنف من قدرتها على التحمّل. الباحثون متّفقون على أنّ النار ضرورية في هذه الأنظمة البيئية التي عاشت معها لآلاف السنين، وأنّ ما يتغيّر ليس حاجة الغابة إلى النار، بل طبيعة النار نفسها: من حريق دوري متوسّط الشدة ساعد الغابات على التجدّد لعصور، إلى حريق سريع الانتشار، مرتفع الحرارة، يترك خلفه أرضاً عاجزة عن استعادة ما فقدته.
ويرجّح الباحثون أنّ ما ينتظر هذه الغابات ليس انهياراً مفاجئاً في لحظة واحدة، بل تحوّلاً تدريجياً نحو الشجيرات أو الأراضي العشبية، يتقدّم مع كل موسم حرائق جديد. وكما تلخّص مونيكا تيرنر تجربتها في يلوستون، فإنّ المستقبل لا يزال مفتوحاً على أكثر من احتمال، وربما على قدرة للتكيّف لم يمنحها العلماء أنفسهم حقّها بعد.
أخبار ذات صلة

مدينة تواجه أزمة المياه: النهاية قد تكون قريبة أقرب مما يتوقّع السكان

النينيو يُوقف الأعاصير: هل يستمرّ الهدوء الأطلسي؟

العلماء يحذّرون من تحوّلاتٍ عميقة تجتاح محيطات الأرض
