الانسحاب الأمريكي من أوروبا وتأثيراته المتزايدة
ألغى وزير الدفاع الأمريكي نشر قوات في أوروبا، مستجيباً لانتقادات ترامب لحلفاء الناتو. القرار يثير قلقاً في واشنطن، حيث يُعتبر تحدياً للتهديد الروسي المستمر. كيف سيؤثر ذلك على العلاقات الأوروبية الأمريكية؟ التفاصيل في خَبَرَيْن.

في خطوةٍ لافتة تعكس حجم التوتّر بين واشنطن وحلفائها الأوروبيين، ألغى وزير الدفاع الأمريكي Pete Hegseth فجأةً نشرَين عسكريَّين مقرَّرَين في أوروبا، وأصدر أوامر بسحب عددٍ من العسكريين الأمريكيين من القارة، وفق ما كشفه مسؤولان في وزارة الدفاع. والهدف المُعلَن هو تقليص أعداد القوات الأمريكية في أوروبا، استجابةً للانتقادات التي وجّهها الرئيس Donald Trump لحلفائه الأوروبيين بشأن مستوى دعمهم.
القرار وتفاصيله
وقّع Hegseth مذكّرةً أوقفت فوراً النشر المجدوَل للفرقة المدرّعة القتالية الثانية التابعة للفرقة الفارسية الأولى (2nd Armored Brigade Combat Team, 1st Cavalry Division)، التي كانت مقرّرةً للتناوب في بولندا ودول البلطيق ورومانيا. وأشار المسؤولان إلى أنّ بعض عناصر هذه الفرقة كانوا قد وصلوا بالفعل إلى أوروبا، وباتوا مُلزَمين بالعودة إلى الأراضي الأمريكية.
كذلك ألغت المذكّرة النشرَ المستقبلي إلى ألمانيا لكتيبةٍ متخصّصة في إطلاق الصواريخ بعيدة المدى، وأصدرت توجيهاً بسحب القيادة الأوروبية المشرفة على هذه القدرات من القارة.
يضمّ سلاح الفرقة المدرّعة نحو 4,700 جندي، فيما تتألّف كتيبة الصواريخ بعيدة المدى من أكثر من 500 جندي. وللمقارنة، بلغ عدد القوات الأمريكية في ألمانيا وحدها نحو 38,000 جندي عام 2025، وفق ما أوردَه مجلس العلاقات الخارجية (Council on Foreign Relations)، في حين يبلغ إجمالي القوات الأمريكية في أوروبا نحو 80,000 جندي.
الخلفية السياسية
جاء هذا القرار في أعقاب خلافٍ بين Trump والمستشار الألماني Friedrich Merz، الذي وصف الموقف الأمريكي بأنّه "مُهين" في سياق الملفّ الإيراني، فضلاً عن انتقاداته المتكرّرة لدول حلف NATO بسبب عدم مشاركتها في المواجهة مع إيران.
وكان المتحدّث باسم البنتاغون Sean Parnell قد أعلن في الأوّل من مايو أنّ وزارة الدفاع ستسحب نحو 5,000 جندي من ألمانيا، عقب "مراجعةٍ شاملة لوضع القوات الأمريكية في أوروبا."
وتربط وثائق البنتاغون الداخلية التي تم الاطّلاع عليها هذا القرار مباشرةً بالإحباط من المواقف الأوروبية، إذ تُشير إلى أنّ الدول الأوروبية "لم ترتقِ إلى المستوى المطلوب حين احتاجت أمريكا إلى دعمها"، وأنّ "تصريحات ألمانيا الأخيرة كانت في غير محلّها وغير مفيدة." وتضيف هذه الوثائق أنّ القرار سيُسهم في "استعادة الجاهزية القتالية"، وسيُرسل رسالةً واضحة مفادها أنّ ألمانيا وسائر الحلفاء يجب أن يتولّوا المسؤولية الأساسية عن الدفاع عن أوروبا.
ردود الفعل: قلقٌ من الجانبَين
ولكن هل هذا القرار مُحكَمٌ فعلاً؟ الإجابة تستدعي النظر إلى ما يجري على الجانبَين من الممرّ السياسي في واشنطن.
أبدى رئيسا لجنتَي القوّات المسلّحة في مجلسَي الشيوخ والنوّاب وكلاهما جمهوريّان قلقاً صريحاً من هذا التوجّه. وقال السيناتور Roger Wicker والنائب Mike Rogers في بيانٍ مشترك صدر في 2 مايو: "إنّ ألمانيا قد استجابت لنداء الرئيس Trump بزيادة تحمّل الأعباء، وزادت إنفاقها الدفاعي بشكلٍ ملحوظ، ووفّرت وصولاً سلساً وقواعدَ وحقوقَ تحليق للقوات الأمريكية دعماً لعملية Epic Fury."
أمّا السيناتورة الديمقراطية Jeanne Shaheen، فقد وصفت إلغاء النشر في بولندا بأنّه جاء "مفاجئاً"، مؤكّدةً أنّ الكونغرس لم يُبلَّغ به مسبقاً. وأضافت: "أعتقد أنّه قصيرُ النظر جدّاً، وأنّه يُرسل رسالةً خاطئة إلى Vladimir Putin، ورسالةً خاطئة إلى الصين، ورسالةً خاطئة إلى إيران."
وتجدر الإشارة إلى أنّ قانون تمويل البنتاغون لعام 2026 يشترط ألّا يقلّ عدد القوات الأمريكية المنتشرة بصفةٍ دائمة أو المنتشرة في أوروبا لأكثر من 45 يوماً عن 76,000 جندي، وإلّا وجب على الإدارة إخطار الكونغرس وتقديم سلسلةٍ من الإفادات المتعلّقة بالاستراتيجية.
التهديد الروسي لا يزال قائماً
يُضاف إلى ذلك أنّ قادة عسكريين أمريكيين رفيعي المستوى لا يزالون يُحذّرون صراحةً من التهديد الروسي. فقد أكّد الجنرال Alex Grynkewich، قائد القيادة الأوروبية الأمريكية والقائد الأعلى لحلف NATO في أوروبا، أمام المشرّعين في مارس الماضي أنّ روسيا "لا تزال تُشكّل تحدّياً إقليمياً دائماً، قادراً على تهديد الأراضي الأمريكية." وأضاف في جلسةٍ استماع سابقة أنّ روسيا، "على الرغم من خسائرها الفادحة في أوكرانيا، لا تزال تمتلك القدرة والطاقة على تهديد المصالح الأمريكية، بفضل ترسانتها النووية الضخمة والمتنوّعة، وقدراتها غير المتماثلة، وقواتها البرية والجوية والبحرية الكفؤة."
ما يعنيه ذلك هو أنّ القرار لا يُقرأ في فراغ؛ فبين منطق الضغط على الحلفاء لحملهم على تحمّل مسؤولياتهم، وبين منطق الحفاظ على الردع في وجه تهديدٍ لا يزال قائماً، ثمّة توترٌ حقيقي لا يُحسم بمذكّرةٍ إدارية وحدها. والسؤال الذي ينبغي للمراقب الجادّ أن يطرحه ليس: هل أوروبا تُنفق بما يكفي؟ بل: هل توقيت هذا الانسحاب وطريقته تخدمان الاستراتيجية الأمريكية أم تُضعفانها؟
أخبار ذات صلة

روسيا تعترض طائرة استخبارات بريطانية فوق البحر الأسود بشكلٍ "خطير"

ترامب يؤجّل الضربة العسكرية المخطّط لها ضد إيران بسبب "مفاوضات جادّة"

ترامب يؤجّل الضربة الإيرانية لكن يبقي الجيش في حالة استنفار فوري
