مضيق هرمز بين النزاع والضغط الاقتصادي العالمي
هجوم ناقلتي نفط في مضيق هرمز وتصعيد التوتر بين إيران والولايات المتحدة يهدد إمدادات النفط العالمية ويجبر دول الخليج على البحث عن بدائل مع استمرار النزاع حول السيادة والرسوم في الممر الحيوي لخَبَرَيْن.

في يوم الثلاثاء، تعرّضت ناقلتا نفط للهجوم خلال عبورهما مضيق هرمز عبر ممرٍّ في المياه العُمانية. وسارعت دول الخليج إلى إدانة الهجومين بشدّة وحمّلت إيران المسؤولية. ثم شنّت الولايات المتحدة ضربات على الأراضي الإيرانية، فردّت طهران بضرب البحرين والكويت. وأعلن الرئيس الأمريكي Donald Trump أنّ مذكّرة التفاهم (MoU) التي وقّعتها إيران والولايات المتحدة باتت لاغية.
يكشف هذا التصعيد الأخير كيف أصبح مضيق هرمز القضية المحورية في الحرب التي تخوضها الولايات المتحدة وإسرائيل ضدّ إيران منذ 28 فبراير. وقد ثبت أنّ الخلافات حول مستقبل المضيق هي الأعسر حلاًّ في مسار المفاوضات الأمريكية-الإيرانية، فيما أُزيح ملفّ البرنامج النووي الإيراني جانباً في الوقت الراهن.
وتترتّب على اضطراب حركة الملاحة في مضيق هرمز تكاليف فورية وباهظة، تطال إيران وجيرانها الخليجيين على حدٍّ سواء، فضلاً عن اقتصادٍ عالمي يواجه منذ أربعة أشهرٍ ونصف أكبر صدمة في إمدادات النفط يشهدها السوق الحديث.
ورقة الضغط الإيرانية: قوّة تحمل ثمنها الباهظ
بالنسبة لطهران، يمثّل المضيق أقوى أوراق ضغطها، غير أنّه في الوقت ذاته ورقةٌ بالغة الكلفة. فمنذ اندلاع الحرب، زرعت القوات الإيرانية ألغاماً في المضيق وشنّت هجمات على ناقلات النفط، ما أدّى إلى تقليص حركة العبور بنسبة تبلغ نحو 95 بالمئة. وقد وصف Fatih Birol المدير التنفيذي لوكالة الطاقة الدولية هذا الوضع بأنّه «أكبر اضطراب في إمدادات النفط في تاريخ السوق العالمية».
وهذه الورقة ذات ثقلٍ حقيقي: إذ تمرّ عادةً عبر هرمز نحو خُمس صادرات النفط العالمية وخُمس صادرات الغاز الطبيعي المسال (LNG)، ولا تستطيع طاقة خطوط الأنابيب الخليجية تعويض ذلك بالكامل مهما بلغت.
بيد أنّ إيران باتت تخنق شريانها الحيوي بيدها إلى جانب خنق شرايين الآخرين. فالنفط الخام الإيراني الذي كان يُباع بأقلّ من 3 دولارات للبرميل عن المعايير الدولية، أصبح يُباع الآن بخصمٍ يبلغ 20 بالمئة، و انهارت صادرات النفط الإيرانية بأكثر من 90 بالمئة في مايو مع تشديد البحرية الأمريكية الخناق على أسطول الناقلات الموازي.
وحتى قبل اندلاع الحرب، توقّع البنك الدولي أن يشهد الاقتصاد الإيراني انكماشاً في عام 2026، وستكون تداعيات انهيار عائدات النفط بعيدة المدى في ظلّ استمرار الإغلاق.
وكان مجال التسامح الأمريكي الذي أصدرته وزارة الخزانة لمدة 60 يوماً في 22 يونيو قد أتاح لإيران بيع نفطها بأسعار السوق الكاملة حتى 21 أغسطس، إلا أنّه أُلغي في أعقاب هجمات الثلاثاء.
هذا هو السياق الاقتصادي الذي يُفسّر إصرار طهران على المطالبة بسلطةٍ مشتركة على المضيق وطرح نظامٍ لرسوم العبور أو «رسوم الخدمة» على السفن المارّة. في المقابل، أوضحت واشنطن أنّ إيران لا يحقّ لها فرض رسوم على مياهٍ دولية تخضع لحقّ المرور العابر وفق أحكام قانون البحار.
والحقيقة أنّ النزاع من وجهة النظر الإيرانية لا يدور في جوهره حول عائدات الرسوم التي ستبقى متواضعةً قياساً بالدخل النفطي؛ بل يتعلّق بترسيخ سابقةٍ قانونية وتكريس السيادة على نقطة اختناقٍ تمثّل الرافعة الحقيقية الوحيدة لطهران حين تُفتح مفاوضات رفع العقوبات والإفراج عن الأصول المجمّدة.
وهذه المسألة الأخيرة خلافيةٌ بدورها: إذ تطالب إيران بالإفراج الفوري عن نصف ما يُقدَّر بـ25 مليار دولار من الأصول المجمّدة، في حين تتحفّظ واشنطن على ذلك. كما أثار صندوق إعادة الإعمار البالغ 300 مليار دولار الذي أُشير إليه في مذكّرة التفاهم جدلاً سياسياً حادّاً في واشنطن.
الخليج يدفع ثمن أزمةٍ لم يصنعها
بالنسبة لدول الخليج، دفعت أزمة مضيق هرمز هذه الدول إلى البحث عن بدائل جغرافية على عجل. فقد حوّلت المملكة العربية السعودية صادراتها النفطية عبر خطّ الأنابيب الشرقي-الغربي الممتدّ نحو 1200 كيلومتر إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، فيما اعتمدت الإمارات على خطّ حبشان-الفجيرة الواصل إلى خليج عُمان.
غير أنّ هذين الخطّين معاً لا يستوعبان سوى جزءٍ يسير ممّا كان يمرّ عبر هرمز: إذ تبلغ الطاقة التصميمية للخطّ السعودي نحو 7 ملايين برميل يومياً، وتقلّ طاقة الخطّ الإماراتي عن 1.8 مليون برميل، في مقابل نحو 20 مليون برميل يومياً كانت تعبر المضيق قبل الحرب.
وقد تعرّض كلا البديلَين للهجوم: إذ أسفرت الضربات الإيرانية عن خفض طاقة الخطّ الشرقي-الغربي بنحو 700 ألف برميل يومياً في أبريل، كما عطّلت هجمات الطائرات المسيّرة عمليات التحميل في الفجيرة. وتراجعت صادرات النفط البحرية لدول الخليج باستثناء إيران بنحو النصف بين فبراير ومارس.
وتمتلك قطر، التي تحتضن مفاوضات إيران والولايات المتحدة، حصّةً بالغة الأهمية في هذا الملفّ: إذ يعتمد قطاع تصدير الغاز الطبيعي المسال بأكمله على مضيق هرمز، وهو ما يجعلها الأكثر إلحاحاً في السعي نحو تسوية.
أمّا عُمان، التي تجد نفسها طرفاً في المطالبة الإيرانية بالسيادة بوصفها شريكةً في ملكية المياه الإقليمية للمضيق، فهي تقف بين مصلحةٍ تجارية تدفعها نحو الحلّ وموقفٍ قانوني يرفض الرسوم الإيرانية بحكم انضمامها إلى اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار (UNCLOS). وفي السياق ذاته، يستكشف العراق المعتمد اعتماداً كبيراً على محطّاته الخليجية مساراً بديلاً للتصدير شمالاً عبر تركيا، وإن كان ذلك يجري في هدوء.
لا شيء من هذه البدائل رخيص التكلفة، وكلّها تنطوي على أبعادٍ سياسية لا تقلّ عن أبعادها التجارية، ما يربط مصائر العواصم الخليجية الاقتصادية بمآلات التسوية بين واشنطن وطهران.
العالم يتحمّل فاتورة التأمين والتضخّم
على الصعيد الدولي، انتقلت تداعيات الأزمة عبر قناتَين رئيسيتَين: الأسعار والتأمين. فارتفاع أسعار النفط ينعكس على سلاسل التوريد ويُثقل كاهل السلع الاستهلاكية ويكبح النموّ. وتشير التقديرات إلى أنّ الاقتصاد العالمي قد يتباطأ إلى 2.8 بالمئة في 2026 مقارنةً بـ3.4 بالمئة في العام الماضي جرّاء إغلاق المضيق.
وقفزت تكاليف التأمين على العبور عبر هرمز من نحو 0.25 بالمئة من قيمة السفينة قبل الحرب إلى ما يصل إلى 8 بالمئة، ما يحوّل تغطية ناقلة نفط واحدة كبيرة إلى عبءٍ يتراوح بين 3 و8 ملايين دولار. وأضافت شركات الشحن من بينها CMA CGM وHapag-Lloyd رسوم نزاعات تتراوح بين 1500 و2000 دولار لكلّ وحدة مكافئة لعشرين قدماً (TEU). وأُضطرّت مؤسّسة التمويل الإنمائي الدولية الأمريكية إلى التدخّل بوصفها مؤمّن الملاذ الأخير، بتقديم ما يصل إلى 40 مليار دولار من طاقة إعادة التأمين للحفاظ على استمرار حركة السفن.
وتتحمّل الصين النصيب الأكبر من هذا العبء: إذ تستورد ما يقارب 40 بالمئة من وارداتها النفطية عبر مضيق هرمز، وتشتري أكثر من 80 بالمئة من صادرات النفط الإيرانية، ما يجعلها في آنٍ واحد أهمّ عميلٍ لطهران وأحد أكثر المتضرّرين من الحرب. أمّا اليابان التي تستورد 70 بالمئة من نفطها الشرق أوسطي عبر المضيق، فقد لجأت إلى الاحتياطيات الاستراتيجية.
وبالنسبة للاقتصادات المعتمدة على الاستيراد في آسيا و أوروبا، فإنّ مصير المضيق ليس شأناً دبلوماسياً مجرّداً؛ بل يتجلّى مباشرةً في أسعار الوقود والشحن والأسمدة.
ويهيمن النفط والغاز على الأخبار، لكنّ نحو 30 بالمئة من تجارة الأسمدة البحرية العالمية تمرّ أيضاً عبر هرمز. وقد ارتفع مؤشّر أسعار الأسمدة للبنك الدولي بأكثر من 12 بالمئة في الربع الأول من 2026، ليبلغ أعلى مستوياته منذ أكتوبر 2022، مدفوعاً إلى حدٍّ بعيد بالإغلاق. وحذّرت منظّمة الأغذية والزراعة (الفاو) من أنّ شحّ اليوريا وغيرها من المنتجات النيتروجينية سينعكس في صورة تراجعٍ في الغلال خلال موسم 2026-2027، وسيضرب بشكلٍ أشدّ الدول المعتمدة على الاستيراد والتي تعاني أصلاً من انعدام الأمن الغذائي في أفريقيا وآسيا.
وعلى خلاف الارتفاع المفاجئ في أسعار النفط الذي يُشعر به المستهلك أساساً عند محطّات الوقود، فإنّ شحّ الأسمدة يمتدّ تأثيره إلى حصاد العام المقبل، ما يعني أنّ استمرار الجمود في هرمز ينطوي على أضرارٍ اقتصادية أبطأ حركةً وأطول أمداً ممّا تُوحي به أسعار النفط وحدها.
هذه هي المعادلة التي تثقل كاهل الطرفَين. فأيّ اتفاقٍ يُعيد فتح مضيق هرمز دون تسوية مسألة السيطرة عليه يُخاطر بإعادة إنتاج ذات الاضطراب الذي أغلقه في الأصل؛ وأيّ اتفاقٍ يمنح إيران صلاحية فرض الرسوم يُرسّخ سابقةً لن تقبلها واشنطن ودول الملاحة. وإلى أن تُحلّ هذه المعادلة، يبقى الاقتصاد العالمي رهينَ نقطة اختناقٍ لا يستطيع أيٌّ من الطرفَين تحمّل إبقائها مغلقةً، ولا الاتفاق على كيفية إعادة فتحها.
أخبار ذات صلة

الحرب على إيران وإعادة تشكيل أسواق الطاقة العالمية

الاشتباكات الأمريكية الإيرانية الجديدة: هشاشة الهدنة وسرّ استمرارها

إيران والولايات المتحدة: ماذا يقول البند الخامس من التفاهم حول مضيق هرمز؟
