تراجع حصة العمالة من الدخل الأمريكي وتأثير الذكاء الاصطناعي
حصة العمالة من الدخل في أمريكا تهبط لأدنى مستوى تاريخي رغم نمو الاقتصاد المستمر. الذكاء الاصطناعي يزيد الفجوة بين العمال ورأس المال مما يهدد دخل الأسر ويعمّق عدم المساواة. تعرف على التفاصيل والتأثيرات المستقبلية في خَبَرَيْن.

-سجّلت حصة العمالة من الدخل في الولايات المتحدة 52.8% في وقتٍ سابق من هذا العام، وهو أدنى مستوى في سجلّات مكتب إحصاءات العمل الأمريكي (BLS) التي تعود إلى عام 1947، أي قبل نحو 80 عاماً. المفارقة أنّ الاقتصاد الأمريكي واصل النموّ بوتيرة صحية نسبياً خلال الفترة نفسها، فالناتج يكبر بينما يحصل العاملون على جزءٍ أصغر منه.
ما المقصود بحصة العمالة، وكم تراجعت؟
يقيس المؤشر نسبة الناتج الاقتصادي التي تُدفع للعاملين في صورة تعويضات. ووفق بيانات BLS، تراجعت هذه الحصة تراجعاً متعرّجاً منذ صعود الحاسوب الشخصي قبل أكثر من ربع قرن. وانخفضت 7.5 نقطة مئوية منذ التسعينيات، بعدما كانت قرب 62% في مطلع الألفية. وكان الانخفاض هذا العام أشدّ وضوحاً من السنوات السابقة.
الاقتصاديون متفقون على الاتجاه العام، لكنهم مختلفون في حجمه وفي أسبابه وفي ما ينتظرنا.
هل يعمّق الذكاء الاصطناعي الفجوة؟
ترى Heather Long، كبيرة الاقتصاديين في Navy Federal Credit Union، أنّ تراجع هذا العام يعكس على الأرجح استثمارات الذكاء الاصطناعي وتبنّيه، وقد يكون نذيراً بتأثيرات مقبلة. وقالت: «هذا المؤشر يقول لنا فعلاً إنّ العاملين يملكون قوة أقل فأقل في عصر التكنولوجيا، وبالتأكيد في عصر الذكاء الاصطناعي». وأضافت: «المكاسب المالية تذهب في الأساس إلى المساهمين، إلى مالكي رأس المال، وبنسبة أقل فأقل إلى الموظف العادي الذي يتقاضى راتباً». ووصفت الرسم البياني للمؤشر بقولها: «هذا هو الرسم الذي يُسهِرني ليلاً». وتابعت: «أعتقد أنّ الناس في عصر الذكاء الاصطناعي سيحتفظون بوظائفهم، لكنهم لن يجنوا كثيراً من المكاسب المالية».
أما Michael Feroli، كبير الاقتصاديين الأمريكيين في JPMorgan، فيرى أنّ الحصة قد تنخفض إلى ما دون 50% بحلول نهاية العقد. وبنى تقديره على الاتجاهات الأخيرة وعلى الآثار المتوقعة للذكاء الاصطناعي.
وفي مذكرة بحثية صدرت الشهر الماضي، فسّر الاقتصادي في Goldman Sachs، Abhay Duggirala، التراجع الممتد منذ التسعينيات بعوامل عدة. نحو 40% من الانخفاض البالغ 7.5 نقطة مئوية يعود إلى ثلاثة عوامل:
تعديلات في قانون الضرائب شجّعت الأعمال «العابرة للضريبة» (pass-through)، فأُعيد تصنيف أجور على أنها أرباح تجارية تحظى بمزايا ضريبية.
ازدياد استخدام الحواسيب والبرمجيات قصيرة العمر، ما رفع معدلات الإهلاك.
قصور في مقياس BLS، إذ لا يرصد بعض التعويضات المرتبطة بالحوافز والأسهم.
ويرجع الـ60% المتبقية إلى ارتفاع هوامش الربح، وتركّز الصناعات، والأتمتة، وضعف القدرة التفاوضية للعمال. وقال Duggirala: «إذا استمرت هذه الاتجاهات الهيكلية، ومنها أنّ الذكاء الاصطناعي يُرجَّح أن يؤتمت مهام إضافية كثيرة، فمن المرجّح أن تواصل حصة العمالة تراجعها».
هل الصورة أسوأ مما تُظهره البيانات؟
ليس الجميع مقتنعاً بحدّة الانحدار. فقد أجرت مؤسسة Tax Foundation حساباً بديلاً يستبعد الإهلاك والضرائب، وخلصت إلى أنّ حصة العمالة ما زالت ضمن مستوياتها التاريخية. ويشير مقياس BLS الإجمالي إلى أنّ العاملين ينالون نحو نصف كل دولار من الدخل الإجمالي، لكنّ Richard DiSalvo، الاقتصادي الأول في المؤسسة، يلفت إلى أنّ جزءاً من هذا الدخل الإجمالي لا يذهب إلى أحد، لأنّ القياسات الإجمالية لا تخصم الإهلاك ولا الضرائب. وعند احتساب الدخل الصافي، تتراوح حصة رأس المال بين 22.6% و31.7%، لا النصف.
وقال DiSalvo: «نحن لا نخالف في أنّ الحصة تراجعت خلال السنوات العشرين الماضية، لكنّ خلافنا هو أنها لم تنحدر خارج حدود الرسم كما تُظهر بيانات BLS». أي أنه يقرّ بالتراجع لكنه ينازع في حدّته.
ماذا يعني ذلك لميزانية الأسرة؟
يربط Gregory Daco، كبير الاقتصاديين في EY-Parthenon، المسألة بالإنفاق والمزاج الاستهلاكي. قال: «الاقتصاد يواصل النمو بوتيرة قوية نسبياً، لكنّ الجميع لا يتقاسمون هذا النمو بالتساوي». فقد بلغت هوامش أرباح الشركات، وخاصة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، مستويات تاريخية مرتفعة، بينما قيّدت جهود ضبط التكاليف وتراجع القدرة التفاوضية للعمال حصة الدخل الذاهبة إلى الأجور. وأضاف: «إنها ظاهرة بطيئة الحركة، لكنّ لها عواقب حقيقية على الإنفاق الاستهلاكي وعلى ثقة المستهلكين».
وقدّم Daco حساباً يترجم النسب إلى دولارات. ففي اقتصاد يبلغ دخله المحلي الإجمالي المعدَّل حسب التضخم 23.6 تريليون دولار، تعني حصة عمالة بنسبة 56% إضافة 3,900 دولار لكل أسرة. أما العودة إلى مستويات مطلع الألفية قرب 62% فتضيف 14,400 دولار لكل أسرة.
وترى Long أنّ تراجع الحصة قد يزيد استياء الأسر. فقالت: «إنه تغيّر دراماتيكي إلى حدّ كبير، والناس يشعرون به». وأضافت: «الأمر متشابك مع صعود الشعبوية، ومع المخاوف المتعلقة بتكلفة المعيشة، ومع ابتعاد أغنى 1% أكثر فأكثر عن بقية الناس».
ويأتي ذلك في مناخ استهلاكي هشّ. فقد ظلّت ثقة المستهلكين ضعيفة معظم هذا العام، مع ارتفاع أسعار الوقود بسبب الحرب والقلق من أثر الذكاء الاصطناعي في سوق العمل، ما فاقم مخاوف تكلفة المعيشة. وبقي التضخم مرتفعاً أكثر من خمس سنوات، واشتدّ في الأشهر الأخيرة. ورفع الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة للمرة الأولى منذ ثلاث سنوات، فصار الاقتراض أغلى.
ما يُنتظر هذا الأسبوع
يجتمع صنّاع السياسة في الاحتياطي الفيدرالي هذا الأسبوع، ويُتوقع أن يُبقوا أسعار الفائدة دون تغيير. لكنّ السؤال الأبعد من قرار الفائدة هو ما إذا كانت حصة العمالة ستكسر حاجز 50% بحلول نهاية العقد كما يحذّر Feroli، أم ستثبت قراءة Tax Foundation أنّ المؤشر بالغ في تصوير الانحدار.
أخبار ذات صلة

أسواق الأسهم تتصرّف بشكل غريب... والذكاء الاصطناعي في قلب الأزمة

أسعار الوقود تحت إدارة ترامب الثانية تتجاوز مستويات عهد بايدن

نمو الناتج المحلي الصيني يتسارع بدعمٍ من ازدهار الذكاء الاصطناعي العالمي
