تجنيد قسري في روسيا قصص من تحت الضغط والخوف
في ظل تصاعد الحرب الروسية على أوكرانيا تتزايد حالات التجنيد القسري في روسيا حيث يُجبر رجال هشّون على توقيع عقود عسكرية تحت ضغط وخداع وسط إنكار رسمي. قصص مؤثرة تكشف الوجه المظلم للتجنيد في موسكو على خَبَرَيْن.

في الحادية والعشرين من عمره، غادر إيغور (اسم مستعار) وسط روسيا قبل ثلاثة أشهر من نشر هذا التقرير. لم يكن يفرّ من جبهة، بل من ورقةٍ قد تُوقَّع باسمه. يقول: «شعرتُ ببعض الذعر». ويضيف: «خشيتُ أن يوقّع أحدٌ بدلاً عني، ولن أستطيع فعل شيء حيال ذلك».
في العام السابق لمغادرته، تعرّض إيغور لضغطٍ مرتين كي يوقّع عقداً عسكرياً. جاء الضغط الأول من جامعته، والثاني في مكتب التجنيد المحلي حين ذهب لتحديث إعفائه الطبي. ووصف الوضع بأنه «جنون شمولي».
قصته ليست معزولة. فبينما تدخل الحرب الروسية في أوكرانيا عامها الخامس، تتحدث شهادات أقارب ومنظمات حقوقية جمعت عن تحوّل في أساليب التجنيد: ضغطٌ وخداع يُضافان إلى الإغراءات المالية، ورجالٌ ضعفاء يُدفعون إلى توقيع عقود لم يكونوا يريدونها.
كيف تغيّر التجنيد منذ 2022؟
أطلقت موسكو في عام 2022 حملة تعبئة جماعية أثارت موجة نزوح مذعورة عبر حدودها. ومنذ ذلك الحين اعتمدت في استقطاب الجنود أساساً على حوافز مالية كبيرة. أما اليوم، فتشير التقارير إلى أن الإكراه والخداع يكملان هذه الحوافز بصورة متزايدة. ويستند التقرير في هذا التحول إلى ارتفاع الخسائر على الجبهة وتراجع أعداد المتطوعين.
وتنفي روسيا مراراً ما تقوله كييف عن أنها تخطط لموجة تعبئة جماعية جديدة. وتقول إن الناس ينضمون إلى جيشها طوعاً ويوقّعون عقوداً. وفي مطلع سبتمبر قارن الرئيس فلاديمير بوتين بين التجنيد الروسي والتعبئة الأوكرانية، فقال: «نرى كل يوم على التلفزيون وعلى الإنترنت كيف يلتقطون الناس في أوكرانيا كما تُلتقط الكلاب الضالة، ويجرّونهم بالقوة إلى الجبهة». وأضاف: «أما هنا فيذهب الناس طوعاً، كما تعلمون، ويوقّعون العقود».
وتفرض أوكرانيا الخدمة على الرجال القادرين بدنياً من عمر 25 إلى 60 عاماً، وقد وصفت تقارير هناك أيضاً حالات اختطاف للمجنّدين بالقوة. لكنّ ما ترويه عائلات روسية يتناقض مع الرواية الرسمية في موسكو.
من هم الرجال الذين يُستهدفون؟
يقول أرتيم كليغا، المحامي العسكري الروسي الذي يعمل من برلين، إن البلاغات عن حالات مشابهة ارتفعت بحدّة بين من يتواصلون معه منذ بداية الصيف. ويوضح أن أغلب الحالات تخص رجالاً هشّين، كثيراً ما يكونون مدينين أو يعانون مشكلات صحية أو إدماناً على الكحول. ويقول: «صار الأمر ممارسة يومية». ويضيف: «ببساطة لا تتاح لهم فرصة لقول لا، ولا يعرفون حقوقهم».
وتؤكد «نداء الضمير» (Call to Conscience)، وهي ائتلاف قانوني يقدّم المشورة للمجنّدين والاحتياطيين الروس بشأن الاستنكاف الضميري، الاتجاه نفسه. فقد رصدت قفزة في بلاغات التجنيد القسري خلال يوليو وأغسطس، ووصفت الممارسات بأنها «تزداد قسوة يوماً بعد يوم».
عمٌّ خرج من بيته ولم يعد
في يوليو، في غرب روسيا، أخذ رجال عمَّ أحد المخبرين من أمام مبنى سكنه. كان العم موظفاً في شركة دفاع حكومية، في أواخر الخمسينيات من عمره. يقول قريبه، الذي حُجبت هويته: «لديّ (أو بالأحرى كان لديّ) عمّ». ويصفه بأنه «رجل مسنّ مريض، يعاني مشكلات في الأوعية الدموية وإدماناً على الكحول، بالكاد يستطيع المشي».
كان الرجال يرتدون ملابس مدنية. ويروي القريب أنهم «دسّوا له وثيقة ليوقّعها، قيل إنها "إشعار بأنهم كانوا هنا". تبيّن أنها عقد» للانضمام إلى الجيش. وقال شخص عايش تجربة تجنيد قسري، دون أن تُحدَّد هويته: «وضعوه في السيارة وأجبروه على توقيع عقد…».
عاد العم إلى بيته بعد التوقيع، ثم اختفى بعد أسبوع. وبعد أيام اتصل من ميدان تدريب في لوغانسك الخاضعة للسيطرة الروسية. وفي أواخر سبتمبر أُبلغت عائلته بأنه مفقود في المعارك. وقال أحد من خاضوا هذه التجربة: «هو الآن مدرج في عداد المفقودين… لم أتقبّل تماماً أنه على الأرجح ميت بالفعل». وقال قريب لأحد المجنّدين: «أجد صعوبة في النوم، وأحياناً تراودني كوابيس بأنهم يمسكون بي». ووصف آخر ما يعيشه بأنه «خوف مُشلّ».
شقيق احتُجز وهو ثمل
وفي حالة ثانية، قال قريب مجنّد إن شقيقه «احتُجز» في منتصف يوليو «وهو في حالة سُكر، على يد موظفين مجهولين». ويشتبه القريب في أنهم من مكتب التجنيد العسكري المحلي. وقال عن شقيقه: «كانت حياته صعبة جداً، ولديه مشكلات مع الكحول».
تم الاطلاع على عقد الشقيق العسكري، وعلى مقطع مصوّر يودّع فيه والدته، وعلى رد من النيابة العسكرية. وقالت النيابة المحلية إن الشقيق توجّه إلى مكتب التجنيد «بمحض إرادته ودون أي إكراه»، وإن عكس ذلك «لم يثبت ولم يوثَّق». وبعد أقل من شهر على احتجازه أُبلغت عائلته بأنه مفقود في المعارك.
وقال قريب لمجنّد في الجيش الروسي إنه محطَّم نفسياً: «كنت أعرف دائماً أن الحقوق في الاتحاد الروسي تُنتهك بانتظام، لكنني لم أدرك تماماً كيف يكون الأمر حين تعيشه».
بنزا: حين خرج المشهد إلى الشارع
برزت منطقة بنزا، على بعد نحو 375 ميلاً جنوب موسكو، بؤرةً للتجنيد القسري في يونيو. فقد تحدثت منشورات على مواقع التواصل ومنظمات حقوقية عن أشخاص يُجنَّدون بالقوة من شوارعها.
في المقطع، تطالب نساء بالإفراج عن رجال داخل حافلة، ويبدو أحدهم وهو يهزّ رأسه. تسأل إحداهن: «ما رأيكم، هل وقّعوا طوعاً أم لا؟». وتقول: «أجبروكم، وضربوكم».
و وصف قريب أحد المجنّدين ما جرى بأن «العقد وُقّع تحت ضغط جسدي ومعنوي». ورافقت حالات التجنيد القسري تقارير عن عنف وتجاهل للإعفاءات الطبية. وقال قريب إن عمّه أُخذ في أغسطس وفي ضلعه كسر. ونفت وزارة الدفاع الروسية ما نُشر عن تعبئة قسرية في بنزا، ووصفته بأنه مزيّف.
هل للمكافآت دور؟
يرتدي الرجال الذين يقتادون المجنّدين في الغالب ملابس مدنية، ما يثير مخاوف من دور المكافآت المالية. ولم يتم التأكد من التحقق من حالات محددة لمجنِّدين في الشوارع يسعون وراء مكافآت. لكنها وجدت أدلة على مدفوعات رسمية في عدة مناطق، وعشرات إعلانات التوظيف لمجنِّدين، تختلف قيمة مدفوعاتها من منطقة إلى أخرى.
وكان حاكم منطقة ريازان بافل مالكوف قد أعلن في أغسطس الماضي دفعات مساعدة على التجنيد، قائلاً: «سنشجّع من يقدّمون المساعدة في استقطاب المواطنين لتوقيع العقود». وأضاف: «سندفع مبلغاً مالياً عن كل جندي متعاقد. ستتراوح المكافأة بين 50 ألفاً و300 ألف روبل (590 إلى 3500 دولار)، وهذا بعد الضرائب».
ويرى مؤسسو «المسار البديل الجديد» (New Alternative Route) أن الصورة أوضح من ذلك: «إنها حرفياً عرض "أحضر صديقاً"، حيث تجد أي شخص، في أي حال، سكّيراً كان أو مشرّداً أو أي شخص آخر، وتجرّه إلى مكتب التجنيد، وتجبره على توقيع عقد، وتقبض مالك».
ويستخدم أقارب مجنّدين تعبير «صيّادي المكافآت». وقال أحدهم: «يعلم المجنِّدون أنهم يرسلون الناس إلى موت محتمل مقابل مكافأة، ولا يرحمون الجنود المتعاقدين ولا أقاربهم». وقال آخر: «يثير غضبي أن الفقر جرّد الناس من إنسانيتهم إلى حدّ أنهم مستعدون لإرسال غيرهم إلى الموت مقابل فتات».
هل يقف الكرملين وراء ذلك؟
يدار التجنيد العسكري الروسي إقليمياً عبر حصص، بحسب ياس كلوغه، رئيس قسم أوروبا الشرقية وأوراسيا في المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية. ويرى كلوغه أن من غير المرجح أن يكون الكرملين هو من يوجّه التجنيد القسري، لكنه قد يساعد في سدّ الحاجة إلى القوى البشرية. ويقول: «النظام الذي يقوم فيه المجنِّدون عملياً بالعمل القذر… مُتسامَح معه على الأقل». ويضيف أنه قد يكون في نظر السلطات «جزءاً من الحل».
بين الخروج والبقاء
أسّس «المسار البديل الجديد» هذا الربيع مختصّون روس في تقنية المعلومات يعيشون في منفى اختياري. وتجمع المجموعة المناهضة للحرب معلومات عن التعبئة القسرية وتقدّم المشورة لمن يحاولون مغادرة روسيا. وتحدّث ممثلوها دون كشف هوياتهم، خوفاً على أقارب لهم داخل البلاد. وتقول منظمات حقوقية للشبكة إن الاستفسارات عن الهجرة تتزايد.
ولا يتوقع مؤسسو المجموعة مشهداً تُجنَّد فيه فجأة 300 ألف شخص غداً: «لا أظن أننا سنرى سيناريو نجنّد فيه 300 ألف شخص فجأة غداً». ويتوقعون بدلاً منه «تعبئة هادئة زاحفة تدفعها إجراءات قسرية. أي أن ما حدث في بنزا… كله تحضير».
هذه «التعبئة» هي ما يخشاه من يحزمون حقائبهم. أما إيغور، فيقول إنه خاف أن تُغلق الحدود فلا يستطيع المغادرة أبداً: «كنت خائفاً أن يغلقوا الحدود فلا أتمكن من الخروج أبداً». وما إذا كانت بنزا مجرد بداية أم حالة معزولة، سؤال لم تُجب عنه موسكو بعد.
أخبار ذات صلة

روسيا ترتكب جرائم ضد الإنسانية بقصف المدنيين في أوكرانيا، تؤكد لجنة أممية

أوكرانيا والدعم الأمريكي: هل يمكنها الاستمرار بدونه؟

زيلينسكي والخلاف مع ترامب: السياسة حين تتحوّل إلى قضيّة وجود
