النمو الصيني بين صمود الصادرات وضعف الطلب المحلي
نمو الاقتصاد الصيني يرتكز على صادرات قوية مدعومة بتقنيات الذكاء الاصطناعي رغم ضعف الطلب المحلي وتراجع سوق العقارات. بكين تسعى لتعزيز النمو عبر دعم داخلي واتفاقيات تجارية دولية. تابع التفاصيل على خَبَرَيْن.

-في بلدٍ تُقدَّرُ فيه حصة العقارات من ثروة أسره بنحو 70%، يبدو الرقم المعلن عن النمو الصيني أقرب إلى حكاية اقتصادين منه إلى حكاية اقتصادٍ واحد. فقد أعلن المكتب الوطني للإحصاء في الصين، يوم الاثنين، أنّ ثاني أكبر اقتصادٍ في العالم نما بنسبة 4.6% على أساسٍ سنوي في الربع الثالث المنتهي في سبتمبر، مدفوعاً بصادراتٍ قوية، بينما بقي الطلب المحلي والاستثمار ضعيفين.»
النسبة تحسّن عن 4.3% في الربع السابق، وهو أدنى مستوى في أكثر من ثلاث سنوات، وتبلغ الحدّ الأدنى من هدف بكين السنوي الذي يتراوح بين 4.5% و5%. وبلغ النمو في الأشهر التسعة الأولى من 2026 نحو 4.6%.
وقال ماو شنغيونغ، نائب وزير المكتب الوطني للإحصاء، في مؤتمرٍ صحفي: «تقدّم الاقتصاد تحت الضغط وتطوّر في اتجاهٍ أحدث وأفضل، مع تزايد التغيّرات الإيجابية في المؤشرات الرئيسية». لكنه أضاف: «وفي الوقت نفسه، علينا أن ندرك أنّ البيئة الدولية معقّدة ومتقلّبة، وأنّ مشكلة قصور الطلب المحلي لا تزال بارزة نسبياً، وأنّ أساس النمو المستقر والإيجابي للاقتصاد لا يزال بحاجة إلى توطيد».
ما الذي يقود النمو الصيني فعلاً؟
الجواب في التجارة. فقد بقيت الصادرات المحرّك الرئيسي للاقتصاد خلال الربع الثالث. وارتفعت صادرات الصين بنسبة 36.3% على أساس سنوي الشهر الماضي، في أكبر قفزة منذ مطلع 2021، بحسب أرقام أصدرتها الجمارك الصينية الأسبوع الماضي. وارتفعت صادراتها إلى الولايات المتحدة وحدها 39.6% في سبتمبر.
وجاء معظم هذه الطفرة من منتجاتٍ مرتبطة بالذكاء الاصطناعي ومن تقنياتٍ خضراء، من بينها البطاريات. واستفادت صادرات الرقائق والمكوّنات الإلكترونية من طفرة الذكاء الاصطناعي عالمياً.
ويظهر الأثر في الفائض التجاري، إذ سجّلت الصين 938.1 مليار دولار في الأشهر التسعة الأولى من العام، مقابل 875.1 مليار دولار في الفترة نفسها من 2025. وقد أثارت هذه الصادرات انتقاداتٍ من دولٍ حول العالم.
وأظهر الاقتصاد الصيني صلابةً أمام هجوم الرسوم الجمركية الذي شنّه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وهو هجوم جرى تعليقه بعد هدنة ثنائية. أما الحرب الأمريكية مع إيران فقد أثقلت نمو دولٍ أخرى. ومع ذلك، رفع صندوق النقد الدولي توقعه للنمو العالمي هذا العام من 3.0% إلى 3.1%، في تقريره عن آفاق الاقتصاد العالمي.
إلى أي حدّ يضعف الطلب المحلي وتتعثّر العقارات؟
يصف اقتصاديون هذا النمط بـ«اقتصاد السرعتين»: صادراتٌ تقنية عالية قوية، في مقابل استثمارٍ واستهلاكٍ ضعيفين. وقد زاد هذا الاختلال اعتماد الصين على التصنيع والأسواق الخارجية.
وفي الداخل، يدخل تراجع سوق الإسكان عامه الخامس ولا يزال عبئاً على الاقتصاد. وانخفض الاستثمار العقاري 20.2% في الأرباع الثلاثة الأولى من العام. وتراجع الاستثمار في الأصول الثابتة، الذي يشمل البنية التحتية والمصانع والإنفاق العقاري، بنسبة 7.2% في الأشهر التسعة الأولى قياساً بالفترة نفسها من 2025. وهي الوتيرة ذاتها المسجّلة في الأشهر الثمانية الأولى، أي أنّ التراجع لم يتسارع لكنه لم يتباطأ.
وجاءت إشارة أفضل من التجزئة، إذ ارتفعت مبيعاتها 1.1% في سبتمبر مقابل 0.4% في أغسطس. وهذه أسرع وتيرة منذ مارس، لكنها تظلّ متواضعة.
وجعلت بكين توسيع الطلب المحلي أولوية قصوى لعام 2026. وكشفت الشهر الماضي عن إجراءات تحفيز محدودة، منها دعم قروض الرهن العقاري لمشتري المنازل لأول مرة وخفضٌ مستهدف لأسعار الفائدة. وتعهّد مجلس الوزراء بزيادة الدعم لتحقيق هدف النمو السنوي. ويرى اقتصاديون أنّ الصين قد تحتاج إلى دعمٍ أكبر إن لم يستمر الزخم في الربع الرابع.
وخفّض صندوق النقد الدولي الأسبوع الماضي توقعه لنمو الصين هذا العام من 4.6% إلى 4.5%، مشيراً إلى استمرار ضعف الطلب المحلي. وخفّض توقعه لعام 2027 من 4.1% إلى 4%. وقال الصندوق: «لم يعوّض الأداء القوي للصادرات سوى جزئياً ركودَ الاستهلاك المحلي وتراجعَ الاستثمار في ظل استمرار ضغوط قطاع العقارات».
هل تحمي الاتفاقات التجارية هذه الصادرات؟
الهدنة التجارية بين بكين و واشنطن امتدّت حتى يناير المقبل. وكان شي جين بينغ وترامب قد عقدا قمةً الشهر الماضي، واتفقا على خفض الرسوم على سلعٍ قيمتها 60 مليار دولار. ومن المنتظر أن يلتقيا مجدداً في نوفمبر على هامش قمة منتدى آسيا والمحيط الهادئ للتعاون الاقتصادي (APEC) في شنتشن.
وعلى الجبهة الأوروبية، توصّلت الصين والاتحاد الأوروبي هذا الشهر إلى اتفاقٍ تجاري مبدئي، تجنّبا به حرباً تجارية شاملة بشقّ الأنفس. ويتضمّن الاتفاق سقفاً لصادرات السيارات الهجينة الصينية إلى الاتحاد الأوروبي وتحسيناً للنفاذ إلى الأسواق. ويرى خبراء أنه قد يضرّ بصادرات السيارات الصينية المزدهرة.
هنا يكمن السؤال المفتوح للأشهر المقبلة. فإذا أُغلقت أبواب الأسواق الخارجية جزئياً بسقوفٍ وهدناتٍ مؤقتة، فلن يبقى لبكين سوى مستهلكٍ محلي حذر وأسرٍ ما زالت ثروتها محبوسة في عقاراتٍ تتراجع قيمتها. وبين لقاء شنتشن في نوفمبر وانتهاء الهدنة في يناير، سيتبيّن إن كان الربع الرابع سيحمل زخماً جديداً أم سيدفع بكين إلى حزمة دعمٍ أوسع.
أخبار ذات صلة

مؤشر ناسداك يهبط بأكثر من 2% وسط تساؤلات المستثمرين حول ديون الذكاء الاصطناعي

تراكم مخاطر غامضة في الأسواق.. والمحلّلون في حيرة من أمرها

ترامب يسعى لخفض الأسعار قبل الانتخابات، لكن إيران لها رأيها أيضاً
