الشتاء القاسي في أوكرانيا وجرائم استهداف الطاقة الروسية
تقرير جديد يكشف جرائم حرب روسية تستهدف البنية التحتية للطاقة في أوكرانيا ما تسبب في معاناة مدنية قاسية ووفاة بسبب البرد القارس كما يفضح استغلال روسيا لمجنّدين أجانب في صفوفها. تفاصيل صادمة وتحقيقات دولية في خَبَرَيْن.

«البرد يميت؛ لا سبيل ببساطة إلى التدفئة، وتتسلّل إلى ذهنك أفكار مرعبة.» بهذه الكلمات وصفت امرأة تعيش في دنيبرو، رابع أكبر مدن أوكرانيا، ما عاشته في الشتاء الماضي، ولم يُكشف عن اسمها. شهادتها واحدة من شهادات كثيرة وردت في تقرير جديد للجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن أوكرانيا، التابعة للأمم المتحدة. خلص التقرير إلى أن روسيا ارتكبت جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية بهجمات متعمّدة على البنية التحتية المدنية للطاقة، وإلى أن سلطاتها اتجرت بمجنَّدين من 29 دولة لزجّهم في صفوف قواتها المسلحة.
ماذا خلصت اللجنة بشأن استهداف الطاقة؟
يركّز التقرير على الهجمات التي طالت منظومات الطاقة الحيوية في أوكرانيا وأثرها في المدنيين. بدأت القوات الروسية استهداف البنية التحتية الكهربائية الأوكرانية في الأشهر الأولى من الحرب عام 2022، ثم صعّدت هجماتها بشكل كبير مطلع شتاء العام الماضي، فبقي ملايين الأوكرانيين في بيوت مظلمة يرتجفون من البرد.
وقالت اللجنة إن هذه الهجمات «نُفّذت عن عمد»، وإنها جاءت ضمن «سياسة دولة تهدف إلى حرمان السكان المدنيين من إمدادات الطاقة الأساسية وإحداث المعاناة». وأضافت أن «القادة الروس الذين أمروا بهذه الهجمات كانوا يعلمون أن منشآت التدفئة التي استهدفوها لا غنى عنها للسكان المدنيين، ولا سيما في فصل الشتاء». ووصفت ما جمعته بأنه «أدلة دامغة»، وصنّفت الأفعال بأنها «جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية».
وتتقاطع هذه الخلاصة مع إعلان وزارة الدفاع الروسية في أغسطس عن هجمات تستهدف البنية التحتية للطاقة في أوكرانيا، وقد تضمّن إعلانها عبارة «في الشتاء ستتجمّدون».
كيف بدا الشتاء في البيوت والمستشفيات؟
تقول كييف إن الهجمات الروسية بالمسيّرات والصواريخ خفّضت في الشتاء الماضي قدرة التوليد الحراري للكهرباء بنسبة 70% في أشدّ المناطق تضرراً. وكان الشتاء قاسياً على غير العادة، إذ هبطت الحرارة مراراً إلى 30 درجة مئوية تحت الصفر (-22 فهرنهايت).
وسجّلت السلطات الطبية الأوكرانية وفيات بسبب انخفاض درجات الحرارة داخل المنازل والمستشفيات. وجاء في التقرير على لسان العاملين الصحيين: «أفاد العاملون الطبيون في المستشفيات بأنهم عالجوا خلال الشتاء الماضي مرضى أُصيبوا بإصابات ناجمة عن البرد، شملت درجات متفاوتة من قضمة الصقيع وانخفاض حرارة الجسم. وقد أُصيب هؤلاء المرضى بهذه الحالات في منازلهم نتيجة التعرّض لأماكن غير مدفّأة، واستلزمت حالاتهم دخول المستشفى».
من يتحمّل المسؤولية بحسب التقرير؟
يضع التقرير الرئيس الروسي Vladimir Putin بين أكثر المسؤولين مسؤولية عن الجرائم المزعومة. وتشير اللجنة إلى أنه أدلى بـ«تصريحات بشأن إصدار تعليمات بشنّ هجمات على البنية التحتية للطاقة في أوكرانيا». وتتهم اللجنة وزير الدفاع الروسي السابق Sergei Shoigu، وخلفه Andrey Belousov، ورئيس هيئة الأركان العامة Valery Gerasimov بالتخطيط للهجمات والإشراف عليها.
وكانت المحكمة الجنائية الدولية قد أصدرت من قبل مذكرات توقيف بحق Putin وShoigu وGerasimov بتهم ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.
ما قصة المجنَّدين الأجانب؟
يتوسّع التقرير في ملف ثانٍ هو تجنيد روسيا مواطنين أجانب في قواتها المسلحة. أفاد أشخاص من دول عدة في أفريقيا والهند وأمريكا اللاتينية بأنهم وُعدوا بوظائف في روسيا، ثم وجدوا أنفسهم على خطوط القتال. وخلصت اللجنة إلى أن السلطات الروسية ووكلاءها «اتجروا بأشخاص من 29 دولة، مستخدمين الخداع أو الإكراه، لتجنيدهم في القوات المسلحة الروسية».
وترى اللجنة أن تكرار الأساليب نفسها في دول مختلفة «يدلّ على درجة عالية من التنسيق بين وكلاء يعملون في أنحاء العالم والسلطات الروسية». وتصف ما يجري بعد النشر على الجبهة بقولها: «كان الوكلاء والقادة العسكريون يستولون في الغالب على المدفوعات والمكافآت الموعودة، وكثيراً ما صودرت جوازات السفر والهواتف، وانقطعت الاتصالات بين الوكلاء والأسر بمجرد نشر المجنّدين على الجبهة». وقالت اللجنة إن روسيا انتهكت بذلك حقوق المجنّدين في الحياة والحرية والصحة والمعاملة الإنسانية.
وفحصت اللجنة كذلك تجنيد أوكرانيا لأجانب في جيشها، وانتهت إلى صورة مختلفة. فالشهادات التي جمعتها تفيد بأن هؤلاء المجنَّدين انضموا «عن علم وبإرادتهم»، وأنهم فهموا عقودهم وتقاضوا رواتبهم.
ما الذي ينتظر أوكرانيا؟
تأسست اللجنة بقرار من مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة بعد أيام من بدء الغزو الروسي الشامل في فبراير 2022. وسبق أن وثّقت اتهامات بعنف جنسي وجنساني ارتكبته القوات الروسية، وبترحيل قسري لأطفال أوكرانيين نفّذته السلطات الروسية.
أما على الأرض، فتواجه أوكرانيا نقصاً حاداً في صواريخ الدفاع الجوي وهي تتصدى لهجمات واسعة النطاق. وقد طلب الرئيس Volodymyr Zelensky مراراً من حلفاء كييف الغربيين مزيداً من الذخيرة، وذكر الشتاء المقبل تحديداً بوصفه مصدر قلق رئيسياً.
وتزداد الحسابات تعقيداً لأن كييف استهدفت منشآت النفط والغاز الروسية لتقليص عائدات الكرملين من صادرات الطاقة، ثم خفّفت هذه الهجمات بعد انتقادات من الرئيس الأمريكي Donald Trump، الذي حمّل أوكرانيا مسؤولية ارتفاع أسعار الغاز.
وبين تقرير يُرفع إلى الجمعية العامة، ومذكرات توقيف صادرة ولم تُنفَّذ، وشتاء جديد يقترب، يبقى السؤال معلّقاً: هل تتحرك المساءلة الدولية قبل أن تعود البيوت المظلمة في دنيبرو وغيرها من المدن إلى مواجهة البرد؟
أخبار ذات صلة

أوكرانيا والدعم الأمريكي: هل يمكنها الاستمرار بدونه؟

زيلينسكي والخلاف مع ترامب: السياسة حين تتحوّل إلى قضيّة وجود

روسيا تُطلق سراح الأمريكي ستيفن هبارد البالغ 74 عاماً بعد أسره في أوكرانيا المحتلة
