مغامرة المونوريل في قلب القاهرة الجديدة
استمتع بتجربة المونوريل الجديد في القاهرة! يوفر وسيلة نقل حديثة تربط بين المناطق الصعبة، مع تكييف ممتاز وأسعار تنافسية. لكن هل سيكون في متناول الجميع؟ اكتشف المزيد عن هذا الإنجاز العمراني وتأثيره على حركة المرور. خَبَرَيْن.






في أحد أيّام الأسبوع في مطلع مايو، صعد محمد عادل إلى قطار المونوريل (Monorail) من محطة مشير طنطاوي، وراح يُتابع بعينيه كيف تنسلّ مشاهد القاهرة خلف الزجاج، واحدةً تلو الأخرى.
مدير المبيعات البالغ من العمر 48 عاماً كان يختبر خطّ المونوريل الجديد مونوريل شرق النيل الذي بات أحدث إضافة إلى منظومة النقل العام في العاصمة المصرية. انتهى به المطاف راضياً عن تجربته القصيرة.
قال: "نظيف، والتكييف كويّس، والتجربة كويّسة، وبتمنّى تفضل على نفس المستوى ده."
دفع محمد 40 جنيهاً مصرياً (0.76 دولار) مقابل رحلةٍ من ستّ محطات من مشير طنطاوي باتّجاه العاصمة الإدارية الجديدة. وبحسابٍ بسيط، يرى أنّ المونوريل يوفّر عليه نحو 200 جنيه مقارنةً بوسائل النقل الأخرى على الخطّ ذاته.
يمتدّ مونوريل شرق النيل على مسافة 56.6 كيلومتراً بين مدينة نصر القريبة من وسط القاهرة والعاصمة الإدارية الجديدة، حيث انتقلت كثيرٌ من الوزارات والجهات الحكومية.
على مقعدٍ قريب، وصفت هند طارق تجربة الارتفاع في القطار بأنّها "قريبة من الإحساس بالطيران"، إذ يسير المونوريل معلّقاً فوق شوارع القاهرة الصاخبة عبر سلسلة من الجسور.
ركبت هند المونوريل بعد افتتاحه للجمهور في 6 مايو، وعدّدت مزاياه بلا تردّد: يربط مناطق يصعب الوصول إليها، ولا سيّما الأحياء الحديثة، ومن شأنه أن يخفّف الضغط عن طرق القاهرة المختنقة بالسيارات. غير أنّ ثمّة عقبات أيضاً؛ فالمسافة إلى أقرب محطة تستلزم رحلةً إضافية، فضلاً عن أنّ المعلّمة البالغة من العمر 28 عاماً تعتبر سعر التذكرة مرتفعاً.
"السعر"، قالت ببساطة حين سُئلت عن السلبيات.
هذا التوتّر بين المونوريل بوصفه إنجازاً عمرانياً حقيقياً وبين كونه خدمةً لا يستطيع كثيرٌ من المسافرين تحمّل تكلفتها، رافق الخطّ منذ يوم افتتاحه.
مدينةٌ كانت بحاجة إلى حلّ
القاهرة واحدة من أكثر 20 مدينة اكتظاظاً بالسكّان في العالم، ويتجاوز عدد سكّانها 10 ملايين نسمة. منذ عقود، تعاني بنيتها التحتية للنقل من عجزٍ متراكم عن مواكبة هذا النموّ، ويُراهن كثيرون على أنّ مونوريل شرق النيل قادرٌ على تقديم إجابةٍ لهذه المعضلة.
تسير القطارات الكهربائية عديمة السائق على ركائز وقضبان مرتفعة، وتتكامل مع شبكات القطار الخفيف (LRT) وخطّ المترو الثالث وحافلات التردّد السريع (BRT)، في سعيٍ إلى تجربة تنقّل أكثر سلاسة.
افتُتحت 16 من أصل 22 محطة في مرحلة التشغيل التجريبي في 6 مايو، فيما تُتوقَّع إضافة المحطات المتبقّية في مدينة نصر خلال شهرين. أمّا مونوريل غرب النيل، الذي يربط الجيزة بمدينة السادس من أكتوبر المحرومة من خطوط السكك الحديدية منذ عقود، فمن المقرّر افتتاحه في سبتمبر.
يرى أسامة عقيل، الخبير الدولي في النقل وأستاذ هندسة الطرق والمواصلات، أنّ الدافع الأساسي وراء المشروع تنموي بامتياز.
وقال :"الدولة رسمت خطّة لحلّ مشاكل المرور وتوسيع الطرق ووسائل النقل. المونوريل والمترو والـ LRT والـ BRT أربعة مشاريع أُطلقت كنموذج للنقل الجماعي، لأنّ مدناً بحجم القاهرة تعاني أزمات مرورية هائلة. والحلّ في العواصم والمدن الكبرى يعتمد أساساً على النقل الجماعي لا على السيارات الخاصة."
تبلغ تكلفة المشروع نحو 2.8 مليار دولار، وقد نُفّذ بالشراكة مع Alstom وشركة المقاولون العرب وOrascom، فيما أهدت Siemens قطاراتها إلى الحكومة المصرية. وقد اختير المونوريل، وفق ما صرّح به وزير النقل كامل الوزير، لأنّه أقلّ تكلفةً من المترو تحت الأرض، ولا يستدعي هدم مبانٍ، ويُحدث أدنى قدرٍ من الإزعاج في الشوارع.
عند الطاقة الكاملة، يستطيع الخطّ استيعاب 600,000 راكب يومياً، ويُتوقَّع وفق الأرقام الرسمية أن يُوجد نحو 20,000 فرصة عمل.
المشهد من داخل العربة
التجربة في حدّ ذاتها لافتة. يمرّ الركّاب فوق أسطح مدينة نصر، ومراكز تسوّق شارع التسعين، وحرم الجامعة الأمريكية في القاهرة، وكمبوندات القاهرة الجديدة الفسيحة، قبل أن تنفتح أمامهم أفق العاصمة الإدارية الجديدة بـ"البرج الأيقوني" ومسجد الفتّاح العليم ومحور النهر الأخضر.
في أيّام الافتتاح، بادر الركّاب الأصغر سنّاً إلى تصوير المشهد المتدفّق أسفلهم ومشاركته على منصّات التواصل الاجتماعي. لجيلٍ اعتاد عربات المترو تحت الأرض وطرق الدائري المزدحمة، كان الأمر يبدو كشيءٍ جديد تماماً.
غير أنّه على الرغم من حداثة التجربة، جاء المشهد في المحطات في الأيّام الأولى على الأقلّ باهتاً نسبياً، مع حضورٍ خفيف للركّاب في العربات خلال ساعات الذروة يوم الثلاثاء.
التذاكر مدرّجة السعر: 20 جنيهاً (0.38 دولار) لخمس محطات فأقلّ، و40 جنيهاً (0.76 دولار) لعشر محطات، و55 جنيهاً (1.05 دولار) لخمس عشرة محطة، و80 جنيهاً (1.53 دولار) للخطّ كاملاً بـ22 محطة.
ثمّة خصمٌ بنسبة 50% للمشتركين من المسافرين المنتظمين، ممّا قد يُخفّف العبء اليومي لمن يلتزم بالاشتراك، إلّا أنّ الأرقام تظلّ ثقيلة حين تُقاس بمستويات الأجور.
الحدّ الأدنى للأجور في مصر 8,000 جنيه شهرياً (نحو 153 دولاراً بأسعار الصرف الحالية). ويبلغ متوسّط الراتب الشهري في القطاع الحكومي نحو 14,660 جنيهاً (281 دولاراً)، فيما لا يتجاوز 5,796 جنيهاً (111 دولاراً) في القطاع الخاص.
بالنسبة لعامل يستخدم الخطّ كاملاً يومياً باشتراك، تبلغ التكلفة الشهرية نحو 1,760 جنيهاً (33.80 دولاراً)، أي ما يعادل نحو 22% من الحدّ الأدنى للأجور، قبل احتساب أيّ تنقّلات إضافية للوصول إلى المحطة. وتوصي الأمم المتحدة بألّا تتجاوز نفقات النقل 15% من إجمالي دخل الأسرة، وهو الحدّ الذي استشهد به عقيل صراحةً.
وقال: "النقل الجماعي يجب أن يكون في متناول جميع شرائح المجتمع وفق قدراتهم المالية."
يتّخذ محمد الشوادفي، أستاذ الإدارة والاستثمار، موقفاً أكثر تدرّجاً. فهو يرى أنّ المونوريل كان ضرورةً هيكلية حين صِيغ تصوّره بين عامَي 2018 و2019، وأنّ مستويات التعريفة الحالية تعكس اقتصاديات المرحلة الأولى لا سياسةً راسخة.
وقال :"الأسعار مش حاجز دلوقتي. لكن مع زيادة الطلب وارتفاع أعداد الركّاب، يمكن الوصول إلى توازن بين التكلفة والاستخدام. اليوم الإقبال قليل فالتكاليف عالية. في المستقبل، حين ترتفع الأعداد وتتوسّع الخطوط، يمكن أن يصبح السعر تنافسياً. وهناك مزايا أخرى تتخطّى النقل لراحة والتكييف والسرعة وتُحدّد قيمة التذكرة."
في المقابل، يرى عقيل أنّ استراتيجية التوسّع الأجدى تكمن في شبكة حافلات التردّد السريع (BRT)، التي انطلقت في يونيو الماضي بتكلفةٍ أقلّ وصيانةٍ أيسر. وبالنسبة للمسافرين الذين لا يستطيعون تحمّل أسعار المونوريل، تبقى الـ BRT والمترو وشبكات النقل غير الرسمية البديلَ العملي، لا سيّما أنّها تخدم ممرّاتٍ لا يصلها المونوريل بعد.
بناءٌ لأيّ قاهرة؟
يربط المونوريل الأحياء القديمة المكتظّة في وسط القاهرة بالمدن الجديدة المنبثقة في الصحراء شرقاً مدنٌ صُمّمت حول الاستثمار والوزارات والشوارع الفسيحة والكمبوندات الراقية. يقول الشوادفي بصراحة: "المونوريل مصنوع لطبقة اجتماعية مختلفة."
هذا التوصيف لا يجعله بالضرورة أمراً لا يمكن تبريره. فالمدن الجديدة تحتاج إلى بنية تحتية جديدة، وخطوط النقل التي تستقطب الاستثمار يمكن أن تُولّد نظرياً عائداتٍ اقتصادية تعود بالنفع على ما هو أوسع من مستخدميها المباشرين.
لكنّ في مدينةٍ لا يزال النقل غير الرسمي يستوعب غالبية رحلاتها اليومية، وحيث ضيّقت موجات التضخّم وتراجع قيمة العملة هامشَ الإنفاق لدى الأسر، يصعب تجاهل الهوّة بين ما يمثّله المونوريل وما يستطيع معظم أبناء القاهرة فعلاً تحمّله.
بالنسبة لمحمد عادل، مدير المبيعات الذي ركبه ذلك الثلاثاء، المنظومة تؤدّي غرضها. أمّا هند التي وجدته جميلاً ومفيداً لكنّه يبقى مكلفاً للاستخدام اليومي، فالحكم أكثر تعقيداً.
قال محمد في ختام حديثه: "بس بتمنّى يفضل نفس مستوى الخدمة والنظام الحالي."
أخبار ذات صلة

الإسكان الحكومي: حل سياتل لأزمة السكن في الطبقة الوسطى

كنائس أوروبية كبيرة وجريئة ومصنوعة من الخرسانة: لماذا تتحدى هذه الكنائس التقاليد؟
