خَبَرَيْن logo

بناء أول خلية حية صناعية تفتح آفاق الحياة الجديدة

فريق بحثي بقيادة Kate Adamala يصنع أول خلية حية من مكونات غير حية تنمو وتتكرر مثل الخلايا الطبيعية خطوة ثورية في علم الأحياء الاصطناعية تفتح آفاق لعلاجات وابتكارات بيولوجية جديدة خَبَرَيْن

خلايا اصطناعية مضيئة تحت المجهر تظهر نمو وتكاثر نموذج أولي لخلية حية مبنية كيميائياً في أبحاث علم الأحياء الاصطناعية.
تشبه SpudCell الخلية الطبيعية لكنها ليست مطابقة للخلايا الموجودة في الطبيعة. أورايون فينيرو/مختبر آدامالا
التصنيف:علوم
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail
  • لطالما حلم العلماء ببناء خليةٍ حيّة من الصفر لا بتعديل خليةٍ موجودة، بل بتجميعها قطعةً قطعة من مكوّناتٍ كيميائية غير حيّة. وهذا تحديداً ما أعلنت Kate Adamala، عالمة الأحياء الاصطناعية وأستاذة في جامعة Minnesota، أنّها أنجزته مع فريقها البحثي. الخلية التي بنتها قادرةٌ على التغذّي والنموّ والتكاثر كما تفعل الخلايا الطبيعية، وهو ما يُمثّل إن تأكّد نقطة تحوّلٍ في علم الأحياء الاصطناعية (Synthetic Biology)، وقد يفتح الباب أمام توليد كائناتٍ مُصمَّمة خصيصاً لتعمل كآلاتٍ بيولوجية.

الخلية المُصنَّعة ليست نباتيةً ولا حيوانية، لكنّها تُشبه في بنيتها بكتيريا بدائية بسيطة. وعلى الرغم من أنّها نموذجٌ أوّلي هشٌّ ومحدود القدرات، فإنّها قد تُساعد العلماء على فهم أفضل لأصول الحياة، وقد تُمهّد مستقبلاً لحلولٍ بيولوجية لبعض أعقد المشكلات الصحية والبيئية.

تقول Adamala: «أعرف القائمة الكاملة لمكوّنات هذه الخلية، وأعرف بالضبط ما هي المواد الكيميائية والجزيئات وتركيزاتها. إنّها مُعرَّفة تعريفاً كاملاً، وهذا يعني أنّنا نستطيع هندستها.»

سياقٌ علمي: لماذا يهمّنا هذا؟

لعقودٍ طويلة، اعتمد العلماء على هندسة الخلايا الطبيعية لحلّ مشكلاتٍ إنسانية. المثال الأشهر هو إدخال جين الإنسولين البشري في خلايا بكتيريا E. coli لإنتاج الإنسولين وعلاج السكّري. أمّا الخلايا الاصطناعية فتُمثّل الحدود التالية في هذا المجال؛ إذ قد تُفضي إلى علاجاتٍ جديدة للسرطان، أو طرقٍ مبتكرة لاحتجاز الكربون أو تصنيع المواد الكيميائية.

والخلايا تذكيراً هي اللبنات الأساسية للحياة، لكنّها بعيدةٌ كلّ البعد عن البساطة. جسم الإنسان وحده يحتوي على 37 تريليون خلية، وهو عددٌ يفوق عدد النجوم المرئية في السماء، ولا يزال العلماء يجهلون آليات عمل كثيرٍ من أنواعها.

يقول Yuval Elani، الأستاذ المشارك في التقنيات الكيميائية الحيوية بـ Imperial College London، والذي لم يشارك في البحث: «بناء خليةٍ من الصفر يعني أنّك لم تعد مقيّداً بقيود الأحياء الطبيعية وإرثها التطوّري. إنّه يفتح إمكانية تصميم أنظمة وبرمجتها لتؤدّي وظائف قد لا تستطيع الخلايا الحيّة أداءها بسهولة، أو لا تستطيعها أصلاً.»

ويُضيف: «في نظري، هذا تقدّمٌ حقيقي في المسعى الطويل الأمد للإجابة عن سؤال: هل يمكن تنظيم المواد الكيميائية بصورةٍ مُقنعة لدرجةٍ تجعلنا نُسمّيها حياة؟»

تجدر الإشارة إلى أنّ علم الأحياء الاصطناعية يختلف اختلافاً جوهرياً عن أبحاث الخلايا الجذعية، التي تعتمد على إعادة برمجة خلاياٍ موجودة مُشتقّة من مصادر بيولوجية حيّة.

مراحل انقسام الخلية الاصطناعية SpudCell التي طوّرها فريق Kate Adamala، تظهر تكاثر خلية حية بسيطة في علم الأحياء الاصطناعية.
Loading image...
تقنيات التصوير المعتمدة على الفلورة تُظهر خلية سبود وهي تخضع للانقسام. كيت أدامالا/مختبر أدامالا

«كائنٌ ضعيفٌ بشكل لافت»

أطلقت Adamala على خليتها اسم «SpudCell»، جزئياً على سبيل المزاح لأنّها لم تُرد تسميتها باسمها، وهو أيضاً تلاعبٌ بكلمة Sputnik، القمر الاصطناعي الروسي الذي أطلق عصر الفضاء في خمسينيات القرن الماضي.

تقول Adamala: «نأمل أن نكون فعلاً في بداية عصر الاقتصاد الحيوي الحقيقي، وأن نُتيح تقنيةً تُمكّن الناس من هندسة الأحياء.»

في يوم الأربعاء، نشرت Adamala وزملاؤها الورقة العلمية التي تُفصّل آلية عمل SpudCell، وإن كانت لم تُنشر بعد في مجلّةٍ علمية مُحكَّمة وهو تمييزٌ جوهري ينبغي مراعاته عند تقييم هذه النتائج. قالت Adamala إنّها ستُقدَّم للنشر خلال الأسبوع ذاته. وإلى جانب عالِمَين آخرَين هما Drew Endy وJan Jedryszek، ورجل الأعمال التقني Chris Raggio، أسّست Adamala مؤسّسةً ذات نفعٍ عام تحت اسم Biotic، تهدف إلى تطوير قدرات الخلية الاصطناعية وإتاحتها للباحثين حول العالم.

تتألّف SpudCell من 150 إلى 200 جزيء، وتتغذّى وتنمو وتتكاثر لنحو خمسة أجيال. وهي أقلّ تعقيداً بكثيرٍ من الخلية البيولوجية التي تحتوي على ملايين الجزيئات، بل مليارات منها في بعض الحالات.

وصفت Adamala خليتها بأنّها «كائنٌ ضعيفٌ بشكل لافت، لا يكاد يفعل شيئاً في الوقت الراهن سوى الأكل وإنتاج خليةٍ وليدة بين الحين والآخر.» كلّ جيلٍ يحتاج إلى تغذية، ويستغرق نحو 12 ساعة للتكاثر عند درجة حرارة 30 درجة مئوية. وللمقارنة، تنقسم بكتيريا E. coli كلّ 30 دقيقة.

الجينوم (Genome) الخاصّ بـ SpudCell أصغر بكثيرٍ من جينوم الخلية الطبيعية، إذ يحتوي على 90,000 زوجٍ قاعدي، في حين يبلغ جينوم E. coli 4.6 مليون زوجٍ قاعدي. وعلى الرغم من قدرتها على التكاثر، تعتمد SpudCell على آليةٍ مختلفة عن الخلية الطبيعية؛ فبدلاً من الهيكل الخلوي (Cytoskeleton) الذي تفتقر إليه، تُنتج بروتيناتٍ تتكدّس عند الغشاء الخلوي وتُجبره على الانقسام.

كذلك تعجز SpudCell عن تصنيع ريبوساماتها (Ribosomes) الخاصّة وهي مكوّناتٌ أساسية في الخلية الطبيعية لإنتاج البروتينات وتعتمد بدلاً من ذلك على ريبوسامات E. coli تُوفَّر لها عبر التغذية.

تقول Adamala: «هذا مجرّد البداية. إنّها منصّةٌ نأمل البناء عليها، وهذا أمرٌ مهمّ لأنّ لدينا الآن تصوّراً معقولاً عن كيفية المضيّ قُدُماً.»

عالمة الأحياء الاصطناعية كيت آدمالا بابتسامة أمام مبنى جامعي، رائدة في بناء خلايا حية اصطناعية من الصفر.
Loading image...
أطلقت كيت آدمالا على ابتكارها اسم "سبادسيل"، وهو اسم مستوحى من "سبوتنيك"، القمر الصناعي الروسي الذي أطلق عصر الفضاء. مؤسسة هوفر/باتريك بودوين

يرى Elani أنّ SpudCell لا تُحاكي الخلية الطبيعية بدقّةٍ تامّة، لكنّ ذلك ليس بالضرورة عيباً. يقول عبر البريد الإلكتروني: «بعض هذه السلوكيات الشبيهة بالحياة تتحقّق عبر آلياتٍ مختلفة تماماً عمّا تستخدمه الأحياء الطبيعية. وهذا مهمّ، لأنّ علم الأحياء الاصطناعية لا يهدف دائماً إلى المحاكاة؛ فأحياناً يُتيح لنا فعل الأشياء بطريقةٍ مختلفة وبمسالك أقصر.»

وصف عدد من العلماء غير المشاركين في البحث هذا العمل بأنّه تقدّمٌ مثيرٌ للاهتمام. وقالت Elizabeth Strychalski، قائدة مجموعة بحثية في المعهد الوطني الأمريكي للمعايير والتقنية (NIST)، إنّ SpudCell تقع في منطقةٍ وسطى بين «كومةٍ من المواد الكيميائية وخليةٍ متطوّرة طبيعياً»، و وصفت البحث بأنّه «مهمٌّ ومثيرٌ للإعجاب» وسيكون «مفيداً للغاية».

أمّا Tom Ellis، أستاذ هندسة الجينوم الاصطناعي في Imperial College London، فوصف الخلية بأنّها «على الأرجح أكبر اختراقٍ في المجال في الآونة الأخيرة».

وقال Ellis عبر البريد الإلكتروني: «بناء خليةٍ اصطناعية يُساعدنا على فهم الحدّ الأدنى من المتطلّبات اللازمة للحياة، وكيف يمكن أن تكون الحياة قد نشأت من الكيمياء وهو سؤالٌ رائعٌ يستحقّ البحث.»

في المقابل، أشار Chenli Liu، الأستاذ المتميّز في معاهد Shenzhen للتقنية المتقدّمة والمدير المؤسّس لمختبر الصين الرئيسي للأحياء الاصطناعية الكمّية، إلى أنّ أبحاث الخلايا الاصطناعية مجالٌ مثيرٌ ومتطوّر بسرعة، غير أنّه أكّد أنّه لا يمكن إصدار تقييمٍ موضوعي للعمل قبل نشره في مجلّةٍ علمية مُحكَّمة وهو تحفّظٌ منهجيٌّ وجيه.

هل هي حياة؟

من أبرز ما توصّل إليه الباحثون أنّ SpudCell تخضع لقوى الانتقاء الطبيعي (Natural Selection)، أي العملية التي تُصبح بموجبها بعض الصفات أكثر شيوعاً أو أقلّ. حين أدخلوا تعديلاً جينياً يزيد من إنتاج بروتين النموّ، نمت الخلايا الحاملة له وانقسمت بسرعةٍ أكبر. بيد أنّ هذا التعديل أُدخل من الخارج ولم ينشأ عن طفرةٍ جينية عفوية، وبالتالي لا يمكن القول إنّ SpudCell «تتطوّر» بالمعنى الدقيق.

ولا تُعدّ SpudCell حياةً بالمعنى الكامل، وفق Drew Endy، الأستاذ المشارك في هندسة الأحياء بجامعة Stanford والمؤسّس المشارك لـ Biotic. يقول Endy: «لا نفهم الحياة فهماً كاملاً بعيداً عن ذلك. لا نملك قدرةً مطلقة على التحكّم بالمادة لصنع الأشياء. أقول إنّ Kate بنت خليةً، لكنّني لا أعتقد أنّها خلقت حياة.» وضرب مثلاً بأنّ الفيزيائيين لا يفهمون تماماً أسرار الجاذبية، ومع ذلك يستطيع المهندسون بناء الجسور.

في صورتها الراهنة، أكّد Endy أنّ SpudCell لا تُشكّل أيّ خطرٍ على السلامة البيولوجية، ولا يمكن توظيفها لصنع سلاحٍ بيولوجي. يقول: «لا تنقسم إلّا إذا زوّدتها بكلّ شيء، بما في ذلك الريبوسامات. قدرتها على التكاثر خارج هذا السياق تساوي صفراً.»

غير أنّه لا يُخفي القلق المستقبلي: «هل تُبشّر بمستقبلٍ يستطيع فيه مزيدٌ من الناس بناء خلايا؟ نعم. هل ثمّة مخاوف محتملة تتعلّق بالسلامة والأمن؟ نعم. وهل يجب إدارتها بصورةٍ جيّدة؟ بالتأكيد.»

وأشار Adamala وEndy إلى أنّ الطابع التصاعدي في بناء SpudCell يُتيح هندسة ضماناتٍ وقائية في جينومها تحول دون تشكيلها خطراً لو أُطلقت في البيئة. وأضافا أنّ ثمّة طرقاً أسهل بكثيرٍ أمام الجهات ذات النوايا السيئة لصنع كائنٍ مُمرض.

وقد حذّر علماء أيضاً من خطر ما يُسمّى «البكتيريا المرآتية» وهي كائناتٌ اصطناعية تُعكس فيها البنية الجزيئية الموجودة في الطبيعة، مما قد يُعرّض البشر والحيوانات والنباتات لمسبّبات أمراضٍ خطيرة.

عبر Biotic التي ستُرخّص التقنية الأساسية، يأمل Endy وAdamala أن تُصبح SpudCell معياراً عالمياً مشتركاً في علم الأحياء الخلوية الاصطناعية، على غرار نظام التشغيل مفتوح المصدر Linux.

وقالت Laurie Zoloth، أستاذة الدين والأخلاق في جامعة Chicago، إنّ تأسيس Biotic قد يُساعد في معالجة بعض الإشكاليات الأخلاقية التي يطرحها دخول تقنياتٍ جديدة: من يستفيد منها؟ من يُقرّر استخداماتها؟ من يضع الضوابط؟

قالت Zoloth: «سنرى كيف تصمد في صورتها المثالية الأولى. وآمل أن تفعل.»

أمّا Ellis من Imperial College London، فرأى أنّ إطاراً معيارياً مشتركاً ومفتوح المصدر سيُمكّن العلماء من البناء على أعمال بعضهم بصورةٍ أسرع، لكنّه أبدى تحفّظاً: «غير أنّني لستُ متأكّداً من أنّ العمل الوارد في هذه الورقة هو ما سيرغب الجميع في الانضواء تحته.»

وختم بالقول: «بناء خليةٍ اصطناعية هدفٌ مشترك لفرقٍ كثيرة حول العالم، لكنّ مناهجها في التعامل مع هذا الهدف وتعريفها للنجاح تتباين تبايناً كبيراً.»

وأكّدت Adamala أنّ الهدف هو إبقاء تقنية SpudCell الأساسية مفتوحةً لكلّ من يرغب في العمل عليها، مُوضحةً أنّ الأكاديميين والمنظّمات غير الربحية ستتمكّن من استخدامها مجّاناً، في حين سيُطبَّق نظام ترخيصٍ مدفوع على الاستخدام التجاري.

وقالت: «SpudCell في وضعها الراهن لا تستطيع إنتاج أيّ شيءٍ مفيد، وكفاءتها ليست كافية. ما يُثير حماسي هو أنّنا نجمع المجتمع الدولي للعمل على تسريع تطويرها حتّى تُصبح ذات فائدة فعلية.»

أخبار ذات صلة

Loading...
منشأة إطلاق صواريخ فضائية متضررة في مركز كينيدي الفضائي بعد انفجار صاروخ Blue Origin، مما يؤثر على خطط ناسا للهبوط على القمر.

NASA تسعى لتجنب التأخيرات المكلفة في بناء قاعدة قمرية بـ 30 مليار دولار

تسعى NASA لإنشاء قاعدة قمرية دائمة بحلول 2028 عبر مهمات متقدمة وعربات تنقل وطائرات مسيرة تدعم استكشاف القمر. اكتشف كيف تُعيد تشكيل مستقبل الفضاء وكن جزءًا من الرحلة!
علوم
Loading...
موجات تسونامي ضخمة تضرب اليابان بعد زلزال 2011، مدمرة الممتلكات ومسببة الفوضى في المناطق الساحلية.

زلزالٌ ارتدّ من نواة الأرض وأزاح جزيرة بأكملها

في 11 مارس 2011، شهدت اليابان زلزالًا مدمرًا بقوة 9.0 درجة، لكن ما خفي كان أعظم؛ فقد انزاحت البلاد بأكملها نحو الشرق. اكتشف العلماء ظاهرة زلزالية غير مسبوقة. تعرّف على التفاصيل المذهلة لهذا الحدث!
علوم
Loading...
حفريات لحيتان منقارية محفوظة، تظهر تفاصيل عظامها في صورة مظلمة، تعكس اكتشاف مقبرة بحرية في أعماق المحيط الهندي.

حطام الحيتان في أعماق المحيط: اكتشافٌ يُعيد تعريفنا بدورة الحياة البحرية

في أعماق المحيط الهندي، تكمن واحدة من أكبر مقابر الحيتان في العالم، حيث تُغذي الجثث المجتمعات البحرية المتنوعة. اكتشف المزيد عن هذا الموقع الغامض وتأثيره على الحياة البحرية. انقر لتعرف التفاصيل!
علوم
Loading...
قرش أبيض كبير يسبح في أعماق البحر الأبيض المتوسط، محاط بعدد من الأسماك الصغيرة، في مشهد نادر يبرز أهمية حماية الحياة البحرية.

لقطات نادرة لسمكة القرش الأبيض الكبيرة في البحر الأبيض المتوسط التقطتها كاميرا الغواص الشبح

في أعماق البحر الأبيض المتوسط، واجه غواصٌ شجاع قرشاً أبيض كبيراً خلال مهمة إنقاذ الحياة البحرية من شباك الصيد المهجورة. اكتشف لحظة نادرة تستحق التوثيق. تابعوا القصة المثيرة واكتشفوا كيف نواجه التهديدات البحرية!
علوم
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمتكنولوجيااقتصادصحةتسلية