خَبَرَيْن logo

حرب الطاقة تغير خريطة النفط وتسرع التحول الأخضر

حرب الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران تعيد تشكيل خريطة الطاقة العالمية بتقليل الاعتماد على مضيق هرمز وتسريع التحول للطاقة المتجددة. اكتشف كيف تؤثر هذه التغيرات على أسواق النفط ومستقبل الطاقة في خَبَرَيْن.

ناقلة نفط ضخمة ترسو في ميناء بحري، تعكس أهمية مضيق هرمز في إمدادات النفط العالمية وسط توترات الحرب الأمريكية-الإيرانية وتأثيرها على سوق الطاقة.
ناقلة تقوم بتفريغ النفط الخام المستورد في ميناء محطة في تشينغداو، الصين، في 25 يونيو [CN-STR/AFP]

منذ أن شنّت الولايات المتحدة وإسرائيل حربهما على إيران في أواخر فبراير الماضي، يعيش قطاع الطاقة العالمي على وقع اضطرابٍ عميق لم تشهده الأسواق منذ سنوات.

تأرجحت أسعار النفط بين مستوياتٍ لم تُسجَّل منذ اندلاع الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا عام 2022، ثمّ تراجعت لتقترب ممّا كانت عليه قبل اندلاع الصراع بأكثر من أربعة أشهر. وتسابق موردو الطاقة في البحث عن مسارات تجارية بديلة في ظلّ سيطرة إيران على مضيق هرمز، الذي تمرّ عبره في أوقات السلم نحو خُمس إمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال (LNG) في العالم. ومن طوكيو إلى نيودلهي إلى لندن، لجأت الحكومات إلى حزم طوارئ لحماية مواطنيها من وطأة ارتفاع أسعار الوقود.

غير أنّه في حين أشعلت المفاوضات الأمريكية-الإيرانية الجارية آمالاً في العودة إلى الاستقرار، فإنّ هذه الحرب قد أعادت رسم خريطة الطاقة العالمية بطرقٍ يرجّح خبراء القطاع أن تكون راسخةً وطويلة الأمد، بل ودائمة في بعض جوانبها.

يقول عدي إمسيروفيتش، المتداول المخضرم في النفط والمحاضر في جامعة Oxford : "لن يعود سوق النفط كما كان بعد هذا الصراع. ستُبنى خطوط أنابيب جديدة بصورة عاجلة، وستُوضع ترتيبات أمنية جديدة، وسيتطلّع مشترو النفط من المنطقة إلى مصادر أخرى لتنويع إمداداتهم."

مضيق هرمز: جرحٌ لم يندمل بعد

تتّسع التوقّعات بأنّ الهجمات على السفن التجارية في مضيق هرمز ستُلقي بظلالٍ باردة على خطوط الشحن لفترةٍ تمتدّ إلى ما بعد انتهاء الحرب رسمياً. فرغم أنّ إيران وافقت في مذكّرة التفاهم (MoU) الموقّعة مع الولايات المتحدة في 17 يونيو على بذل "أفضل جهودها" لضمان المرور الآمن للسفن في المضيق، إلّا أنّ طهران عادت مراراً للمطالبة بحقّها في السيطرة على هذا الممرّ المائي الحيوي.

وبعد أن بلغ حركة الملاحة البحرية ذروةً ما بعد الحرب بأكثر من 70 عبوراً في 24 يونيو، تراجعت الحركة بحدّة مجدّداً خلال عطلة نهاية الأسبوع، إثر هجمات طالت سفينتين تجاريتين أعادت المخاوف على سلامة البحّارة إلى الواجهة، وأُلقي باللوم فيها على إيران على نطاقٍ واسع.

في مواجهة هذه التهديدات المتواصلة، سعى موردو الطاقة إلى رفع صادراتهم عبر البرّ من خلال خطّ أنابيب الشرق-الغرب في المملكة العربية السعودية، وخطّ أنابيب أبوظبي للنفط الخام في الإمارات، وخطّ الأنابيب العراقي-التركي وإن كانت الطاقة الاستيعابية المجمّعة لهذه الخطوط تقصر بفارقٍ كبير عن نحو 20 مليون برميل يومياً كانت تعبر المضيق قبل الحرب.

ويرى دان ماركس، الباحث في أمن الطاقة بمعهد Royal United Services Institute في لندن، أنّ القلق إزاء العبور عبر المضيق سيظلّ "طويل الأمد". ويقول : "طالما بقي النظام الإيراني الحالي في السلطة وعلى خلافٍ مع الولايات المتحدة وإسرائيل، فستبقى احتمالية اشتعال التوترات وإغلاق المضيق قائمة. وقد أثبتت الأسواق العالمية قدرتها على الصمود لفترةٍ مطوّلة نسبياً، لكنّ ذلك يؤثّر في شهيّة الاستثمار في المنطقة، حيث قد تتعرّض الإنتاج والصادرات للاضطراب ويُحجم السيّاح عن الزيارة."

وتتوقّع June Goh، كبيرة محلّلي سوق النفط في شركة Sparta للبيانات السلعية ومقرّها سنغافورة، أن يتواصل الدفع نحو تقليص الاعتماد على المضيق من قِبَل المنتجين والمستهلكين على حدٍّ سواء: "بالنسبة للمنتجين، سيتجلّى ذلك في مزيدٍ من مسارات الأنابيب البديلة من الشرق الأوسط. أمّا المشترون، فسيعمدون إلى الحفاظ على احتياطياتٍ استراتيجية وافرة من النفط."

الطاقة المتجدّدة: الرابح الأكبر

إرثٌ آخر متوقَّع للحرب هو تسارع وتيرة التحوّل من الوقود الأحفوري نحو مصادر الطاقة المتجدّدة كالرياح والطاقة الشمسية والطاقة الكهرومائية. ففي أبريل الماضي، أخبر Simon Stiell، كبير مسؤولي المناخ في الأمم المتحدة، اجتماعاً للمسؤولين الحكوميين في الوكالة الدولية للطاقة بأنّ الصراع بات "يُضخّ زخماً هائلاً في طفرة الطاقة المتجدّدة عالمياً".

وقد سجّلت الطاقة المتجدّدة عالمياً رقماً قياسياً في طاقتها الإنتاجية عام 2025، إذ استأثرت المشاريع غير الأحفورية بنحو 86 بالمئة من الطاقة المضافة خلال ذلك العام، وفق الوكالة الدولية للطاقة المتجدّدة (IRENA).

ويذهب إمسيروفيتش من جامعة Oxford إلى أبعد من ذلك: "بعد هذه الحرب، قلّةٌ من الناس الباحثين عن سيارة جديدة ستختار سيارةً بمحرّك احتراق داخلي. ولماذا يفعلون ذلك في وجود بدائل السيارات الكهربائية (EV)؟ وهذا سيُنهي احتكار النفط في قطاع النقل البرّي. ما يتبقّى هو الاحتكار في النقل الجوّي والبتروكيماويات، وهو حجمٌ صغير نسبياً من الطلب الإجمالي."

وفي حين يرجَّح أن تدفع متطلّبات أمن الطاقة كثيراً من الحكومات إلى تخزين الوقود الأحفوري على المدى القريب، فإنّ الحجّة الاقتصادية لصالح الطاقة المتجدّدة على المدى المتوسّط والبعيد ستزداد رسوخاً مع تضخّم المخاطر الجيوسياسية لـ"التكلفة الحقيقية" للاعتماد على الوقود الأحفوري، وفق ما يرى محمد الحدّاد، المحاضر المشارك في الاقتصاد بجامعة Lancashire في المملكة المتحدة. ويقول: "قد يُعجّل هذا الصراع في نهاية المطاف بقرارات استثمارية كانت أصلاً في طور التحضير."

China تجني الثمار

لا تبدو أيّ دولة في العالم مهيّأةً للاستفادة من هذا التحوّل المتسارع نحو الطاقة النظيفة أكثر من China. فالاقتصاد الثاني عالمياً هو بلا منازع المصدّر الأوّل لمكوّنات الطاقة المتجدّدة، إذ تنتج أكثر من 80 بالمئة من توربينات الرياح والألواح الشمسية وبطاريات تخزين الطاقة في العالم، وفق شركة Wood Mackenzie للأبحاث والاستشارات.

وقد قدّمت الحرب "درساً عملياً ملموساً في قيمة مزيج الطاقة المتنوّع"، يقول Maurice Obstfeld، الزميل الأول في Peterson Institute for International Economics والرئيس السابق لاقتصاديي صندوق النقد الدولي. ويضيف: "ستستفيد China من هذا الواقع، نظراً لهيمنتها على توفير منتجات البنية التحتية للطاقة المتجدّدة."

وتشير توقّعات الحدّاد من جامعة Lancashire إلى أنّ دولاً أخرى كالولايات المتحدة وقطر قد تُعزّز هي الأخرى مواقعها بوصفها موردّين رئيسيين للطاقة في مرحلة ما بعد الحرب. ويختصر الحدّاد المشهد بقوله: "من منظور اقتصاديات الطاقة، المستفيدون هم أصحاب الفائض القابل للتصدير والضمانات المستقرّة للإمداد. الولايات المتحدة تُعزّز مكانتها بوصفها موردّاً مرناً للغاز الطبيعي المسال، وقطر تُرسّخ دورها شريكاً موثوقاً في عقود الأمد البعيد."

أخبار ذات صلة

Loading...
سفن شحن متعددة تنتظر في مضيق هرمز وسط توترات أمنية تؤثر على حركة الملاحة وإمدادات النفط في الخليج العربي.

مضيق هرمز يصبح محور الحسابات الإيرانية الأمريكية

تصاعدت أزمة مضيق هرمز بعد هجمات على ناقلات النفط، مما زاد التوتر بين إيران والولايات المتحدة وهدد إمدادات النفط العالمية. اكتشف تفاصيل الصراع وتأثيره الاقتصادي الآن.
Loading...
مشهد حراري يظهر هجمات صاروخية في مضيق هرمز خلال تصاعد التوتر بين إيران والولايات المتحدة حول حرية الملاحة والسيطرة الإقليمية.

الاشتباكات الأمريكية الإيرانية الجديدة: هشاشة الهدنة وسرّ استمرارها

تصاعد التوتر بين واشنطن وطهران حول مضيق هرمز يهدد الاستقرار الاقتصادي العالمي. تعرف على تفاصيل الاتفاق الأخير وتأثيره على أسعار النفط والملاحة البحرية. اقرأ المزيد لتفهم مستقبل المنطقة.
Loading...
تظهر الصورة مبنى سكني متضرر في منطقة حضرية، حيث تضررت واجهته العلوية بفعل انفجار أو قذيفة، مع وجود دخان يتصاعد من الأعلى.

إيران والولايات المتحدة: ماذا يقول البند الخامس من التفاهم حول مضيق هرمز؟

في خضم التوتر المتصاعد، يواجه مضيق هرمز أزمة تهدد الملاحة التجارية العالمية. هل ستنجح مذكّرة التفاهم في تهدئة الأوضاع، أم أن التصعيد مستمر؟ تابعونا لاكتشاف المزيد حول هذا الصراع الجيوسياسي المعقد.
Loading...
سفن تجارية تبحر في مضيق هرمز، مع وجود جبال في الخلفية، في سياق تصاعد التوترات بين إيران والولايات المتحدة حول الملاحة.

إيران تؤكد استهدافها مواقع أمريكية وتوترات مضيق هرمز تهدد الاتفاق

في تصعيدٍ يهدد استقرار مضيق هرمز، استهدفت إيران مواقع أمريكية رداً على ضربات سابقة، مما يعكس هشاشة الاتفاق بين البلدين. تابعوا معنا تفاصيل هذه التطورات المثيرة التي قد تؤثر على الملاحة التجارية في المنطقة.
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمتكنولوجيااقتصادصحةتسلية