خَبَرَيْن logo

ترامب والانتصارات المثيرة بين الواقع والوهم

ترامب يعلن انتصارات كبيرة في السياسة الداخلية والخارجية لكن هل تصمد أمام الزمن؟ المحكمة العليا حليف متقلب والعالم يشهد تراجعاً في ثقة الحلفاء وسط فوضى ترامب المعلنة خَبَرَيْن يكشف التفاصيل والتحديات.

دونالد ترامب يقف أمام علم أمريكي يحتفل بالذكرى الـ250 لتأسيس الولايات المتحدة، معبرًا عن انتصاراته السياسية في المحكمة العليا والسياسة الخارجية.
الرئيس دونالد ترامب يغادر المنصة بعد إلقاء كلمة في تجمع لافتتاح معرض الولايات الأمريكية الكبرى في الناشونال مول بالعاصمة واشنطن، 24 يونيو 2026. إيفان فوتشي/رويترز
التصنيف:سياسة
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

ثمّة مشهدٌ يتكرّر في خطابات دونالد ترامب: الرجل يُعلن الانتصار، ويُعدّد المكاسب، ويُلمح إلى أنّ الأمريكيين باتوا يفوزون حتى كادوا يتعبون من الفوز. في خطابه أمام الكونغرس في فبراير الماضي، ارتجل ترامب إحدى عباراته المفضّلة بصوتٍ مسرحي: "من فضلكم، من فضلكم، يا سيادة الرئيس، نحن نفوز كثيراً، لم نعد نحتمل أكثر من هذا." والآن، بعد حربٍ واحدة، وجملةٍ من أحكام المحكمة العليا الكبرى، وسيلٍ لا ينقطع من التغريدات في ساعات الليل المتأخرة، يُعلن Trump أكبر انتصاراته حتى الآن: أنّه أعاد أمريكا إلى عظمتها في الذكرى المئوية والخمسين لتأسيسها.

لكنّ السؤال الجدير بالتأمّل ليس ما إذا كان ترامب يؤمن بما يقوله فهو يؤمن به دون شكّ بل ما إذا كانت هذه الانتصارات تصمد أمام اختبار الزمن، أو تبقى مجرّد ضجيجٍ يتلاشى بمجرّد أن يُغادر البيت الأبيض.

المحكمة العليا: حليفٌ متقلّب

يُسارع ترامب إلى احتساب كلّ حكمٍ من أحكام المحكمة العليا في خانة المكاسب، وهو ما يحمل قدراً من الصحة. فالأغلبية اليمينية في المحكمة وسّعت صلاحيات الرئاسة، جزئياً لأنّها تُشاطر Trump رؤيته لسلطة تنفيذية أقوى. وقد منحته المحكمة انتصاراتٍ سياسية واسعة في ملفّ الهجرة تحديداً، إذ قيّدت الأسبوع الماضي دور المحاكم في البتّ بقضايا حاملي وضع الحماية المؤقتة من دولٍ كسوريا وهايتي. وفي انتصارٍ آخر لإدارته هذا الموسم، أجازت للمحكمة إحياء سياسةٍ مثيرة للجدل تستهدف تقليص طلبات اللجوء عند منافذ الدخول.

غير أنّ المحكمة ذاتها اقتطعت من قائمة أمنيات حركة MAGA ركيزتين أساسيتين. فقد أسقطت الحرب التجارية لـ Trump بحكمها في فبراير القاضي بأنّ القانون لا يُجيز للرئيس فرض رسومٍ جمركية بصورةٍ منفردة. وفي الثلاثاء، أطاحت بهدفٍ هجرويٍّ جريء، إذ ألغت المرسوم التنفيذي القاضي بإنهاء حقّ الجنسية بالولادة. وكان رئيس المحكمة John Roberts صريحاً في صياغته: "كانت نيّة واضعي التعديل الرابع عشر للدستور بيّنةً تماماً"، وكتب في حيثيات الحكم: "نحن نُوفي بهذا الوعد اليوم."

ولنمنح الحجّة المقابلة حقّها: المحكمة العليا ليست عائقاً أمام ترامب، بل هي في أغلب الأحيان حليفٌ انتقائي يُحدّد الخطوط التي لا يُمكن تجاوزها حتى لرئيسٍ يرى في الدستور وثيقةً مرنة. وهذا التوتّر بين الطموح الرئاسي والقيد الدستوري ليس جديداً في التاريخ الأمريكي، لكنّه نادراً ما اتّخذ هذه الحدّة.

ترامب يرى العالم يُصفّق له، والمنتقدون يرون العكس

على الصعيد الخارجي، يُصرّ ترامب على أنّه يُحقّق انتصاراتٍ غير مسبوقة. "الجميع يحترمنا. لم يعد أحدٌ يضحك علينا"، قال عند افتتاح معرض "Great American State Fair" الأسبوع الماضي. "لسنا أضحوكةً بعد الآن. نحن الدولة الأقوى في العالم."

إن كان جعل أمريكا القوّة الأكثر إثارةً للقلق والتوقّع في العالم يُحسب انتصاراً، فربّما يكون محقّاً. لكنّ بالمقاييس التقليدية للقيادة الدولية، يبدو المشهد مختلفاً: الولايات المتحدة في عزلةٍ متزايدة، وثقة الحلفاء بها في تراجع، والتساؤلات تتصاعد حول موقعها النسبي في موازين القوى.

يستشهد ترامب بالعملية الخاصة التي أسفرت عن اعتقال الرئيس الفنزويلي Nicolás Maduro دليلاً على القوة الأمريكية الفريدة. بيد أنّ هذا الغرور الاستراتيجي ربّما أوقعه في حربٍ مع إيران، بدأت بنجاحاتٍ عسكرية ثمّ تحوّلت إلى مراوحةٍ في المكان. ومذكّرة التفاهم التي أُبرمت لإنهاء الحرب تمنح طهران مكاسبَ كبيرة مقابل القليل. والجمهورية الإسلامية لن تلتزم فعلياً إلّا إذا أثبتت امتثالاً كاملاً لادّعاء Trump بأنّها تخلّت نهائياً عن أسلحتها النووية وهو شرطٌ يصعب التحقّق منه.

في المقابل، سيحتفل ترامب الأسبوع المقبل في قمّة NATO في تركيا بالزيادات الكبيرة في الإنفاق الدفاعي لدول الحلف. وقد حضر الأمين العام Mark Rutte إلى المكتب البيضاوي الأسبوع الماضي حاملاً رسماً بيانياً أسماه "تريليون ترامب"، وقال أمام الصحفيين: "هذا رئيسكم، وهو أيضاً زعيم العالم الحرّ الذي يتولّى دور القيادة كما ينبغي."

ولكن هل هذا صحيحٌ فعلاً؟ ثمن هذا الانتصار باهظ. التحالف الأطلسي الذي حسم الحرب الباردة يمرّ بأزمة ثقة عميقة. ويتشاجر ترامب مع عددٍ من زعماء الحلفاء الذين كان يُكنّ لهم ودّاً في السابق، بمن فيهم رئيسة الوزراء الإيطالية Giorgia Meloni.

إيلون ماسك يرتدي بدلة رسمية ويبتسم مع رفع يديه في حدث رسمي، مع خلفية مبنى حكومي، في سياق مناقشة تأثير ترامب على السياسة الأمريكية.
Loading image...
إيلون ماسك يلوح مودعًا بعد حضوره مراسم استقبال للرئيس الأمريكي دونالد ترامب مع الرئيس الصيني شي جين بينغ في قاعة الشعب الكبرى في بكين بتاريخ 14 مايو 2026. إيفان فوتشي/رويترز

الفوضى بوصفها انتصاراً

لكنّ التشقّقات سمةٌ جوهرية في ظاهرة Trumpism، لا استثناءٌ عارض.

يرى مؤيّدو ترامب في الفوضى ذاتها علامةً على رئاسةٍ منتصرة. يستمتعون بسقوط النخب في واشنطن والعواصم الغربية. وقد يبدو مشروع Elon Musk لتفكيك أجزاءٍ واسعة من الحكومة الفيدرالية المعروف بـ DOGE فاشلاً في نظر المنتقدين. لكنّه في الحقيقة يُجسّد ما أعلنه Steve Bannon في الأيام الأولى من الولاية الأولى: "تفكيك الدولة الإدارية." وحين يُقيّم حكماء واشنطن Trump بمعاييرهم التقليدية، فإنّهم يستخدمون مقياساً لا يعترف به MAGA أصلاً.

غير أنّ "الانتصارات" بمفهوم ترامب تُخلّف في أغلب الأحيان خراباً حقيقياً: قيمٌ ديمقراطية مُهدَرة، وتبعاتٌ إنسانية لا يمكن تجاهلها. فقد لقي Renee Good وAlex Pretti وهما مواطنان أمريكيان حتفهما برصاصٍ خلال احتجاجاتٍ على حملات مداهمة المهاجرين في ولاية Minnesota. أمّا Musk، أغنى رجلٍ في العالم، فقد احتفل بإطاحته بالوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (USAID) وهي وكالةٌ ربّما كانت مترهّلة في هيكلها، لكنّها أنقذت ملايين الأرواح، وجسّدت القيم الأمريكية في دول الجنوب العالمي، وبنت للولايات المتحدة رصيداً من القوة الناعمة يصعب تعويضه.

مقياسٌ أكبر من العقارات

كتب ترامب في كتابه "فنّ الصفقة" أنّ ميزته تكمن في أنّه "يُفكّر بحجمٍ كبير" بينما "معظم الناس يُفكّرون بحجمٍ صغير" لأنّهم "يخشون الفوز." وهذه المعادلة قد تنجح في سوق العقارات. لكنّ السؤال الذي يفرض نفسه: هل هي مقياسٌ مناسب للحكم على رئاسة؟

الصورة الاقتصادية الراهنة تحمل تناقضاتٍ لافتة. بالمؤشرات التقليدية معدّلات البطالة، ونموّ الناتج المحلي الإجمالي، والتضخّم الذي يبقى أعلى من المستوى المثالي لكنّه أدنى بكثيرٍ من ذروته في عهد إدارة Biden يبدو الاقتصاد متيناً. وأعضاء مجلس الوزراء يقيسون النجاح بالأرقام المالية؛ فقد صاحت وزيرة العدل السابقة Pam Bondi ذات مرة: "مؤشر Dow تجاوز 50,000 الآن!"، كأنّ ارتفاع أسعار الأسهم وحده يكفي رداً على كلّ الانتقادات.

لكنّ الناخبين يرون الاقتصاد من زاويةٍ مختلفة تماماً: يُفكّرون في إيجار الشقة، والرعاية الصحية، وفاتورة البقالة، وتكلفة رعاية الأطفال. وإذا أفضى استهزاء ترامب بهموم القدرة الشرائية إلى هزيمة الجمهوريين في انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر، فسيكون من العسير وصف رئاسته بالانتصار. وأرقام شعبيته المتدنّية القياسية قد تكون المؤشر الأصدق على ذلك.

دونالد ترامب يلقي خطاباً أمام الكونغرس مع وجود العلم الأمريكي خلفه، يعكس سياق الحديث عن انتصاراته السياسية والقضائية خلال رئاسته.
Loading image...
ألقى الرئيس دونالد ترامب خطاب حالة الاتحاد في مبنى الكابيتول الأمريكي في واشنطن بتاريخ 24 فبراير 2026، بينما كان نائب الرئيس جي دي فانس ورئيس مجلس النواب مايك جونسون يستمعان. تصوير مات رورك/أسوشيتد برس

حكم التاريخ أصعب من حكم استطلاعات الرأي

حين تنتهي الرئاسات، لا يتذكّرها التاريخ إلّا بمحطّاتٍ كبرى قليلة.

المؤرّخون في المستقبل سيجدون أنفسهم أمام تساؤلٍ عسير: كيف استطاع ترامب أن يستحوذ على وجدان الأمة لعقدٍ كامل؟ لكنّ الأجيال القادمة لن تحكم عليه بمقياسه هو. ستضعه في الميزان إلى جانب Abraham Lincoln الذي أنقذ الاتحاد، وFranklin Roosevelt الذي تغلّب على الكساد الكبير وقاد أمريكا إلى النصر في الحرب العالمية الثانية.

التاريخ لا يكتفي بالاضطراب الكبير. سيسأل: هل بقيت انتصارات ترامب بعيداً عن التوسّع الذي لا يُنكر في صلاحيات الرئاسة راسخةً في الواقع، أم أنّها تبخّرت مثلما يتبخّر مادة العزل التي طُليت بها أحواض نصب Lincoln التذكاري بعد تجديده؟

هذا هو السؤال الذي لا يملك ترامب إجابةً عنه بعد. وهو السؤال الوحيد الذي يستحق أن يُطرح.

أخبار ذات صلة

Loading...
امرأة تحمل علمًا أحمر وسط مجموعة من المتظاهرين في السويد، تعبيرًا عن احتجاجات ضد قوانين الهجرة الصارمة.

السويد تشدّد سياسة الهجرة: «لم أرتكب خطأ» وحياةٌ تنقلب رأساً على عقب

تغييرات قوانين الهجرة في السويد تهدد آلاف المهاجرين بالإبعاد رغم جهودهم للاندماج. اكتشف كيف تؤثر هذه السياسات الجديدة على حياتهم ومستقبلهم في بلدهم الجديد. تابع التفاصيل الآن.
سياسة
Loading...
جلسة مجلس الشعب الوطني الجزائري مكتظة بالأعضاء وسط أعلام الجزائر، تعكس الاستعدادات للانتخابات التشريعية في يوليو 2023.

الجزائر تصوّت لاختبار المشهد السياسي بعد الحراك

يستعد الجزائريون لانتخابات 2 يوليو في اختبار حاسم للمشاركة السياسية بعد حراك 2019 وسط تحديات اقتصادية وضغوط سياسية. اكتشف تفاصيل المشهد الانتخابي وشارك بصوتك لتعزيز التغيير.
سياسة
Loading...
المحامي جون يو يرتدي بدلة زرقاء يقف أمام مبنى رسمي، مشارك كمستشار في تحقيق وزارة العدل الأمريكية حول ترامب.

تحقيق في خصوم ترامب: خبير دستوري محافظ يتولى الإشراف

انضمام المحامي John Yoo لتحقيق ضد ترامب يثير جدلاً قانونياً وسياسياً، مع تسليط الضوء على دوره في قضايا الأمن القومي. اكتشف التفاصيل وكيف يؤثر ذلك على مستقبل التحقيقات!
سياسة
Loading...
تظهر الصورة مبنى سكني متضرر في منطقة حضرية، حيث تضررت واجهته العلوية بفعل انفجار أو قذيفة، مع وجود دخان يتصاعد من الأعلى.

إيران والولايات المتحدة: ماذا يقول البند الخامس من التفاهم حول مضيق هرمز؟

في خضم التوتر المتصاعد، يواجه مضيق هرمز أزمة تهدد الملاحة التجارية العالمية. هل ستنجح مذكّرة التفاهم في تهدئة الأوضاع، أم أن التصعيد مستمر؟ تابعونا لاكتشاف المزيد حول هذا الصراع الجيوسياسي المعقد.
سياسة
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمتكنولوجيااقتصادصحةتسلية