ارتفاع أسعار البنزين في أمريكا وتأثير حرب إيران على الوقود
أسعار البنزين في أمريكا ترتفع فوق متوسط عهد بايدن بسبب حرب إيران واضطراب مضيق هرمز ونقص التكرير. مع تصاعد التوترات وتوقف مصافي النفط تتأثر الأسعار بشكل مباشر وسط وعود ترامب بخفضها. تعرف على تفاصيل الأزمة وآثارها في خَبَرَيْن.

تجاوز متوسط سعر البنزين في الولايات المتحدة خلال ولاية دونالد ترامب الثانية المتوسطَ الذي سُجّل في عهد سلفه جو بايدن، وفق تحليل أجري لبيانات AAA. كان بلوغ هذه العتبة يُعدّ شبه مستحيل حتى يناير الماضي، حين بدأ العام وسعر الغالون دون 3 دولارات. ويقف وراء هذا التحوّل مسارٌ يهمّ القارئ العربي مباشرة: حرب إيران، واضطراب الملاحة في مضيق هرمز، ونقصٌ عالمي في طاقة التكرير.
وتتزامن الأرقام مع موسم سياسي حسّاس، فارتفاع الأسعار يثير استياء ترامب والجمهوريين قبيل انتخابات التجديد النصفي.
من وعد «ما دون الدولارين» إلى غالون فوق 4 دولارات
في صيف 2024 وعد ترامب بالعودة إلى بنزين أقل من دولارين للغالون، وهو وعد انتخابي ثبّته في حملته حين جعل الوقود الرخيص عنواناً رئيسياً. وألقى حينها باللوم في ارتفاع الأسعار على ما سمّاه «حرب على الطاقة» تشنّها إدارة بايدن هاريس.
الواقع اليوم مختلف. فعدد الأيام التي بلغ فيها سعر الغالون 4 دولارات أو أكثر في 2026 تجاوز أي رقم سُجّل في عهد بايدن. وللإنصاف، بلغت الأسعار ذروتها التاريخية في عهد بايدن عند 5.02 دولار للغالون في يونيو 2022، بعد الغزو الروسي لأوكرانيا، لكنها هبطت بعد ذلك بوتيرة أسرع خلال رئاسته. أما متوسط سعر البنزين العادي في ولاية ترامب الأولى فبلغ 2.47 دولار للغالون.
ويقول باتريك دي هان، رئيس تحليلات النفط في GasBuddy: «إنه أمر مذهل حقاً». ويضيف: «لا أظن أن أحداً كان سيتوقّع هذا قبل 10 أشهر».
وتكمن المفارقة في نقطة الانطلاق. فمع بداية العام كانت أسواق الطاقة قلقة من تخمة في المعروض تُبقي أسعار الوقود منخفضة. ويرى غريغوري بريو، المحلل الأول في Eurasia Group، أن ترامب هو من قلب هذه المعادلة، إذ يقول: «كان السوق يعاني فائضاً في المعروض. كانت هناك كميات كبيرة من الخام تتدفق، والمخزونات كانت كبيرة جداً. لكن ترامب عكس ذلك بالحرب». ويذهب أبعد من ذلك: «لو كان ترامب يريد فعلاً الوفاء بوعده بإبقاء أسعار البنزين منخفضة، فكان عليه ألّا يفعل شيئاً».
كيف تحوّلت حرب إيران إلى أزمة وقود عالمية؟
يزعزع الصراع الأمريكي مع إيران منظومة الطاقة العالمية منذ نحو 8 أشهر. وكان إغلاق مضيق هرمز حدثاً غير مسبوق، إذ عطّل أحد أهم مسارات تصدير النفط من الشرق الأوسط، والعالم يعتمد على هذا الممر لنقل نفطه. ورغم أن تدفقات النفط عبر المضيق تعافت في معظمها، فقد خلّفت الأزمة آثاراً لم تنتهِ:
كلفة الشحن: قفز إيجار ناقلات النفط من 65 ألف دولار يومياً في العام الماضي إلى 1.6 مليون دولار يومياً في وقت سابق من الشهر الجاري.
نقص التكرير: يواجه العالم شحاً في طاقة التكرير بعدما لحقت أضرار بمصافٍ في الشرق الأوسط وروسيا.
الصادرات الصينية: احتجزت الصين صادراتها من الوقود.
المخزونات: لجأت الأسواق إلى المخزونات التجارية والطارئة لتعويض الإنتاج المفقود من المصافي.
والنتيجة منظومة بلا هامش أمان. يقول بريو: «لا يوجد الآن أي وسادة تحمي السوق. المخزونات التجارية منخفضة جداً». ويضيف: «عندما يحدث أي انقطاع، يبدأ الجميع بالتدافع».
مصفاة جوليت: انقطاع واحد يكفي لقلب الأسعار
هذا ما جرى فعلاً في الأيام الأخيرة. فقد تعرّضت مصفاة ExxonMobil في جوليت بولاية إلينوي لتوقف غير متوقع، ما دفع أسعار البنزين إلى الارتفاع الحاد في ميشيغان وأوهايو وولايات أخرى في منطقة البحيرات العظمى. وتُتوقع عودة الأسعار إلى الانخفاض حين تستأنف المصفاة عملها الطبيعي.
وفي الخلفية، يعمل قطاع التكرير فوق طاقته المعتادة. فالمصافي تُبطئ عادة نشاطها في هذا الوقت من السنة لإجراء صيانة دورية، لكنها أنتجت هذه المرة أكبر كمية ممكنة من الوقود. ويصف بريو الوضع بقوله: «المصافي تعمل بأقصى طاقتها منذ شهور. إذا كنت تملك مصفاة فأنت تطبع المال. بعضها يتخطى الصيانة لأن هناك أرباحاً تُجنى الآن». ثم يحذّر: «لكن إذا شغّلت المصافي شهوراً متواصلة، فإنها ستتعطّل».
ماذا فعل البيت الأبيض، وهل نجح؟
تشمل إجراءات الإدارة الأمريكية حزمة إنقاذ مالي للمزارعين بقيمة 8 مليارات دولار، وشراء ملايين البراميل من الديزل الروسي، ودراسة سبل خفض كلفة الشحن المرتفعة جداً. وتقول الإدارة إن ترامب أفرج عن نفط من الاحتياطي البترولي الاستراتيجي لزيادة المعروض، وعلّق قانون جونز مؤقتاً، وسمح باستخدام الديزل المصبوغ بالأحمر على الطرق السريعة.
وقالت تايلور روجرز، المتحدثة باسم البيت الأبيض: «الرئيس ترامب يعالج هذه المشكلات طويلة الأمد باتخاذ خطوات ملموسة لزيادة طاقتنا التكريرية هنا في الولايات المتحدة، وفي الوقت نفسه يتخذ إجراءات فورية، مثل الإفراج عن النفط من احتياطينا البترولي الاستراتيجي لإضافة إمدادات إلى السوق، وتعليق قانون جونز مؤقتاً، والسماح بالديزل المصبوغ بالأحمر على الطرق السريعة، لخفض الأسعار عند المضخّة».
لكن دي هان يرى أن الحصيلة متواضعة. فهو يقول إن ترامب «يسحب كل رافعة صغيرة يستطيعها»، ثم يستدرك: «للأسف، هي لا تضيف إلى الكثير». ويرى أن الرافعة الكبرى هي الدبلوماسية، إذ يقول: «إلى أن تُسحب الرافعة الأكبر، وهي الدبلوماسية، سيظل يواجه بنزيناً مرتفعاً جداً وديزل بمستويات قياسية. الأمر مُنذر إلى حدّ بعيد». وهو وصف «القياسية» الذي ينطبق على الديزل بحسب تقدير المحلل نفسه.
ما الذي ينتظر الأسعار والسياسة؟
يبرّر ترامب الكلفة بأن ارتفاع أسعار البنزين ثمن زهيد مقابل منع إيران من امتلاك سلاح نووي. أما الناخب الأمريكي فيحاسب على ما يراه عند المضخّة. ويقول دي هان: «ارتفاع أسعار البنزين لا يبشّر بخير للمسؤولين الحاليين. ولم يكن مبشّراً لبايدن أيضاً».
وتبقى الأسواق متوترة. فقد بلغت أسعار النفط أعلى مستوياتها في 7 أشهر، مع ترقّب المتداولين احتمال اندلاع حرب شاملة جديدة في الشرق الأوسط بعد الانتخابات. وهذا يعني أن أي انفراج مرتقب مرهون بأمرين: عودة مصفاة جوليت إلى عملها الطبيعي، وهو ما يُتوقع أن يخفض الأسعار، ومسار الدبلوماسية الذي يعدّه المحللون العامل الأكبر في تحديد اتجاه الوقود.
أخبار ذات صلة

نمو الناتج المحلي الصيني يتسارع بدعمٍ من ازدهار الذكاء الاصطناعي العالمي

مؤشر ناسداك يهبط بأكثر من 2% وسط تساؤلات المستثمرين حول ديون الذكاء الاصطناعي

تراكم مخاطر غامضة في الأسواق.. والمحلّلون في حيرة من أمرها
