مخاطر تمويل الذكاء الاصطناعي تهز أسواق التكنولوجيا والديون
خسائر شركات الذكاء الاصطناعي وارتفاع تكلفة الاقتراض يثيران قلق المستثمرين الذين يتجهون نحو السندات والأسهم غير التقنية. هل يشكل تمويل الذكاء الاصطناعي فقاعة مالية تهدد النمو الاقتصادي؟ اكتشف التفاصيل على خَبَرَيْن.

حين تبلغ كلفة اقتراض شركة 15%، وهي نسبة تفوق عائد استثماراتها، يصبح السؤال عن قدرتها على السداد سؤالاً مشروعاً. هذا ما حدث مطلع الشهر الجاري مع CoreWeave، وهي شركة «نيوكلاود» تؤجّر قدرات الحوسبة لشركات الذكاء الاصطناعي وتعتمد على التمويل بالدَّين. وصفتها التقارير بأنها تخسر مبالغ كبيرة وقد لا تتمكن من تسديد ديونها. هذه الحالة تفسّر جانباً من القلق الذي يدفع المستثمرين اليوم إلى الخروج من أسهم التكنولوجيا نحو سندات الخزانة الأمريكية والأسهم غير التقنية، وهو قلق يُعزى في معظمه إلى المخاطر المالية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.
القصة تتجاوز شركة واحدة. فاستثمارات الذكاء الاصطناعي دعمت النمو الاقتصادي الأمريكي في السنوات الأخيرة، وأي شك في متانة تمويلها يمسّ أساساً من أسس هذا النمو.
من يموّل سباق الذكاء الاصطناعي؟
تكلّف البنية التحتية للذكاء الاصطناعي نحو تريليون دولار سنوياً، وتزداد كلفتها مع الوقت. ولتغطية هذه الفاتورة اقترضت شركات التكنولوجيا بكثافة عبر إصدار السندات، فزاحمت بذلك الطلب على سندات الخزانة وغيرها من أدوات الدَّين.
وتتكاثر المؤشرات المقلقة:
نشرت صحيفة «وول ستريت جورنال» تقريراً عن مسوّدة طلب الطرح العام الأولي لشركة Anthropic يُظهر خسارة بنحو 81 مليار دولار في النصف الأول من 2026. وإذا طرحت الشركة أسهمها للاكتتاب هذا العام، فقد تتجاوز خسارتها أكبر خسارة سنوية سجّلتها شركة مدرجة.
أنفقت Meta في الربع الثالث نقداً يزيد بملياري دولار على ما حقّقته. وبعد تقرير التدفقات النقدية هبط سهمها 7% يوم الخميس.
يتساءل مستثمرون عمّا إذا كانت استثمارات شركات التكنولوجيا المتشابكة في ما بينها قد أنتجت بنية تمويلية شديدة الرافعة المالية.
ماذا تقول الأسواق؟
يبدو المشهد متناقضاً في ظاهره: الأسهم الأمريكية قريبة من مستويات قياسية، والسندات قريبة من مستويات شوهدت في الشهرين الماضيين. لكن التفاصيل تكشف انقساماً غير معتاد.
مؤشر S&P 500 يُحتسب عادةً بترجيح القيمة السوقية للشركات، ما يمنح عمالقة التكنولوجيا وزناً كبيراً. أما نسخته المتساوية الأوزان فتُظهر أداء السوق عبر القطاعات دون هيمنة هؤلاء العمالقة. في 22 أكتوبر هبط المؤشر المرجّح بالقيمة السوقية 1.2%، بينما ارتفعت النسخة المتساوية الأوزان 0.5%. وبحسب James Reilly، كبير اقتصاديي الأسواق في Capital Economics، لم يحدث هذا الافتراق منذ 1995 إلا مرتين: في 14 أبريل 1999 وفي 30 مارس 2000.
وعلى جبهة السندات، هبط عائد سندات الخزانة لأجل 10 سنوات يوم الخميس إلى ما دون 5%. وهذا أكبر تراجع في يوم واحد منذ 10 مارس 2023، العام الذي انهار فيه Silicon Valley Bank. وانتقلت الأموال من التكنولوجيا إلى السندات والأسهم غير التقنية بوتيرة تاريخية، فيما يمرّ مؤشر Nasdaq بانزلاق استمر أسبوعين وبلغ 6%.
الاقتصادي Joe Brusuelas، كبير اقتصاديي RSM US، وصف الصورة بوضوح: «ما نشهده هو تقلّب مرتفع حول شيء يبدو ويُحسّ ويفوح منه ما يوحي بأنه فقاعة».
وعادةً ما يلجأ المستثمرون إلى سندات الخزانة والدولار في أوقات القلق، وهذا ما يحدث الآن. وقد استعادت السندات الحكومية شعبيتها بعد أشهر من الإعراض عنها.
لماذا كانت السندات تتراجع أصلاً؟
لفهم دلالة هذا الانعطاف، يجب التذكير بما سبقه. فقد كانت السندات تتراجع وكانت العوائد قد بلغت مستويات هي الأعلى منذ عقود، لثلاثة أسباب: إيران، والدَّين الأمريكي، والذكاء الاصطناعي.
إيران. عطّلت الحرب إمدادات النفط والوقود عالمياً، فعاد التضخم إلى الارتفاع وقفزت الأسعار. وبلغ النفط أعلى مستوياته في أربع سنوات، وارتفعت أسعار الوقود بشدة في بعض مناطق الولايات المتحدة. والتضخم يقتطع من عوائد حائزي السندات، فيطالبون بعوائد أعلى تعويضاً عن ذلك.
الدَّين. بلغ الدَّين الأمريكي 40 تريليون دولار، وسجّل عجز الموازنة 2 تريليون دولار في السنة المالية الماضية. وفي واشنطن يدعو سياسيون من مختلف الأطياف إلى خفض الضرائب وزيادة الإنفاق. ويُتوقع أن تواصل الخزانة الاقتراض بمستويات مرتفعة، ما يضيف مزيداً من السندات إلى السوق.
الذكاء الاصطناعي. تبقى أسئلة المستثمرين قائمة بشأن دوره في دعم عوائد السندات، وبشأن قدرة الديون المرتبطة به على الاستدامة.
ولا يبدو أن الضغوط الأخرى ستخفّ. فقد أشار الرئيس Donald Trump إلى أن الحرب المكلفة مع إيران قد تتصاعد بعد انتخابات التجديد النصفي، وتفيد المعطيات بأن مشكلات إيران والتضخم والدَّين الأمريكي قد تتفاقم.
هل يمتد الضرر إلى الاقتصاد الأوسع؟
التاريخ القريب يدعو إلى الحذر في التنبؤ. ففي مواسم أرباح سابقة أعقبت المخاوف من إنفاق شركات التكنولوجيا على الذكاء الاصطناعي عودةٌ إلى الاستثمار في أسهمه، كلما أعلنت الشركات استمرار الطلب.
ويرى Reilly أن انفجار فقاعة الذكاء الاصطناعي لن يتسبب بالضرورة في ركود اقتصادي. ويتّسق ذلك مع وصف استخدمه اقتصاديون لاقتصاد السنوات الأخيرة بأنه «ركود متدحرج»، أي أن ازدهار قطاعات وانكماش أخرى يعوّض بعضهما بعضاً.
ويبقى غير محسوم ما إذا كان تراجع سوق الذكاء الاصطناعي سيستمر، وما إذا كان سينتقل إلى الاقتصاد الأوسع. والاختبار المقبل هو ما ستكشفه أرقام الأرباح عن الطلب الفعلي، ومدى قدرة شركات مثل CoreWeave على تحمّل كلفة الاقتراض.
أخبار ذات صلة

أسعار الوقود تحت إدارة ترامب الثانية تتجاوز مستويات عهد بايدن

نمو الناتج المحلي الصيني يتسارع بدعمٍ من ازدهار الذكاء الاصطناعي العالمي

مؤشر ناسداك يهبط بأكثر من 2% وسط تساؤلات المستثمرين حول ديون الذكاء الاصطناعي
