تصعيد خطير في مضيق هرمز يهدد الأمن البحري العالمي
توتر متصاعد في مضيق هرمز بين إيران والولايات المتحدة بعد ضربات متبادلة تهدد مذكرة التفاهم الهشة حول المرور الآمن للسفن التجارية. هل تنهي الأزمة الاتفاق أم تبقى فرصة للحل السلمي؟ تابع التفاصيل على خَبَرَيْن.

مشهدٌ لم يكن أحدٌ يريد أن يراه: سفينةٌ تشقّ مضيق هرمز وتُصاب بضربة، ثمّ ردٌّ أمريكي، ثمّ ردٌّ إيراني، وهكذا دواليك — دوّامةٌ من الضربات المتبادلة تهدّد بأن تُطيح بمذكّرة التفاهم الهشّة التي وُقِّعت بين طهران وواشنطن في 17 يونيو.
كلٌّ من الطرفين يُحمّل الآخر المسؤولية، ويُبرّر تصرّفاته على أنّها ردٌّ مشروع. والأخطر من ذلك أنّ كلاً منهما يتّهم الآخر بانتهاك بنود المذكّرة، ولا سيّما المادة الخامسة التي تكفل المرور الآمن للسفن التجارية عبر المضيق.
نشأ هذا التوتّر أصلاً حول السيطرة على هذا الممرّ البحري الضيّق الذي استخدمته طهران ورقةَ ضغطٍ جيوسياسية في مفاوضاتها. فقبل اندلاع الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران في 28 فبراير، كان المضيق يستوعب مرور نحو خُمس إمدادات النفط العالمية؛ فلمّا أعلنت طهران حصاره فعلياً، اندلعت أزمةٌ طاقوية عالمية. وقد نصّت مذكّرة التفاهم المؤقّتة على إعادة فتح المضيق، غير أنّ طهران تتصادم مع واشنطن حول محاولة الأخيرة إنشاء مسارات بديلة أقرب إلى الجانب العُماني من الممرّ.
بدأت جولة التصعيد الأخيرة يوم الجمعة حين أُصيبت سفينةٌ كانت تحاول العبور بقذيفة، فردّت الولايات المتحدة بضربات على إيران، رغم أنّ طهران لم تُعلن مسؤوليتها عن الهجوم الأوّل.
فما الذي أشعل هذه الجولة تحديداً؟ وهل يقرأ الطرفان نصّ المذكّرة بعيونٍ مختلفة؟
ماذا تقول المادة الخامسة من مذكّرة التفاهم؟
تنصّ المادة الخامسة على إعادة فتح المضيق واستئناف حركة الملاحة التجارية فوراً، وذلك في سياقٍ كانت فيه مئات السفن عالقةً منذ أن أعلنت طهران الحصار إثر بدء الضربات الأمريكية-الإسرائيلية.
وتقول المادة بالنصّ: «ستبذل إيران قصارى جهدها لضمان المرور الآمن للسفن التجارية دون أيّ رسوم لمدة 60 يوماً فقط من الخليج الفارسي إلى بحر عُمان والعكس».
كما تدعو المادة إلى إزالة «العقبات التقنية والعسكرية» وإزالة الألغام من قِبل إيران خلال 30 يوماً، وتُلزم طهران بإجراء حوارٍ مع سلطنة عُمان لتحديد الإدارة المستقبلية للمضيق والخدمات البحرية فيه، بالتشاور مع دول الخليج الفارسي الساحلية وفق القانون الدولي المعمول به.
وقد ظلّت مسألة السيطرة على المضيق عقدةً رئيسية في مفاوضات السلام؛ إذ تحدّثت إيران عن فرض رسوم عبور على السفن، وهو ما رفضته الولايات المتحدة ودول الخليج التي تمرّ صادراتها عبر هذا الممرّ.
وفي هذا الإطار، قال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي خلال زيارته لبغداد: «يظلّ مضيق هرمز تحت الإشراف والإدارة الكاملة لإيران طوال الثلاثين يوماً القادمة، وبعد إزالة جميع العقبات ستُستعاد الطاقة الاستيعابية الكاملة للممرّ. هذا ما نعمل عليه».
وأضاف: «هذه المسؤولية تقع على عاتق الجمهورية الإسلامية الإيرانية. لا يوجد طرفٌ أو دولةٌ أخرى في هذا الشأن. وهذا واضحٌ تماماً بموجب مذكّرة التفاهم، وأيّ تدخّلٍ أو أيّ إجراءٍ أحادي الجانب سيؤدّي إلى تفاقم الوضع وتأخير إعادة فتح المضيق».
هل يقرأ الطرفان المذكّرة بشكلٍ مختلف؟
يرى حسن أحمديان، الأستاذ المشارك في جامعة طهران، أنّ واشنطن تتراجع عن الاتفاقية التي وقّعتها بنفسها في 15 يونيو.
وقال: «الولايات المتحدة تريد ترتيباتٍ مختلفة عمّا نصّت عليه مذكّرة التفاهم التي وقّعتها بنفسها».
وأضاف: «ما نراه هو أنّ الولايات المتحدة تسعى إلى التملّص من هذه المذكّرة مع إلزام إيران بتنفيذ بنودها من جانبها». وأشار إلى أنّ واشنطن فعلت الشيء ذاته في لبنان حين رعت إطاراً اتفاقياً جديداً بين إسرائيل والحكومة اللبنانية.
أمّا المحلّل السياسي المقيم في طهران عباس أصلاني، فيرى أنّ إيران تنظر إلى مضيق هرمز باعتباره رادعاً ضدّ أيّ عدوانٍ أمريكي مستقبلي.
وقال: «إيران ترى في المضيق ورقةَ ضغطٍ لوقف تكرار أيّ جولةٍ جديدة من العدوان على البلاد»، مشيراً إلى أنّ أيّ محاولةٍ لتغيير الوضع هناك «بالقوة» هي «أمرٌ غير مقبول لطهران».
في المقابل، قال Wolfgang Pusztai، المحلّل الدفاعي المقيم في فيينا، إنّ إيران تتمسّك بالسيطرة على المضيق في حين تتمسّك الولايات المتحدة والدول العربية بحرية الملاحة عبره.
وأضاف Pusztai: «لتأكيد موقفها، هاجمت إيران سفنَ المرور مرّتين، ولم يكن ردّ الفعل الأمريكي مفاجئاً في الحقيقة. غير أنّ حجم الردّ الإيراني والضربات الأمريكية لا يوحي بأنّ الطرفين يسعيان إلى تصعيدٍ شامل. لذا يبدو لي أنّ ثمّة فرصةً لا تزال قائمةً لتسويةٍ سلمية لهذه المسألة».
ولم يُقابَل السعي الأمريكي لتنظيم عبور السفن بالتنسيق مع عُمان ومنظمة البحرية الدولية (IMO) بقبولٍ إيراني. فقد حذّرت طهران الأسبوع الماضي من إنشاء مساراتٍ جديدة.
وفي هذا السياق، حذّر الحرس الثوري الإيراني (IRGC) يوم الخميس السفنَ العابرة للمضيق من أنّ المسار «المعتمد» الوحيد هو الممرّ الشمالي في المياه الإقليمية الإيرانية، وأجبر أربع ناقلات كانت تسلك المسار الجنوبي في المياه الإقليمية العُمانية على الرجوع، وفق ما أفاد به نظام رصد حركة الملاحة البحرية Windward AI.
وأشارت Lloyd's List إلى أنّ ثلاث ناقلاتٍ أخرى غيّرت مسارها لكنّها أتمّت عبورها في نهاية المطاف، من بينها ناقلةٌ تحوّلت من المسار الجنوبي إلى الشمالي.
وفي يوم الجمعة، أُصيبت السفينة Ever Lovely التي ترفع علم سنغافورة بطائرةٍ مسيّرة، وتعرّضت السفينة Kiku الرافعة علم بنما لضربةٍ مماثلة يوم السبت.
وقد أسفرت هذه التهديدات والهجمات عن تراجعٍ ملحوظ في حركة العبور: من 70 عبوراً يوم الأربعاء إلى 54 يوم الخميس، ثمّ إلى 40 عبوراً فقط يوم السبت، وفق Windward AI.
ماذا قال الطرفان عن الهجمات الأخيرة؟
أدانت وزارة الخارجية الإيرانية الضربات الأمريكية يومَي الجمعة والسبت، واصفةً إيّاها بأنّها «انتهاكٌ صارخ» لميثاق الأمم المتحدة و«خرقٌ واضح للفقرة الأولى من مذكّرة التفاهم».
وقالت الوزارة: «هذه الهجمات الوحشية... تُثبت أنّ الولايات المتحدة لا تُولي أدنى قيمةٍ أو مصداقية لالتزاماتها».
وأعلن الحرس الثوري الإيراني (IRGC) أنّه أطلق صواريخ باليستية وطائرات مسيّرة على القوات الأمريكية في قاعدة Ali Al Salem الجوية بالكويت ومقرّ الأسطول الخامس الأمريكي في البحرين، رداً على الضربات الأمريكية التي طالت 5 مواقع ساحلية إيرانية. واتّهم الحرس الثوري الولايات المتحدة بانتهاك التزاماتها بموجب المذكّرة، مؤكّداً أنّ الاتفاقية تمنح طهران السيطرة على السفن العابرة للمضيق.
وعلى منصّته Truth Social، أعلن الرئيس الأمريكي Donald Trump يوم الأحد أنّ القوات الأمريكية ضربت «مواقع تخزين الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية ومواقع الرادار الساحلية، بسبب انتهاك اتفاقية وقف إطلاق النار، مجدّداً!»
وكتب: «قد يأتي وقتٌ لن نستطيع فيه بعد الآن أن نكون معقولين، وسنُضطرّ عسكرياً إلى إتمام ما بدأناه بنجاحٍ كبير».
وأضاف: «إن حدث ذلك، فلن تعود الجمهورية الإسلامية الإيرانية موجودة».
وقالت القيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM) إنّها شنّت مزيداً من الضربات رداً على استهداف إيران للناقلة Kiku يوم السبت، بعد يومٍ من إصابة Ever Lovely التي أشعلت الجولة الأمريكية الأولى.
وقالت القيادة المركزية في منشورٍ على X: «شنّت قوات CENTCOM ضرباتٍ اليوم رداً مباشراً على العدوان الإيراني المتواصل على الشحن التجاري».
وفي السياق ذاته، قال نائب الرئيس الأمريكي JD Vance يوم السبت: «وقّعت إيران على اتفاقية وقف إطلاق النار. لقد وفّينا بالتزاماتنا... لكنّ العنف سيُقابَل بالعنف».
وقد أدانت كلٌّ من البحرين والكويت الهجمات الإيرانية لليوم الثاني على التوالي.
أخبار ذات صلة

السويد تشدّد سياسة الهجرة: «لم أرتكب خطأ» وحياةٌ تنقلب رأساً على عقب

ترامب يُعلن سلسلة انتصارات لكن التاريخ يُحاسب

الجزائر تصوّت لاختبار المشهد السياسي بعد الحراك
