لقاء نادر مع القرش الأبيض في أعماق البحر
غوّاص يلتقي بقرش أبيض كبير في عمق البحر الأبيض المتوسط خلال مهمة لتنظيف الشواطئ. لحظة نادرة تُبرز أهمية حماية الحياة البحرية من شباك الصيد المهجورة. تعرف على التحديات التي تواجه هذه المخلوقات المهددة بالانقراض. خَبَرَيْن.

على عمق يتجاوز 40 متراً تحت سطح البحر الأبيض المتوسط، كان غوّاصٌ متطوّع منهمكاً في انتشال شباك صيدٍ مهجورة من حطام سفينةٍ غارقة، حين وجد نفسه وجهاً لوجه أمام أحد أكثر مخلوقات البحر إثارةً للرهبة: القرش الأبيض الكبير (Great White Shark).
جرى هذا اللقاء في مكانٍ ما بين الشواطئ البيضاء لصقلية والساحل التونسي الوعر، حيث كان Derk Remmers يعمل ضمن فريق متطوّع حين صادف هذا الكائن الاستثنائي.
غوّاصٌ يواجه الخوف بالكاميرا
Remmers عضوٌ في مؤسسة Ghost Diving Foundation، وهي منظمة خيرية يديرها غوّاصون تقنيون متخصّصون في استخراج معدّات الصيد الضائعة والمخلّفات من قاع البحار. يُخصّص Remmers جزءاً كبيراً من وقته لانتشال ما يُعرف بـ"شباك الأشباح" وهي شباك الصيد المهجورة في أعماق البحار قبل أن تتحوّل إلى فخاخ قاتلة للحياة البحرية.
قال Remmers يوم الاثنين: "يقول العلماء إنّ ما بين 3 و10% من معدّات الصيد تُفقد سنوياً في محيطات العالم. وإذا تخيّلتَ كمّ قوارب الصيد التي تغادر الموانئ يومياً، فستدرك أنّ الكمّيات المتراكمة هائلة."
في مايو الماضي، حين هبط Remmers إلى أعماق المحيط في بقعةٍ لا تُرى منها اليابسة، خاض هو وزميله في الغوص تجربةً نادرة بكلّ المقاييس.
ضحك Remmers وهو يروي: "كان ينبغي أن أقول إنّني لم أشعر بأيّ خوف، لكنّ هذا ليس صحيحاً." وأوضح أنّ عقله المنطقي كان يُذكّره بأنّ البشر ليسوا ضمن قائمة فرائس القرش الأبيض، غير أنّ جزءاً آخر منه كان يأمل أن يعلم القرش ذلك هو الآخر.
وأضاف: "كنتُ في أمسّ الحاجة إلى تشغيل الكاميرا، لأنّ أحداً لن يصدّق أنّنا رأينا قرشاً أبيض دون دليلٍ ملموس."
أزاح Remmers غطاء العدسة بسرعة، وارتاح حين وجد الكاميرا التي لم يكن يعتزم استخدامها إلّا في نهاية الغوص تعمل بشكلٍ سليم.
نظّمت هذه المهمّة مؤسسة Healthy Seas، وهي منظمة تُكرّس جهودها لإزالة المخلّفات البحرية وحماية الحياة في المحيطات حول العالم، وجاءت في إطار حملةٍ تستهدف إزالة شباك الأشباح ورصد التنوّع البيولوجي على حطام السفن في البحر الأبيض المتوسط.
قالت Veronika Mikos، مديرة Healthy Seas، في بيانٍ صحفي صدر يوم الاثنين: "ما يجعل هذا اللقاء بالغ الأثر ليس القرش وحده، بل السياق الذي جرى فيه. كنّا هناك لإزالة شباك الأشباح التي تحاصر الحياة البحرية في منظومة بيئية حول حطام سفينة تُعدّ نقطة ساخنة للتنوّع البيولوجي."
وأضافت Mikos: "لحظاتٌ كهذه تُذكّرنا بكمّ الحياة التي لا تزال موجودة في مياه البحر الأبيض المتوسط البعيدة عن الشاطئ، وبأهمّية حمايتها من التهديدات القابلة للتفادي كمعدّات الصيد المهجورة والصيد الجائر."
لقطةٌ تاريخية قد تكون الأولى منذ 40 عاماً
أبدى Remmers بهجةً واضحة بهذا اللقاء النادر مع أحد عمالقة البحار، في وقتٍ تتراجع فيه مشاهدات هذا النوع عاماً بعد عام. وبحسب علمه، لم يسبق لأحدٍ أن وثّق بالفيديو قرشاً أبيض كبيراً في البحر الأبيض المتوسط، ولم تُسجَّل أيّ مشاهدةٍ منذ أكثر من 40 عاماً.
بيد أنّ الواقع الذي تعيشه هذه المخلوقات الرائعة قاسٍ للغاية.
القرش الأبيض: ضحيةٌ لا وحشاً
على الرغم من ضخامة القرش الأبيض الكبير إذ يبلغ طوله حتى 6 أمتار ويزيد وزنه على طنَّين وسمعته المخيفة التي رسّختها أفلامٌ هوليوودية من أبرزها فيلم "Jaws"، فإنّ الإنسان يُشكّل خطراً على القرش أكبر بكثير ممّا يُشكّله القرش على الإنسان.
كثيراً ما يقع القرش ضحيةً للصيد العَرَضي (Bycatch)، إذ يعلق في شباك لم تُنصب له أصلاً فيجد نفسه عاجزاً عن الإفلات، ليواجه حتفاً محقّقاً.
صنّفت الاتحاد الدولي لصون الطبيعة (IUCN) القرشَ الأبيض ضمن الأنواع المهدَّدة بالانقراض، وتُقدّر أنّ أعداده تراجعت بنسبةٍ تتراوح بين 30 و49% خلال الأجيال الثلاثة الماضية، بفعل عواملٍ عدّة من بينها الصيد الجائر وتداعيات التغيّر المناخي.
أمّا في البحر الأبيض المتوسط، فالصورة أشدّ قتامةً. يُصنّف الاتحاد الدولي لصون الطبيعة القرش الأبيض في هذه المنطقة ضمن الأنواع المهدَّدة بالانقراض بصورةٍ حرجة، إثر تراجعٍ حادّ في أعداده على مدى عقودٍ من الصيد الساحلي والصناعي.
دعواتٌ لحماية أسماك القرش
تعمل منظمة Shark Trust في Plymouth بإنجلترا منذ عام 1997 على صون أسماك القرش والأشعة. وقد أطلقت المنظمة برنامجها الخاصّ بالبحر الأبيض المتوسط استجابةً للخطر المتصاعد الذي يتهدّد ما يقارب 80 نوعاً من أسماك القرش والأشعة في هذا البحر.
قال Paul Cox، الرئيس التنفيذي لـShark Trust: "تحتاج أسماك القرش في المنطقة إلى منظومةٍ متكاملة من تدابير الحماية"، مشدّداً على أنّ ضمان حماية الحياة البحرية يستلزم التزام جميع دول الصيد بشكلٍ متواصلٍ بلوائح صيدٍ واضحة ومُطبَّقة فعلياً.
تؤدّي حطام السفن في المياه البعيدة عن الشاطئ دور الشعاب المرجانية الاصطناعية، إذ تستقطب ثروةً من الكائنات البحرية وتوفّر لها بيئةً آمنةً وغنيّة. غير أنّ شباك الأشباح حين تستقرّ على هذه الهياكل تحوّلها إلى فخاخ تحت الماء، تعلق فيها الكائنات البحرية ذاتها التي استُقطبت إليها وتلقى حتفها.
ختم Remmers بقوله: "قضيتُ عقوداً في الغوص بين الحطام وانتشال شباك الأشباح، لكنّ شيئاً لم يُهيّئني للحظةٍ كهذه. ومع ذلك، واصلنا تنفيذ خطّتنا لإزالة الشباك من الحطام، لأنّ هذه اللحظة بالذات أظهرت بجلاءٍ مدى أهمّية عملنا."
أخبار ذات صلة

حطام الحيتان في أعماق المحيط: اكتشافٌ يُعيد تعريفنا بدورة الحياة البحرية

رواد الفضاء بالمحطة الدولية يستعدون لإخلاء محتمل وسط إصلاحات التسرب

الشاشات في الطفولة: تأثيراتٌ قد لا تُعكس لاحقاً
