مطار واشنطن الوطني يواجه أزمات أمان متكررة
مطار Ronald Reagan يعاني من مشاكل أمنية مستمرة رغم الكارثة المميتة التي أودت بحياة 67 شخصا. خلل في الاتصالات وتحديات في إدارة الحركة الجوية ترفع المخاطر على سلامة الرحلات. تفاصيل وتحقيقات مستمرة على خَبَرَيْن.

عام ونصف مرّ على الكارثة، والمشكلة لم تُحلّ بعد. ففي مطار Ronald Reagan Washington National Airport، لا تزال الطائرات تقترب من بعضها على نحوٍ خطير، على الرغم من عشرات التوصيات الأمنية التي صدرت في أعقاب التصادم الجوي المميت الذي راح ضحيّته 67 شخصاً، وعلى الرغم من جملةٍ من التعديلات التي جرى تطبيقها فعلاً.
الثلاثاء الماضي، استمرّت رحلات الإقلاع من المطار حتى حين كانت طائرة Marine One ترتفع من منطقة الـ Ellipse جنوبي البيت الأبيض، حاملةً الرئيس Donald Trump على متنها. وقد اقتربت طائرةٌ إقليمية تابعة لـ American Airlines على الأقلّ من النطاق الأمني المحيط بالمروحية الرئاسية، في حين أنّ الإجراءات المعتادة تقضي بوقف الرحلات من المطار المجاور لحظة إقلاع الرئيس.
وقالت إدارة الطيران الفيدرالية (FAA) إنّه «جرى فقدانٌ مؤقّت للفصل بين الطائرتَين، قبل أن تتابعا الابتعاد عن بعضهما»، مؤكّدةً أنّ الرئيس لم يكن في خطرٍ في أيّ لحظة.
وأرجع وزير النقل Sean Duffy الحادثة إلى خللٍ في منظومة الاتصالات، إذ قال في مؤتمرٍ صحفي عقده في مطار Newark Liberty International Airport: «اكتشفنا على مستوى الطاقم أنّ ثمّة مشكلات في الاتصالات بين فريق Marine One وإدارة FAA، ونحن نعمل على حلّها، وفرقنا تتعاون بصورةٍ جيّدة جداً».
وفي تسجيلٍ لاتصالات برج المراقبة الجوية، يمكن سماع طيّاري Marine One وهم يكرّرون إبلاغهم بالإقلاع الوشيك، غير أنّ البرج بدا عاجزاً عن استقبال الإرسال.
وأعلنت FAA أنّها شكّلت لجنة مراجعة أمنية للتحقيق في الحادثة، وأنّ قيادة الوكالة اجتمعت بوحدة المروحيات التابعة للمكتب العسكري للبيت الأبيض. وأوضحت الوكالة في بيانٍ رسمي أنّ «المجموعة ستعمل على تعزيز التنسيق بشأن إشعار الإقلاع قبل ثلاث دقائق، ورفع ترددات الإشارة».
تأتي هذه الحادثة في سياقٍ متواصل من المشكلات التي يشهدها مطارٌ يقع على مرأى من مبنى الكونغرس. وعلى تفاوت هذه الحوادث في طبيعتها، فإنّها تكشف مجتمعةً عن تحدّيات إدارة أجواءٍ مكتظّة ذات حساسيةٍ أمنية عالية، في ظلّ معدّاتٍ متقادمة وشحٍّ في الكوادر البشرية، فضلاً عن تشريعاتٍ تهدف إلى معالجة هذه الاختلالات لكنّها لا تزال عالقةً في أروقة الكونغرس.
في 29 يناير 2025، لقي 67 شخصاً حتفهم حين اصطدمت مروحية Army Black Hawk كانت تنفّذ مهمّة تدريبية بطائرةٍ إقليمية تابعة لـ American Airlines فوق نهر Potomac. وقد فتحت هذه الكارثة الباب أمام مراجعةٍ معمّقة لقواعد تحليق المروحيات في أجواء واشنطن العاصمة.
وخلص التقرير النهائي للمجلس الوطني لسلامة النقل (NTSB) إلى أنّ التصادم كان نتيجةً لعدّة عوامل متضافرة: مسارٌ للمروحية أقرب ممّا ينبغي من ممرّات هبوط الطائرات، وإخفاق FAA في تقييم بيانات الاقترابات الخطرة بصورةٍ منتظمة، والاعتماد المفرط على مبدأ «الرؤية والتفادي» من قِبَل الطيّارين، إضافةً إلى فقدان مراقبي البرج للوعي الظرفي بسبب ضغط العمل المتراكم.
أحداث متكرّرة ومخاوف متصاعدة
لم تقتصر المشكلات على حادثة التصادم المميتة. ففي مارس من العام الماضي، وُجّهت إلى أحد مراقبي الحركة الجوية تهمةُ الاعتداء الجسدي إثر «حادثةٍ» وقعت داخل برج المراقبة، وكشف NTSB لاحقاً أنّ الشجار اندلع بينما كان محقّقوه في جزءٍ آخر من المبنى يتابعون التحقيق في التصادم الجوي.
وفي اليوم التالي، وقع اقترابٌ خطير بين طائرة Airbus A319 تابعة لـ Delta Air Lines كانت تقلع، وسرب من طائرات T-38 تابعة للقوات الجوية الأمريكية كانت تحلّق فوق مقبرة Arlington National Cemetery المجاورة. وأظهرت بيانات التتبّع من FlightRadar24 أنّ الطائرات T-38 مرّت بمحاذاة المطار بسرعةٍ تجاوزت 350 ميلاً في الساعة على ارتفاع 800 قدم.
وفي مايو من العام الماضي، اضطرّ مراقبو الحركة الجوية إلى إلغاء هبوط طائرتَين في مطار Reagan National Airport لتفادي التصادم مع مروحية عسكرية تابعة للجيش كانت تتجه نحو منصّة الهبوط في البنتاغون.
وبعد أيامٍ قليلة، كشفت جلسةٌ استماع في الكونغرس أنّ «الخطّ الساخن» الرابط بين مراقبي الحركة الجوية في المطار والبنتاغون، والمخصّص لتنسيق حركة الطائرات، كان معطّلاً منذ مارس 2022. وأفاد Franklin McIntosh، نائب المدير التشغيلي لـ FAA، بأنّ الوكالة لم تعلم بالعطل إلّا بعد وقوع الحادثة.
وفي هذا السياق، يرى Dave Riley، الذي أمضى أكثر من 30 عاماً مراقباً للحركة الجوية، أنّ هذه المشكلات وإن كانت قابلةً للحدوث في أيّ مطار، فإنّ التصادم المميت سلّط الضوء بشكلٍ خاصّ على مطار Reagan National Airport. وقال: «في أعقاب التصادم، الأعصاب متوتّرة والرقابة مشدّدة للغاية. كلّ ما يقوله مراقبو المطار وكلّ ما يفعلونه يخضع للتدقيق الكامل، وهذا يُولّد ضغطاً هائلاً».
التحذيرات كانت في البيانات
بعد التصادم المميت، كشف محقّقو NTSB عن 15,214 «حادثة اقتراب خطير» في مطار Reagan National Airport بين عامَي 2021 و2024، اقتربت فيها طائرات من بعضها على مسافةٍ أقلّ من ميلٍ بحري واحد مع فارق ارتفاعٍ لا يتجاوز 400 قدم.
وخلال السنوات الأربع ذاتها، جرت 85 حالة اقتربت فيها الطائرات إلى مسافةٍ أقلّ من 1,500 قدم أفقياً مع فارق ارتفاعٍ لا يتجاوز 200 قدم.
وأقرّ وزير النقل Duffy بأنّ «البيانات كانت موجودة» قبل الكارثة، لكنّها «لم تُحلَّل بصورةٍ فعّالة لاكتشاف حجم المخاطر الكامنة فيها».
وتجدر الإشارة إلى أنّ الاقترابات الخطرة بين المروحيات والطائرات لم تكن ظاهرةً حكراً على مطار Reagan National Airport؛ إذ حدّد FAA العام الماضي مطار Harry Reid International Airport في Las Vegas بوصفه مطاراً يعاني «مشكلاتٍ فورية عديدة» تتعلّق باقتراب المروحيات الخطير من طائرات الركّاب.
وقال Riley: «جميع هذه التحرّكات في مختلف أنحاء البلاد تخضع لدراسةٍ دقيقة جداً. الهدف دائماً هو إبقاء المروحيات والطائرات في مسارات لا تتقاطع مع حركة المرور الاعتيادية».
وقد أفضى تحليلٌ بالذكاء الاصطناعي لبيانات السلامة إلى إصدار قواعد جديدة على المستوى الوطني تُلزم طيّاري المروحيات بالقرب من المطارات المزدحمة بالتواصل الدائم مع مراقبة الحركة الجوية، بدلاً من الاكتفاء بالرصد البصري للطائرات المجاورة. وقال مدير FAA Bryan Bedford في مارس: «لقد رصدنا اعتماداً مفرطاً على عمليات "الرؤية والتفادي" من قِبَل الطيّارين، وهو ما يُسهم في وقوع حوادث تشمل المروحيات والطائرات».
وأكّد Duffy الثلاثاء أنّ الأجواء «المعقّدة» كأجواء مطار Reagan National Airport لن تشهد بعد الآن تقاطعاً بين مسارات المروحيات وطائرات الهبوط، قائلاً: «بعد الكارثة في مطار DCA، حظرنا حركة المرور المتقاطعة بين المروحيات والطائرات، إلّا في حالات التحرّك الرئاسي أو مهمّات إنفاذ القانون والاستجابة الطارئة. وحتى في هذه الحالات، نوقف حركة الملاحة الجوية».
دروس التصادم المميت
في أعقاب تصادم يناير 2025، فُرض حظرٌ على تحليق المروحيات في امتداد أربعة أميال من نهر Potomac المجاور خلال فترات هبوط الطائرات. وتُعدّ هذه التوصية حتى الآن التوصية الوحيدة من توصيات NTSB المترتّبة على الكارثة التي أُغلق ملفّها رسمياً.
وأكّدت رئيسة NTSB Jennifer Homendy أنّ ما تحقّق لا يكفي، إذ كتبت في بيانٍ أصدرته الشهر الماضي: «لم نقترب اليوم من معالجة كثيرٍ من الثغرات الأمنية الجسيمة التي أسهمت في هذه المأساة».
وكان محقّقو NTSB قد أصدروا رسمياً 50 توصيةً أمنية في تقريرهم النهائي، يُوجَّه أكثر من نصفها إلى FAA. وقد أدلت الوكالة بشهادتها أمام الكونغرس بأنّها تعمل على تطبيق كثيرٍ منها، ونشرت جدولاً زمنياً لمتابعة التوصيات الموجّهة إليها على موقعها الإلكتروني.
إلى جانب حظر حركة المرور المتقاطعة، تشمل الإجراءات المتّخذة تخفيض عدد الطائرات المسموح لها بالهبوط في المطار كلّ ساعة من 36 إلى 30 طائرة، فضلاً عن تعزيز الكوادر البشرية في البرج. وقالت FAA في يناير: «رفعنا عدد المراقبين المعتمدين والمشرفين الداعمين والمتخصّصين والمديرين التشغيليين، مع شغل هذه المناصب الإضافية في الوقت ذاته».
غير أنّ الوكالة نبّهت إلى أنّ بعض التغييرات لا يمكن تطبيقها بسرعة، مشيرةً إلى أنّ «بعض التوصيات قد تستغرق سنواتٍ عدّة للتطبيق بسبب عواملٍ خارجية، كإجراءات سنّ القواعد والتفاوض الجماعي». كما تعثّرت مشاريع القوانين المقترحة في الكونغرس.
المشرّعون يطالبون بتطوير التقنيات
خلص NTSB إلى أنّ «قيوداً» في «أنظمة التحذير من التصادم على كلتا الطائرتَين» أسهمت في وقوع الكارثة، وأوصى بالاشتراط التقني لتحسين هذه الأنظمة وإلزام الطيّارين باستخدامها.
ويُعدّ نظام المراقبة المعتمد على الإرسال التلقائي (ADS-B) إشارةً راديوية تبثّها الطائرة وتتضمّن بيانات موقعها الأساسية كالارتفاع والسرعة، ويُنبّه الطيّار في حال اقتراب التصادم ويزوّده بتعليمات التفادي.
وقت التصادم، كانت الطائرة الإقليمية التابعة لـ American Airlines تبثّ الإشارة، في حين أنّ المروحية العسكرية التي اصطدمت بها لم يكن نظامها مُشغَّلاً. كما أنّ أيّاً من الطيّارَين لم يكن قادراً على استقبال المعلومات عبر نظام «ADS-B In» الأحدث، الذي يعرض مواقع الطائرات المجاورة مباشرةً في قمرة القيادة.
وكان مشروع قانون في مجلس الشيوخ يُعرف بـ ROTOR Act يُلزم بتركيب نظام «ADS-B In» على معظم الطائرات ويُوجب على الطيّارين الإرسال عبره، إلّا أنّ مجلس النواب رفض المشروع في فبراير بعد أن أقرّه مجلس الشيوخ.
في المقابل، اقترحت لجنةٌ في مجلس النواب مشروع قانون منافساً يُعرف بـ ALERT Act، تقول إنّه يعالج جميع التوصيات الـ 50 الصادرة عن NTSB، لكنّه لا يشترط تركيب «ADS-B In» على جميع الطائرات.
وفي هذا السياق، قالت Homendy في يوليو: «اتّخذ الكونغرس خطواتٍ مهمّة وتاريخية لمعالجة كثيرٍ من توصيات المجلس، وهذا التقدّم يستحقّ التقدير. لكنّ العمل لم ينتهِ بعد. فقد غادر الكونغرس إلى عطلة أغسطس دون التوصّل إلى حزمة تشريعية نهائية، ونحثّه على تجاوز الخلافات خلال هذه العطلة حتى يتسنّى التصويت على الحزمة النهائية حين يعود في سبتمبر».
وحذّرت Homendy من أنّه في غياب إصلاحاتٍ حقيقية في الأنظمة والإجراءات والتشريعات، فإنّ حوادث الاقتراب الخطير كالتي شهدناها مع Marine One ستظلّ قائمةً. وقالت: «حان وقت الفعل الذي وُعد به منذ أشهر؛ نحن مدينون بذلك للضحايا وللعائلات التي لا تزال تحمل ثقل الفقد، ولملايين الناس الذين يعتمدون كلّ يومٍ على سلامة منظومة الطيران».
أخبار ذات صلة

تهديدات على متن طائرتين تستدعي تدخلات أمنية طارئة
