تخفيضات وزارة الخارجية وتأثيرها على الدبلوماسية
تخفيضات القوى في وزارة الخارجية الأمريكية تؤدي إلى مغادرة آلاف الدبلوماسيين، مما يهدد قدرة الولايات المتحدة على التعامل مع الأزمات العالمية. كيف يؤثر هذا على السياسة الخارجية؟ اكتشف التفاصيل في خَبَرَيْن.

وصلت رسالةٌ إلكترونية موجزة إلى صناديق البريد الخاصة بما يقارب 250 دبلوماسياً أمريكياً الأسبوع الماضي، لتُنهي مسيراتهم المهنية في وزارة الخارجية بضعةَ أسطر لا تكاد تَعِي ثقلها: "سيصبح فصلك من الخدمة نافذاً اعتباراً من اليوم. شكراً لك مجدداً على خدمتك للوزارة."
هذا في وقتٍ تعصف فيه أزماتٌ دبلوماسية متعددة بالسياسة الخارجية الأمريكية، وتتخبّط فيه إدارة Trump في مساعيها للتوصّل إلى اتفاقٍ ينهي الحرب مع إيران.
قرارات الفصل هذه التي تُعرف بـ"تخفيضات القوى" (Reductions in Force أو RIFs) وقد بدأت تنفيذها في يوليو الماضي لم تطل موظفي الخدمة الخارجية وحدهم، بل امتدّت لتشمل أكثر من 1,000 موظف في الخدمة المدنية. والأخطر من ذلك أنّها أفضت إلى تصفية كاملة لعدد من المكاتب المتخصصة، التي يرى مسؤولون سابقون أنّها كانت قادرةً على تقديم توجيهاتٍ بالغة الأهمية في ما يخصّ الحرب مع إيران وتداعياتها الاقتصادية الوخيمة على الولايات المتحدة والاقتصاد العالمي. وقد دأبت وزارة الخارجية على التأكيد بأنّ هذه التخفيضات لم تستهدف سوى إزالة التكرار والازدواجية، وأنّ العمل على الملفات الجوهرية استمرّ بعد نقله إلى مكاتب أخرى.
غير أنّ الصورة أكثر تعقيداً مما تُقرّ به الوزارة. فإلى جانب الفصل المباشر، اختار عشراتٌ من الدبلوماسيين المخضرمين ذوي الخبرات الممتدة لعقود التقاعدَ طوعاً. وقد أفاد ما يقارب اثني عشر مسؤولاً سابقاً تحدّثوا بأنّ إدارة Trump لا تُتيح في الواقع أيّ ترقياتٍ أو تعيينات رفيعة كالسفارات للدبلوماسيين المهنيين، مما يضعهم أمام خيارٍ واحد في نظامٍ لا يعرف التوقّف: إمّا الصعود وإمّا الرحيل.
يقول David Kostelancik، الذي أنهى مسيرةً امتدّت 36 عاماً في الخدمة الخارجية: "كانت أعداداٌ غير مسبوقة من الناس تختار المغادرة." وتُشير تقديرات الرابطة الأمريكية للخدمة الخارجية (American Foreign Service Association) إلى أنّ نحو 2,000 دبلوماسي غادروا الوزارة خلال العام الماضي وحده.
في المقابل، تخلو أكثر من 100 سفارةٍ أمريكية حول العالم من بينها سفاراتٌ في الشرق الأوسط وأوكرانيا وروسيا من سفراء معتمدين من مجلس الشيوخ، مما يضع الولايات المتحدة في موقعٍ متأخّر حتى قياساً بخصومها كالصين. وعلى الصعيد الأكثر حساسيةً، تتولّى إدارةَ المفاوضات الدبلوماسية الأشدّ تعقيداً كملف إنهاء الحرب مع إيران وتسوية النزاع الأوكراني شخصياتٌ من الشركاء التجاريين وأفراد عائلة الرئيس Donald Trump، في غياب شبه تام لفرق من الدبلوماسيين المحترفين أصحاب الخبرة الإقليمية.
يرى المسؤولون السابقون أنّ هذه الإجراءات مجتمعةً تُمثّل عمليةَ تجويفٍ ممنهج لوزارة الخارجية، وهي الوزارة ذاتها التي تعهّد وزير الخارجية Marco Rubio في يومه الأول بتمكينها وتعزيز دورها. وعلى الرغم من أنّ الوكالة شرعت في استقطاب دبلوماسيين جدد، فإنّ خسارة الكوادر المتمرّسة ستُلقي بظلالها الثقيلة على قدرة الولايات المتحدة في إسقاط نفوذها وتحقيق أولوياتها، اليوم وفي السنوات المقبلة.
يقول السفير المهني السابق John Bass : "أعتقد أنّ المؤرخين سينظرون إلى هذه المرحلة باعتبارها واحدةً من أكبر الأخطاء غير المبرّرة التي فرضتها الولايات المتحدة على نفسها."
في المقابل، وصف المتحدث باسم وزارة الخارجية Tommy Pigott الحديثَ عن تجويف الوزارة بأنّه "كذبٌ"، ونعت الادعاءات بأنّ فقدان مئات الدبلوماسيين المتمرّسين سيُؤثّر على قدرة الولايات المتحدة بأنّها "لا أساس لها من الصحة."
وقال: "أعادت عمليةُ إعادة الهيكلة لدينا توزيعَ الأدوار بما يُلغي التكرار، ويُقلّص البيروقراطية غير الضرورية، ويُمكّن سلكنا الدبلوماسي." وأضاف أنّ "تخفيضات القوى لا تُلقي بأيّ أثرٍ سلبي على قدرتنا في الاستجابة للعمليات أو التخطيط أو التنفيذ في خدمة الأمريكيين."
وذهب Pigott إلى أبعد من ذلك بالقول: "بل إنّنا باتت لدينا القدرة على الاستجابة بصورةٍ أسرع وأكثر فاعلية، وهذا كان الهدف الكامل من إعادة الهيكلة."
إقصاء الخبراء في أحلك الأوقات
Erik Holmgren دبلوماسيٌّ مهني عمل في مناطق مختلفة من العالم، بما فيها روسيا والمكسيك، وكانت آخر مهامه في الوزارة رئاسةَ مكتب الدبلوماسية الطاقوية للشرق الأوسط وآسيا، المعني بأمن الطاقة والوصول إليها والمعادن الحيوية والشراكة مع القطاع الخاص.
أُلغي مكتبه بالكامل ضمن عملية إعادة الهيكلة، إذ جرى حلّ مكتب موارد الطاقة (Bureau of Energy Resources) برمّته، وفُصل جميع موظفيه، وفق ما أفاد به Holmgren.
ردّ Pigott على ذلك بأنّ "القدرات الجوهرية" لمكتب موارد الطاقة نُقلت إلى مكتب الشؤون الاقتصادية والطاقة والأعمال. وفي السياق ذاته، صوّتت لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب الأسبوع الماضي بأغلبيةٍ من الحزبين لصالح تشريعٍ يُحيي "مكتب أمن الطاقة والدبلوماسية."
يُلاحظ Holmgren أنّ عمل المكتب والخبراء الذين كانوا يعملون فيه كان سيُشكّل إضافةً بالغة الأهمية في مساعدة الإدارة وشركائها من القطاع الخاص على استيعاب تداعيات الأزمة مع إيران. فمن بين أولويات مكتبه، يقول، "السعي إلى جعل وصول إيران إلى تصدير النفط الخام أمراً أشدّ صعوبةً" وهو ملفٌّ يكتسب أهميةً قصوى في ظلّ الحرب الدائرة.
وأوضح أنّ مكتبه كان "يستخدم كلّ الأدوات السياسية المتاحة للتعامل مع إيران وإضعاف نظامها"، وكان بإمكانه تقديم تحذيراتٍ مبكّرة بشأن ضرورة إدارة "نقطة الاختناق في مضيق هرمز." وقد تسبّبت هذه النقطة الحيوية في اضطرابٍ حادّ في حركة الملاحة عبر المضيق، مما أدّى إلى ارتفاع أسعار الوقود وتهديد بكارثةٍ إنسانية في مناطق عدة من العالم باتت مقطوعةً عن إمدادات الأسمدة الأساسية.
وأشار Holmgren إلى أنّ مكتبه كان يعمل أيضاً على تنويع إمدادات الطاقة إلى العراق، الذي يعتمد اعتماداً كبيراً على إيران في هذا الشأن، مع وجود فريقٍ متكامل يعمل مع القطاع الخاص، بما في ذلك عقودٌ بقيمة "12 مليار دولار لشركات أمريكية لمساعدة العراق على تطوير موارده الطاقوية الخاصة."
ردّ Pigott على ذلك بأنّ "فرق السياسة الطاقوية في الوزارة تُحقّق أداءً أفضل من أيّ وقتٍ مضى"، مشيراً إلى أنّ مكتب الشؤون الاقتصادية والطاقة والأعمال "ينسّق الإفراج عن الاحتياطيات الاستراتيجية مع الحلفاء والشركاء استجابةً لهجمات إيران."
ويرى المسؤولون السابقون أنّه حين سعت الولايات المتحدة إلى إجلاء مواطنيها العالقين في الشرق الأوسط والتعامل مع تعقيدات الأسابيع الأولى من الحرب مع إيران، كانت في أمسّ الحاجة إلى خبرات موظفيها المهنيين ومعرفتهم المؤسسية، بمن فيهم من جرى فصلهم أو تقاعدوا.
في مارس، رفضت وزارة الخارجية الادعاءاتِ القائلة بأنّ تخفيضات القوى أثّرت على مساعدة المواطنين الأمريكيين العالقين في الشرق الأوسط أو على عمليات القنصليات، مؤكّدةً أنّ "مئات الموظفين المتمرّسين" يعملون ضمن فريق عملٍ مخصّص لمساعدة الأمريكيين.
وعلى مستوى العالم، يبقى غياب السفراء الأمريكيين المعتمدين لافتاً للنظر. فوفقاً للرابطة الأمريكية للخدمة الخارجية، يخلو 115 منصباً من أصل 195 من السفراء حتى يوم الثلاثاء.
ويُشير مسؤولون سابقون متعددون إلى أنّه في حالات كثيرة، حين لا يكون رئيس البعثة الدبلوماسية سفيراً معتمداً، فقد لا يتمكّن من الوصول إلى كبار المسؤولين في تلك الدول.
وحين سُئل Pigott عن الشواغر الكبيرة في مناصب السفراء، قال: "الرئيس يملك الحقّ في تحديد من يُمثّل الشعب الأمريكي ومصالحه حول العالم." وأضاف: "الانتقال بعيداً عن سفراء حقبة Biden ليس خبراً جديداً ولا ينبغي أن يُفاجئ أحداً." وكانت الوزارة قد استدعت في ديسمبر ما لا يقلّ عن أربعة وعشرين سفيراً من المهنيين الذين عُيّنوا في مناصبهم إبّان إدارة Biden. وأردف Pigott: "في السفارات التي تفتقر إلى سفيرٍ معتمد من مجلس الشيوخ، يتولّى قيادةَ البعثة قائمٌ بالأعمال ذو خبرة."
الولاء بديلاً عن الكفاءة
يُلاحظ كثيرٌ من المسؤولين السابقين أنّ الإدارة أحجمت إلى حدٍّ بعيد عن إشراك الكوادر المهنية في إدارة الأزمات الدبلوماسية الكبرى، مُفضّلةً الاعتماد على دائرةٍ ضيّقة من المستشارين الموثوقين.
ويرى هؤلاء أنّ انعدام التقدير للخبرة والتفضيل الصريح لـ"الولاء" بحسب وصف Bass أفرز بيئةً مصمَّمة لدفع الكوادر المهنية إلى المغادرة، أو لبثّ الخوف في نفوس من يُقرّرون البقاء.
وأفاد مسؤولون متعددون بأنّ نظام التقييم السنوي المعتمد للترقيات بات يتضمّن معياراً للـ"إخلاص" لسياسات الإدارة. كما أشاروا إلى اعتماد ما يُعرف بـ"المنحنى الجرسي" (Bell Curve) في التقييمات، مما يُضيّق هامش الترقيات ويُقيّد عدد من يحصلون على تقديراتٍ مرتفعة.
يقول أحد الدبلوماسيين المهنيين السابقين: "ستجد أشخاصاً يؤدّون عملاً رائعاً حقاً، لكنّهم سينتهون في منتصف التصنيف لأنّك تُلزمهم بهذا القيد الإحصائي للمنحنى الجرسي."
ردّ Pigott بأنّ "إعادة معايرة نظام تقييم أداء الموظفين كانت موضع نقاشٍ لسنوات وباتت متأخّرة." وأضاف أنّ التغيير جرى "بصورةٍ مدروسة تعكس أفضل الممارسات عبر الحكومة، وتجعل التقييمات ذات معنىً فعليّ في قياس الأداء." وختم بأنّ الهدف الجوهري هو "تطبيق سياسة America First الخارجية للرئيس Trump لجعل أمّتنا أكثر أماناً وقوةً وازدهاراً."
حتى كبار الدبلوماسيين المهنيين الراغبين في الاستمرار لا يجدون مناصب شاغرة. فبموجب قانون الخدمة الخارجية الصادر عام 1980، يُمنح السفراء في الخارج 90 يوماً للعثور على مهمّةٍ أخرى وإلّا اضطرّوا إلى التقاعد.
يقول أحد الدبلوماسيين السابقين: "يحاولون استخدام هذا الحكم مجدداً لإجبار الناس على التقاعد، لأنّ هؤلاء الذين لا يزالون قادرين على العمل أو يرغبون فيه لا يجدون مناصب."
وداخل الوزارة، أُلغيت مناصب كانت تُخصَّص تقليدياً لكبار الدبلوماسيين، كمناصب التدريس الداخلية. وفي المقرّ الرئيسي، بقيت كثيرٌ من مناصب مساعدي وزير الخارجية شاغرةً أو مشغولةً بمسؤولين غير معتمدين، كثيرٌ منهم زملاء في برنامج Ben Franklin Fellowship، وهو تنظيمٌ يُعلن التزامه بـ"تعزيز الدبلوماسية الأمريكية التقليدية القائمة على المصالح الوطنية والسيادة الأمريكية وأمن الحدود."
يقول Bass، الذي شغل منصب السفير الأمريكي في أفغانستان وتركيا وجورجيا: "تريد الإدارة كوادر ميدانية لن تفعل سوى ما يُملى عليها، ولن تُعارض القرارات، ولن تُقدّم وجهات نظر بديلة." ثمّ يُضيف: "غير أنّ هذا النوع من الخبرة تحديداً هو ما حال دون وقوعنا في أخطاء أكبر بكثير."
وهذه الخبرة ليست بديلاً سهلاً. يقول Kostelancik، الذي خدم في مناطق متعددة من العالم ومستشاراً للسياسة الخارجية لرئيس هيئة الأركان المشتركة، إنّ موجة التقاعد والفصل تُمثّل "تبديداً للاستثمار الذي قامت به الحكومة الأمريكية، ودافعو الضرائب، فينا على مدى عقود، في التدريب والعمل في الخارج."
ويُعبّر Ryan Gliha، الذي أمضى معظم مسيرته المهنية الممتدة 23 عاماً في الخدمة الخارجية بالشرق الأوسط قبل أن يُفصل، عن الفكرة ذاتها بصورةٍ أكثر دقّة: "الخدمة الخارجية مهنةٌ قائمة على التلمذة والتدرّج. لا يمكنك ببساطة أن تُقحم شخصاً من الخارج. الدبلوماسية مهاراتٌ تتراكم عبر السنوات، في الميدان."
ويُنبّه Gliha إلى أنّ التداعيات لن تقتصر على دوائر صنع القرار في واشنطن، بل ستطال المواطن الأمريكي العادي: "معظم الأمريكيين لا يملكون رأياً راسخاً في الخدمة الخارجية لأنّهم نادراً ما يتفاعلون معنا مباشرةً نحن في معظم الأحيان غير مرئيين في حياتهم اليومية. لكنّنا نُمارس تأثيراً عميقاً على ازدهار هذا البلد: في صفقات التجارة التي نتفاوض عليها، والأعمال الأمريكية التي نُروّج لها في الخارج، والأزمات التي نُطفئها قبل أن تستعر، والمساعدة التي نُقدّمها للمواطنين في ضائقتهم خارج البلاد."
أخبار ذات صلة

إطلاق نار في مسجد بسان دييغو والشرطة تتدخّل

تفاقم أزمة الخبز في غزة مع تشديد إسرائيل قيود الوقود والدقيق

تفشّي إيبولا الجديد يشعل سباقاً عالمياً للاحتواء والولايات المتحدة تجلي مواطنيها
