تغيرات مفاجئة في خطاب بوتين حول أوكرانيا
في يوم النصر، أطلق بوتين تصريحاً مفاجئاً عن قرب انتهاء النزاع في أوكرانيا، في ظل تزايد الضغوط الداخلية. بينما تراجع الجيش الروسي في استعراضه، تتزايد الأصوات المطالبة بإنهاء الحرب. اكتشف المزيد عن هذا التحول المفاجئ.

في لحظةٍ يعصف فيها الضغط من كل اتجاه، جاء التصريح مفاجئاً وغير مألوف.
اختار الرئيس الروسي Vladimir Putin أن يستغلّ احتفالات يوم النصر التاسع من مايو تلك المناسبة الرمزية الكبرى التي تُحيي ذكرى هزيمة الاتحاد السوفيتي لألمانيا النازية ليُطلق تصريحاً لافتاً: أعرب فيه عن اعتقاده بأن مسألة النزاع في أوكرانيا "تقترب من نهايتها". جاء هذا الكلام، الذي يُمثّل أول إشارة حقيقية من Putin بأن حربه قد تتجه نحو خاتمة، في أعقاب إطالةٍ في الحديث عن إخفاقات مفاوضات عام 2022، وكان في حدّ ذاته موجزاً إلى حدٍّ استثنائي.
غير أن Putin ليس رجلاً يتكلّم باستهتار أو ارتجال. وهو لا يُخاطب جمهوراً من شخصٍ واحد كالرئيس الأمريكي Donald Trump. ربما جاء هذا الخروج النادر عن موقفه المعتاد الذي لا يقبل التنازل مصمَّماً للإبقاء على وهم أن السلام في أوكرانيا بات قاب قوسين أو أدنى، وهو وهمٌ حرص الكرملين على صونه طويلاً.
ومع ذلك، وفي يومٍ شهدت فيه موسكو استعراضاً عسكرياً مكثّفاً، آثر Putin ألّا يُطلق النفير الأقصوي القائل إن "العملية العسكرية الخاصة" يجب أن تمضي حتى تحقيق أهدافها كاملةً. والحقيقة أن تلك الأهداف نزع سلاح أوكرانيا والسيطرة على منطقة دونباس الشرقية لا تزال بعيدة المنال. بدا Putin وكأنه يعكس المزاج السائد في روسيا، الذي تُؤكّده استطلاعات الرأي الأخيرة، والقائل بضرورة إنهاء الحرب في أقرب وقت.
وثمّة مفاجأة أخرى في هذه المناورة: اقترح Putin أن يكون Gerhard Schröder المستشار الألماني الأسبق بين عامَي 1998 و2005، إبّان شهر العسل الأول بين Putin والغرب نقطةَ الارتكاز في أي مفاوضات مباشرة مستقبلية مع أوروبا. كان Schröder رئيساً لمجلس إدارة مشروع خط أنابيب الغاز الروسي Nord Stream قبل أن يستقيل إثر الغزو عام 2022، لكنه ظلّ على صلةٍ وثيقة بـPutin. وقد أفقده هذا القرب مصداقيته في نظر كثيرين، وكانت الاستجابة الأوروبية الفورية لهذا الاقتراح باهتةً على ما يُفيد، إلا أنه قد يجد آذاناً صاغية في واشنطن العاصمة، مما قد يُعقّد الجهود الحقيقية الرامية إلى تحريك مسار السلام.
من السهل قراءة حديث Putin الجديد عن الدبلوماسية من خلال مرآة سنةٍ مضت مليئة بمناوراتٍ سلمية مُجتزأة ومُزيَّفة. بيد أن القناعة السائدة بأن حكم Putin لا يمكنه الصمود دون انتصارٍ شبه كامل في أوكرانيا باتت مهزوزة، في ظل موجة النقد الواسعة التي تجتاح روسيا وتطال طريقة إدارة الحرب وإطالتها والثمن البشري والاقتصادي الفادح الذي تتكبّده البلاد. ويتردّد في أروقة النخبة الموسكوفية همسٌ مقلق: أن Putin قد لا يُفلح سياسياً في تجاوز الحرب أصلاً.
يصعب النظر إلى الاستعراض العسكري في الساحة الحمراء دون رؤيته إهانةً صارخة لقلعة الكرملين بكل ما تحمله من رمزية. فقبيل الحدث، أصدر الرئيس الأوكراني Volodymyr Zelensky "مرسوماً" يُجيز بموجبه إقامة الاستعراض بوقف قواته عن ضرب المنطقة في استفزازٍ يُكذّب الانطباع بأن كييف تشعر بأنها في موقع الضعيف.
وغياب الآليات العسكرية الروسية عن الاستعراض يُشكّل تبايناً صارخاً مع المشاهد المُبهرة التي اعتادها العالم في السنوات الماضية، حين كان خبراء التسليح الغربيون يُمعنون النظر في أحدث طرازات الدبابات لرصد أدقّ التحديثات. هذا العام، لم يكن في الميدان سوى الجنود، وهم أنفسهم باتوا شحيحين.
طالما راود الأوروبيين حلمٌ بعيد المنال بل يكاد يكون ضرباً من الخيال بأن روسيا ستنهار يوماً ما أمام الاستنزاف في أوكرانيا. وفي غياب أي تدخّل عسكري أوروبي أو أطلسي مباشر في الحرب، أصبح هذا الأمل الاستراتيجية الوحيدة للقارة: تصعيد الضغط وانتظار أن تنكسر موسكو قبل كييف. ومع عودة Trump إلى البيت الأبيض العام الماضي، لم يكن أمام أوروبا خيارٌ آخر يُذكر.
وقد شهدت سنوات الحرب الأربع تقلّبات حادة بين الطرفين، بين تقدّمٍ وتراجع. أخفاقات موسكو الأولى لم تحُل دون استيلائها على أراضٍ ثم خسارتها، قبل أن تعود إلى نهجها الطاحن في تقدّمٍ بطيء على أجزاء من خطوط المواجهة، مُنهكةً القوى البشرية الأوكرانية المحدودة. وفي العام الماضي، بدت كييف في مأزق، تفتقر إلى الموارد ودعم حليفها الأهم الولايات المتحدة بصورة كاملة. لكن نموذج هذه المرحلة الجديدة مختلفة لسببَين.
أولهما: الانهيار المعنوي الملموس في روسيا. وهذا لا يحدث في دولةٍ بوليسية إلا حين تبلغ كتلةٌ حرجة من المحبَطين حدّاً تشعر معه بأنها الأغلبية، وتجرؤ على رفع رأسها في العلن. صحيح أن Putin نجا من موجات نقد عنيفة لحربه من قبل حين أُجهض انقلاب Yevgeny Prigozhin القصير في 2023 بنفس الدراما التي بدأ بها لكنه اليوم يجد نفسه أمام نضوبٍ في رصيد الروس المعدمين أو المساجين الراغبين في التطوّع، ثم الاستهلاك في هجماتٍ "مفرمة للحوم" سيئة التخطيط، فيما يتعذّر عليه استقطاب أبناء الطبقة الوسطى من الطلاب إلى صفوف الجيش.
الاقتصاد الروسي يئنّ تحت وطأة الضغط فعلاً. ويبدو أن النخبة باتت من الانزعاج بحيث رأى Putin نفسه مضطرّاً إلى استرضائها بالإيحاء عبر وسائل الإعلام الرسمية يوم السبت بأن الحرب قد تُشرف على نهايتها. كثيرٌ من الأمور قد تتغيّر بعد، وقد يُفضي التعزيز الروسي المُبلَّغ عنه على طول خطوط المواجهة إلى تقدّمٍ ما. لكن الكرملين في ورطة حقيقية.
أما التحوّل الثاني، فيتعلق بمسار الأحداث لصالح أوكرانيا. هي الأخرى تعاني شحّ المقاتلين ربما بصورة أحدّ لكنها تملك ترسانةً وفيرة من الروبوتات. والتقدّم الروسي شبه المعدوم على خطوط المواجهة يعود في جانبٍ كبير منه إلى نجاح كييف في توظيف المركبات غير المأهولة الطائرات المسيّرة في الهجوم وإعادة الإمداد والإخلاء واعتراض الضربات الروسية.
إنجازٌ بالغ الأثر حقاً، أبرز دلالته في الحرب الحديثة أن دول الخليج الثرية هرعت إلى Zelensky في مارس طالبةً مساعدته في حماية أجوائها من الطائرات المسيّرة الإيرانية. فهو اليوم يمتلك فعلاً "أوراق اللعب" للمضيّ في القتال، بعد أن قال Trump العام الماضي إنه لا يملك شيئاً منها.
سدّت موسكو الفجوة التكنولوجية من قبل، وأحياناً في غضون أشهر، لذا ينبغي لأوكرانيا أن تضع في اعتبارها المثل الروسي القائل بعدم "احتساء الشمبانيا مبكراً".
لكن صيفاً يلوح في الأفق، وعلى الرغم من أن الحرب على إيران تسرق من أوكرانيا الاهتمام الدولي الذي تشتدّ حاجتها إليه، تظلّ كييف واقفةً على قدمَيها لا على ركبتَيها: قصّة صمودٍ استثنائي في مواجهة أثقال موازين ساحقة، إذ لم يكن أمامها خيارٌ آخر.
في المقابل، يتكشّف الوهم الذي طالما آمن به Putin وهو أن موارد دولته لا تنضب على حقيقته المُرّة. كلّ الحروب تنتهي، ولعلّ Putin أدرك ذلك أخيراً.
أخبار ذات صلة

روسيا تعترض طائرة استخبارات بريطانية فوق البحر الأسود بشكلٍ "خطير"

ترامب يؤجّل الضربة العسكرية المخطّط لها ضد إيران بسبب "مفاوضات جادّة"

ترامب يؤجّل الضربة الإيرانية لكن يبقي الجيش في حالة استنفار فوري
