ارتفاع أسعار النفط رغم فتح مضيق هرمز وتهديدات الحروب
أسعار البنزين والديزل في أمريكا ترتفع رغم فتح مضيق هرمز بسبب تكاليف تأمين النقل والحروب المتعددة التي تضغط على سوق الطاقة العالمي. تعرف على كيف تؤثر هذه الأزمات على أسعار الوقود والإنتاج في تقرير خَبَرَيْن.

بلغ متوسط سعر البنزين في الولايات المتحدة 4.36 دولار للغالون، وهو رقمٌ قياسي موسمي بحسب بيانات AAA، فيما يقف الديزل على بعد نحو 20 سنتاً فقط من أعلى مستوى سجّله على الإطلاق الشهر الماضي. والمفارقة أن هذين الرقمين يتحقّقان في وقتٍ عادت فيه تدفّقات النفط عبر مضيق هرمز إلى مستوياتها شبه الطبيعية التي كانت عليها قبل الحرب. بعبارة أخرى، فتح الممرّ من جديد، لكن فاتورة الطاقة لم تنخفض معه.
يفسّر جان ستيوارت، الاستراتيجي العالمي للطاقة في Piper Sandler، هذا التناقض الظاهري بقوله: «الحروب لم تُحسَم. لا يوجد سلام. منظومة الطاقة لا تزال مقيَّدة». فالمضيق مفتوحٌ تقنياً أمام الناقلات، لكنّه ظلّ خطيراً ومكلفاً من الناحية التشغيلية، وهو ما يفسّر استمرار ارتفاع الأسعار عند مضخّات الوقود من واشنطن إلى المزارع ومحطّات الشحن البرّي حول العالم.
كم يكلّف إخراج برميل النفط من الخليج اليوم؟
الرقم الذي يختصر المشهد هو كلفة نقل النفط من الخليج العربي، والتي قفزت من نحو 2 دولار للبرميل إلى ما يقارب 33 دولاراً. هذا الفارق الهائل لا يعكس تغيّراً في تكلفة استخراج النفط نفسه، بل في تكلفة تأمين خروجه بسلام.
تتبّع شركة الأبحاث اللندنية Clarksons هذا التصاعد عبر أسعار استئجار الناقلات العملاقة (VLCC) على خط الخليج الصين: كانت التكلفة اليومية 65,000 دولار العام الماضي، ثم قفزت إلى 230,000 دولار مع اقتراب اندلاع الحرب الإيرانية، لتصل اليوم إلى 1.6 مليون دولار يومياً. يعلّق توم كلوزا، كبير مستشاري الطاقة في Gulf Oil، على هذا الرقم بجملة واحدة: «هذا جنون». ويضيف أن المعادلة أصبحت واضحة لمالكي الناقلات: «إذا كنتَ تملك ناقلة، فأنت في وضعٍ ممتاز طالما خرجت منها دون أن تمسّها الحرب».
الخطر ليس نظرياً. فقد أبلغت هيئة العمليات التجارية البحرية البريطانية عن عدّة حوادث قصفٍ استهدفت سفناً تجارية في المضيق خلال الأيام الأخيرة، وكانت ناقلتان على الأقلّ من بين السفن المستهدَفة تحملان نفطاً خاماً. هذه المخاطرة تنعكس مباشرة على سوق العمل البحري؛ إذ تفيد صحيفة The Wall Street Journal بأن شركات الشحن تعرض على البحّارة مبالغ تصل إلى 25,000 دولار للرحلة الواحدة، وهو مبلغ قد يفوق أجر عامٍ كامل بالنسبة لبعضهم. وبالتوازي، يدفع منتجو النفط ما بين 30 و40 مليون دولار كتأمينٍ على الرحلة الواحدة ذهاباً وإياباً عبر هرمز، بحسب الصحيفة نفسها.
نتيجة هذه التكاليف المركّبة، يشير كلوزا إلى أن الأرقام الظاهرة للإنتاج مضلِّلة: «نحصل على كمّية معقولة من الخام، لكن هذا مضلّل لأن تكلفة خروج ذلك الخام هائلة». وتنعكس هذه الكلفة في الفارق الصارخ بين سعر برنت الفوري (Dated Brent) الذي بلغ 135.74 دولاراً للبرميل يوم الخميس، وعقود برنت الآجلة التي كانت عند نحو 100 دولار فقط في اليوم ذاته أي أن السعر الفوري اقترب من أعلى مستوى سجّله على الإطلاق في أبريل الماضي، في إشارةٍ إلى أن المشترين على استعدادٍ لدفع علاوة كبيرة مقابل الحصول على الشحنة الآن.
ثلاث حروب تتقاسم ضغطها على منظومة طاقة واحدة
مضيق هرمز ليس الجبهة الوحيدة. فالمنظومة العالمية للطاقة تواجه حربين، وربما ثلاثاً، في آنٍ واحد. فإلى جانب الحرب الأمريكية–الإيرانية التي امتدّت لفترةٍ أطول ممّا توقّعه كثيرون عند اندلاعها، تواصل جماعة الحوثيين في اليمن استهداف الملاحة في مضيق باب المندب بالطائرات المسيّرة والصواريخ، وهو ممرٌّ آخر يُصنَّف ضمن نقاط الاختناق الحيوية للتجارة العالمية إلى جانب هرمز.
وفي جبهةٍ ثالثة بعيدة جغرافياً لكنها متّصلة اقتصادياً، تنجح الطائرات المسيّرة الأوكرانية بشكلٍ متزايد في تدمير مصافٍ روسية، علماً بأن روسيا تُعدّ من أبرز مصدّري الديزل في العالم. وردّاً على النقص المحلي في الوقود، قيّدت موسكو صادراتها من المشتقّات النفطية، بينما قيّدت الصين صادراتها أيضاً تجنّباً لنقصٍ مماثل في سوقها الداخلية. هذا التزامن بين ثلاث جبهات متفرّقة هو ما يدفع كلوزا إلى القول: «يجب إنهاء الحروب الثلاث جميعها أو حتى إنهاء حربين من أصل ثلاث لن يكون أمراً سيئاً».
حين تصبح مصافي أمريكا الملاذ الأخير
مع تعطّل قدرات التكرير في روسيا وتقييد الصادرات في الصين، باتت المصافي الأمريكية، وفق ما يرصده التقرير، الخط الوحيد المتبقّي الذي يعمل بكامل طاقته تقريباً، إذ تنتج بالفعل أقصى ما تستطيعه من البنزين والديزل ووقود الطائرات. إلا أن بعض هذه المصافي يخفّض إنتاجه حالياً لأعمال الصيانة الموسمية الروتينية، فيما يلوح إعصار Isaias كتهديدٍ إضافي قد يعطّل الإنتاج أو يُلحق أضراراً بمنشآت على طول ساحل الخليج الأمريكي.
يذكّر ستيوارت بأن هذا الضغط لا يبقى محلياً: «الولايات المتحدة لا تعيش في عزلة. نحن نعيش بسعرٍ عالمي لأننا نستورد البنزين». بمعنى أن أي اختناقٍ في أي نقطة من سلسلة الإمداد العالمية سواء في هرمز أو باب المندب أو مصافي روسيا ينتقل أثره إلى مضخّة الوقود في أي مدينةٍ أمريكية، تماماً كما ينتقل إلى الأسواق الأخرى حول العالم.
مخزونات تتآكل بلا هامش أمان
العامل الأخير، والأقلّ ظهوراً في نشرات الأخبار، هو حالة المخزونات العالمية. بدأ العالم السنة بمخزوناتٍ تجارية وطارئة معتبرة كانت تعمل كممتصّ صدماتٍ طبيعي لأي أزمة. لكن هذه الاحتياطيات استُهلكت بشكلٍ متسارع خلال الأشهر الماضية، ما قلّص هامش الخطأ المتاح للأسواق ورفع العلاوة المدمجة أصلاً في أسعار الطاقة الحالية.
يختصر ستيوارت الوضع بوضوح: «نعمل بمخزوناتٍ منخفضة جداً جداً. لم يعد لدينا هوامش احتياطية». وبذلك تجتمع ثلاثة عوامل دفعةً واحدة تكاليف شحن وتأمين متضخّمة، حروبٌ متوازية تضغط على جانبي العرض والتكرير، ومخزوناتٌ بلا وسادة أمان لتفسّر لماذا لا تزال فاتورة الوقود مرتفعة رغم عودة ناقلات النفط إلى العبور عبر هرمز.
الخلاصة التي يطرحها السوق ليست عن توقّع اتجاه الأسعار، بل عن شرط واحد تتكرّر الإشارة إليه: أي تراجعٍ حقيقي ومستدام في فاتورة الطاقة العالمية مرهونٌ، كما يقول كلوزا، بإنهاء هذه الحروب — ولو حرباً أو حربين من أصل ثلاث.
أخبار ذات صلة

الاحتجاجات الطلابية في فرنسا تسلط الضوء على أزمة ديون قد تمتد إلى بقية أوروبا

أسواق المال تشهد ازدهاراً.. هل ترفع العوائد المتصاعدة الأسعار؟

ظاهرة النينيو ترفع أسعار الغذاء العالمية
