تصعيد عسكري أمريكي في أمريكا اللاتينية ضد الكارتيلات
وزير الدفاع الأمريكي يحذر من تحقيقات المحكمة الجنائية الدولية في عمليات مكافحة تهريب المخدرات بأمريكا اللاتينية ويعلن انضمام كولومبيا لتحالف عسكري يهدف لتوسيع الحرب على الكارتيلات وسط جدل حقوقي واسع خَبَرَيْن

في خطابٍ ألقاه في مدينة بنما، حذّر وزير الدفاع الأمريكي Pete Hegseth من أن المحكمة الجنائية الدولية قد تسعى إلى فتح تحقيقاتٍ في العمليات العسكرية الأمريكية في أمريكا اللاتينية، بما فيها الضربات التي استهدفت قوارب يُشتبه في استخدامها لتهريب المخدرات في منطقة البحر الكاريبي وهي ضرباتٌ وصفتها منظمات حقوق الإنسان بأنّها عمليات قتلٍ خارج نطاق القضاء.
جاءت تصريحات Hegseth في سياق تعهّده بتعزيز التحالف العسكري الذي أُطلق في مارس الماضي بمشاركة عدّة دول لاتينية، بهدف استهداف عصابات تهريب المخدرات التي صنّفتها إدارة الرئيس Donald Trump «إرهابيّين يتّجرون بالمخدرات» (narco-terrorists).
كولومبيا تنضمّ إلى التحالف
في الرابع عشر من مايو الجاري، أعلن Hegseth أن كولومبيا، في عهد رئيسها اليميني الجديد Abelardo de la Espriella، ستصبح الدولة التاسعة عشرة التي تنضمّ إلى ما يُعرف بـ«درع الأمريكتَين» (Shield of the Americas)، المعروف أيضاً بـ«تحالف مكافحة الكارتيلات في الأمريكتَين» (Americas Counter Cartel Coalition - ACCC).
ودعا Hegseth جميع أعضاء التحالف إلى رفض المحكمة الجنائية الدولية، في خطوةٍ تنسجم مع مساعي إدارة Trump الرامية إلى «تعطيل» هذه المحكمة الدولية. وادّعى Hegseth أن «اليسار الدولي، بالتواطؤ مع وسائل إعلامه اليسارية، يتآمر لفرض ولاية قضائية غير مشروعة للمحكمة الجنائية الدولية على الأفراد العسكريين الأمريكيين وشركائهم وعملياتهم».
وأضاف: «لا توجد أيّ أساسٍ مشروع لهذا التمدّد غير القانوني للمحكمة، أياً كان المكان الذي تسعى إليه في العالم. عملياتنا في هذا الإطار تسير مئة بالمئة وفق قوانين النزاعات المسلّحة».
أرقامٌ متنازَعٌ عليها وأسئلةٌ حقوقية مفتوحة
غير أن هذه التصريحات تتعارض مع ما يؤكده كثيرٌ من خبراء حقوق الإنسان والمنظمات الدولية. فقد وثّق تقريرٌ صادر عن «مكتب واشنطن لشؤون أمريكا اللاتينية» (Washington Office on Latin America) في يوليو الماضي مقتلَ ما لا يقلّ عن 221 شخصاً في الضربات الأمريكية منذ سبتمبر 2025، ووصف المؤلّفون هذه الحوادث بأنّها «جرائم قتلٍ بموجب القانون المحلّي، وعمليات إعدامٍ خارج نطاق القضاء بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان».
وأشار مراقبون إلى احتمالٍ جدّي بأن يكون من بين الضحايا مدنيّون، من بينهم صيّادون وركّاب عاديّون وضحايا شبكات التهريب البشري.
في المقابل، أكّد Hegseth أن الحملة أسفرت عن «انخفاضاتٍ قياسية في حركة قوارب المخدرات عبر الممرّات البحرية الرئيسية في نصف الكرة الغربي»، مفصّلاً ذلك بـ«انخفاضٍ لا يقلّ عن 65 بالمئة في البحر الكاريبي الغربي، و60 بالمئة في البحر الكاريبي الشرقي، وما يقارب 50 بالمئة في المحيط الهادئ الشرقي». وقال: «لقد أربكنا الإرهابيّين المتّجرين بالمخدرات في المجال البحري وأجبرناهم على التراجع».
تجدر الإشارة إلى أن المحكمة الجنائية الدولية لم تُعلن حتى الآن عن أيّ تحقيقٍ في العمليات العسكرية الأمريكية في أمريكا اللاتينية.
عمليّاتٌ مشتركة وتوسّعٌ ميداني
تحدّث رئيس البنتاغون أيضاً عن آفاق عمليّاتٍ عسكرية مشتركة مع أعضاء «الدرع الجنوبي»، في أعقاب عمليةٍ مشتركة مع الإكوادور في مارس الماضي قيل إنّها استهدفت تجّار المخدرات. وكانت منظمة Amnesty International قد أفادت بأن مدنيّين في الإكوادور تعرّضوا لاعتداءاتٍ وانتهاكاتٍ في إطار تلك الحملة المشتركة.
وأعلن Hegseth أن هندوراس وغواتيمالا «تدعوان الولايات المتحدة إلى المشاركة في عمليّاتٍ مشتركة ضدّ الإرهابيّين المتّجرين بالمخدرات على أراضيهما». كما أشار إلى أن كولومبيا طلبت رسمياً من وزارة الدفاع الأمريكية «الانضمام إليها في حربها ضدّ إرهاب المخدرات، مع تفويضٍ بعمليّاتٍ عسكرية مشتركة لتدمير شبكات الإرهاب».
وكانت وزارة الخارجية الأمريكية قد أعلنت عن نيّتها تقديم «حزمة أمنية» بقيمة مليار دولار لـ de la Espriella، الذي أدّى اليمين الدستورية الأسبوع الماضي، لمساعدة واشنطن وبوغوتا على تحقيق «أهدافهما المشتركة». وقد تعهّد de la Espriella في خطاب تنصيبه بشنّ «حربٍ شاملة» على جرائم المخدرات المنظّمة والجماعات المسلّحة في الوقت الذي شهدت فيه بلاده هذا الأسبوع زلزالاً مدمّراً بلغت قوّته 7.4 درجة.
موجةٌ يمينية وخطابٌ دوري جديد
يتّسق هذا التوجّه العسكري المتصاعد تجاه أمريكا اللاتينية مع وصول موجةٍ من المرشّحين اليمينيّين المدعومين من Trump إلى السلطة في المنطقة. إلى جانب de la Espriella، يشمل هؤلاء الرئيسَ الهندوراسي Nasry Asfura والرئيسة البيروفية Keiko Fujimori، فضلاً عن Javier Milei في الأرجنتين، وDaniel Noboa في الإكوادور، وNayib Bukele في السلفادور.
أمّا رئيس بنما Jose Raul Mulino، الذي تحدّث قبل Hegseth في الفعالية ذاتها، فقد أبدى انسجاماً وثيقاً مع إدارة Trump في الملفّات الأمنية، على الرغم من تعهّد الرئيس الأمريكي عند توليه منصبه باستعادة السيطرة على قناة بنما. وقال Mulino: «العدوّ الأوّل الذي نواجهه هو تهريب المخدرات. المهرّبون، وكلّ ما يجرّه هذا من فروعٍ للجريمة المنظّمة. لن يكون هناك سلامٌ مستدام إذا بلغ هذا العدوّ من القوّة ما يكفي لتفكيك مجتمعاتنا».
ومن فنزويلا، أعلنت الرئيسة المؤقّتة Delcy Rodriguez أن كاراكاس ستمضي قُدُماً في قرارٍ سابق بالانسحاب من المحكمة الجنائية الدولية، في خطوةٍ تعكس تقارباً لافتاً مع واشنطن في أعقاب ما وصفه خبراء بأنّه اختطافٌ أمريكي للرئيس السابق Nicolas Maduro وهو إجراءٌ آخر عدّه المراقبون انتهاكاً صريحاً للقانون الدولي.
يأتي هذا كلّه في سياق استراتيجيةٍ أشمل تنتهجها إدارة Trump لتكريس الهيمنة الأمريكية على نصف الكرة الغربي، إذ يُروّج مسؤولوها لنسخةٍ جديدة من مبدأ مونرو الصادر عام 1823، يُطلقون عليها اسم «مبدأ دونرو» (Donroe Doctrine).
أخبار ذات صلة

تحقيق: كيف حذف سكوت الجمهوري السياق من خطاب الـسيد

ترامب يحوّل جهاز الأمن الداخلي إلى أداةٍ لحملته ضدّ الاحتيال الانتخابي

ترامب يواجه دعوى قضائية حول محاولته تقييد الجنسية بالميلاد
