تحول مبنى فاخر في سياتل إلى نموذج إسكان اجتماعي جديد
مبنى فاخر في Seattle يتحول إلى إسكان اجتماعي لدعم الطبقة الوسطى والمنخفضة الدخل في خطوة جديدة لمواجهة أزمة السكن المرتفعة التكاليف. المدينة تستثمر في نموذج مستوحى من فيينا لتوفير مساكن مدعومة للجميع خَبَرَيْن

مبنى من ثمانية طوابق يضمّ 150 وحدة سكنية، يقع في حيّ Belltown العصري في مدينة Seattle يبدو للوهلة الأولى كأيّ مبنى سكني فارهٍ آخر في المدينة.
على بُعد بضعة مبانٍ من سوق Pike Place الشهير، فتح مجمّع Elara at the Market أبوابه قبل ست سنوات، مزوَّداً بفناءٍ خاص مكتظّ بالخضرة، وصالة رياضية، وخزائن لحفظ النبيذ. يسكنه في معظمه موظّفو Amazon، الذين يدفعون ما يزيد على 2,000 دولار شهرياً مقابل شقّة بغرفة نوم واحدة، رغبةً في العيش قريباً من مقرّ الشركة.
غير أنّ هذا المبنى الراقي الذي يمتلك سطحاً يُطلّ على خليج Puget Sound، تحوّل مؤخّراً إلى شيءٍ مختلف تماماً نموذجٍ يستحضر صور الإسكان الحكومي في الولايات المتحدة أو المجمّعات الخرسانية السوفيتية الطراز: مسكنٌ مملوكٌ للدولة، مخصَّصٌ لمستأجرين من ذوي الدخل المتوسط والمنخفض.
ترى مدينة Seattle أنّ نموذج الإسكان الميسور التكلفة خلّف فراغاً حقيقياً للطبقة الوسطى تلك الأسر التي تكسب أكثر ممّا يؤهّلها للفوز بقرعة الإسكان الاجتماعي، لكنّها تعجز عن تحمّل إيجارات السوق الحرّة. وحلّ المدينة هو اعتماد نموذج الإسكان الاجتماعي المستوحى من فيينا، حيث يقطن نحو نصف السكان من مختلف مستويات الدخل في مساكن مدعومة حكومياً.
وهذا ليس الإسكان الحكومي التقليدي الذي بنته الحكومة الفيدرالية الأمريكية لمحدودي الدخل خلال القرن الماضي، وليس أيضاً الإسكان الميسور المعتاد تلك المشاريع التي يموّلها القطاع الخاص بدعمٍ حكومي وإعفاءات ضريبية مقابل إيجاراتٍ أدنى من السوق.
اشترت Seattle Social Housing Developer (SSHD)، الجهة التنموية العامة التي أسّستها المدينة حديثاً، مجمّع Elara هذا الشهر من مالكه الخاص بـ61 مليون دولار.
وفي حين تسعى كثير من المدن والولايات الأمريكية إلى الخروج من أزمة الإسكان عبر تخفيف اللوائح وتحرير قوانين تقسيم المناطق لاستقطاب المطوّرين الخاصّين، تتنامى في الوقت ذاته حركةٌ يسارية تطالب بأن يتولّى القطاع العام بناء الإسكان الاجتماعي. وتُمثّل هذه الصفقة الخطوة الأولى في مسعى Seattle لاقتناء أكثر من 1,000 شقّة وبناء 600 وحدة سكنية اجتماعية جديدة لأسرٍ من شرائح دخلٍ متعدّدة خلال السنوات الخمس المقبلة.
نحو 15 وحدة من وحدات Elara شاغرة حالياً. أجرت الجهة التنموية قرعةً لشغلها بمتقدّمين لا يتجاوز دخلهم 50% من متوسّط دخل المنطقة أي 65,000 دولار لأسرة مؤلّفة من شخصين. كما جمّدت الإيجارات على المستأجرين الحاليين بأسعار السوق لمدّة عامين. لن يُطرد أحد، لكنّ الشقق التي تُخلى تدريجياً ستُسكَن بمستأجرين من ذوي الدخل المتوسط والمنخفض.
Bilal Durrani، الذي يعمل مديراً في Amazon ويقطن شقّة بغرفة نوم واحدة بمساحة 600 قدم مربعة في Elara منذ عامٍ، فوجئ حين وصله خطابٌ بالبريد من مالكه الجديد.
تساءل عمّا إذا كانت الملكية العامة ستؤثّر على إيجاره أو تغيّر طبيعة السكّان في المبنى.
لكنّه أبدى ارتياحه لتجميد الإيجار والإعفاء من رسوم التخزين، ووصف نفسه بأنّه سعيدٌ بأن يكون جزءاً من هذه التجربة في الوقت الراهن على الأقلّ متفائلاً بأن يُسهم الإسكان الاجتماعي في تخفيف الضغط على من يعانون من أعباء السكن في المدينة.
وقال: "الناس دائماً يصابون بالقلق حين تتدخّل الحكومة، لكنّني سعيدٌ بأنّ المدينة تفعل شيئاً."
«ثلاث سنوات و60 مليون دولار هُدرت»
حظي الإسكان الاجتماعي بدعمٍ سياسي واسع على الجانب اليساري في Seattle، في ظلّ ارتفاعٍ حادّ في تكاليف السكن. فقد تضاعف متوسّط قيمة المنازل بين عامَي 2012 و2022 ليبلغ 945,000 دولار، فيما قفزت الإيجارات بنسبة 75% لتصل إلى نحو 1,800 دولار شهرياً.
في عام 2023، صوّت الناخبون على مقترحٍ يُنشئ جهةً تنموية عامة لبناء الإسكان الاجتماعي لمن لا يتجاوز دخلهم 120% من متوسّط دخل المنطقة أي ما يعادل نحو 138,000 دولار للفرد.
وفي العام الماضي، أقرّ الناخبون "ضريبة الإسكان الاجتماعي" المخصَّصة لتمويل هذا المشروع، وتُفرض على الشركات كـAmazon وMicrosoft التي تدفع لموظّفيها رواتب سنوية تتجاوز مليون دولار. وستموّل حصيلة هذه الضريبة عمليات الاقتناء والتطوير التي تضطلع بها الجهة التنموية، فيما ستُسهم إيجارات المستأجرين من الدخل المرتفع في دعم نظرائهم من ذوي الدخل المنخفض.
بيد أنّ كثيراً من خبراء التطوير العقاري والمدافعين عن قطاع الأعمال في Seattle وجّهوا انتقاداتٍ حادّة لاستراتيجية الجهة التنموية. يرون أنّها غير فعّالة، وتقودها عناصر ناشطة تفتقر إلى الخبرة في تطوير الإسكان، وأنّها تستنزف موارد كان يمكن توجيهها نحو بناء مساكن لمحدودي الدخل.
أسفرت الضريبة عن 115 مليون دولار هذا العام، ويرى المنتقدون أنّ هذا التمويل يجب أن يُوجَّه نحو بناء مساكن جديدة أو الحفاظ على الشقق الميسورة القائمة لصالح المستأجرين من ذوي الدخل المنخفض. وتُفيد عشرات مؤسّسات الإسكان الميسور الربحية وغير الربحية في Seattle بأنّها تُسجّل خسائر وباتت تبيع ممتلكاتها، ممّا يُهدّد بتحوّلها إلى شقق بأسعار السوق الحرّة.
وقالت Jamie Madden، المستشارة في تطوير الإسكان الميسور في Seattle ومؤلّفة كتاب "Bittersweet Lane: Creating Home(s) in the American Affordable Housing Crisis": "أعتقد أنّ Seattle Social Housing Developer يجب أن تطوّر إسكاناً اجتماعياً فعلياً. لقد أهدرت ثلاث سنوات و60 مليون دولار، ولم تُقدّم سوى تجميد للإيجارات لمستأجرين ليسوا من ذوي الدخل المنخفض، و15 شقّة جديدة."
حدود نموذج الإسكان الميسور
يمثّل نموذج Seattle قطيعةً واضحة مع آليّة تمويل الإسكان الميسور التي اعتمدت عليها الحكومة الفيدرالية الأمريكية منذ ثمانينيات القرن الماضي، وتقوم على برنامج الإعفاء الضريبي للإسكان منخفض الدخل (LIHTC)، الذي يمنح إعفاءاتٍ ضريبية للشركات الخاصة التي تبني مساكن لمحدودي الدخل.
يرى المدافعون عن الإسكان الاجتماعي أنّ هذا النموذج بات عاجزاً. فتمويل LIHTC محدودٌ سنوياً، والمشاريع الممولة بموجبه مقيَّدة بشروط دخلٍ صارمة، إذ لا يحقّ عادةً للمستأجرين الذين يتجاوز دخلهم 80% من متوسّط دخل المنطقة الاستفادة منه. يُضاف إلى ذلك أنّ الإعفاءات الضريبية تنتهي عادةً بعد 15 أو 30 عاماً، وعندها يحقّ لمالك المبنى البدء في فرض إيجارات السوق الحرّة.
كانت مقاطعة Montgomery في ولاية Maryland الضاحية الراقية المجاورة للعاصمة واشنطن السبّاقة إلى اعتماد نموذج الإسكان الاجتماعي الذي تسعى Seattle ومدنٌ أمريكية أخرى إلى تكراره.
استخدمت المقاطعة صندوقاً بقيمة 100 مليون دولار لتمويل مشاريع تنموية متعدّدة الاستخدامات ومتنوّعة الدخل، دون الحاجة إلى إعفاءات LIHTC أو غيرها من دعم الإسكان الميسور. وقد افتُتح أوّل هذه المباني، Laureate، عام 2023 مزوَّداً بمسبحٍ في الفناء وقاعة سينما وصالة رياضية.
وقالت Tiffani McCoy، المديرة التنفيذية المؤقّتة لـSeattle Social Housing Developer: "لقد استلهمنا تجربتهم كثيراً."
غير أنّ مسيرة الإسكان الاجتماعي في Seattle لم تخلُ من عثرات منذ تأسيس الجهة التنموية عام 2023. فقد شهد مجلس إدارتها تغييراتٍ متعاقبة، وأُقيل مديرها التنفيذي الأوّل في يناير الماضي، لتحلّ McCoy محلّه.
أرادت الجهة التنموية اقتناء مبنىً فاخر في حيٍّ نابض بالحياة، بهدف دحض الفكرة القائلة إنّ ذوي الدخل المحدود "لا ينبغي أن يحصلوا إلّا على مساكن أدنى جودة"، وفق ما أوضحته McCoy. كما أنّ هذا الخيار ينطوي على مخاطر أقلّ مقارنةً بشراء عقارٍ متعثّر يحتاج إلى إصلاحاتٍ بملايين الدولارات.
لكنّ McCoy أكّدت في نهاية المطاف أنّ الأمر يتعلّق بالنظر إلى السكن باعتباره خدمةً عامة كالمكتبات والطرق.
وقالت: "لا نريد الاعتماد على السوق الخاصة التي تسعى في نهاية المطاف إلى تحقيق الربح من المستأجرين. نحتاج في هذا البلد — كما في دولٍ أخرى حول العالم إلى نموذجٍ يُعامل السكن باعتباره بنيةً تحتية عامة."
أخبار ذات صلة

القاهرة تستقبل المونوريل الجديد: حداثةٌ لم تقنع السكّان بعد

كنائس أوروبية كبيرة وجريئة ومصنوعة من الخرسانة: لماذا تتحدى هذه الكنائس التقاليد؟
