قطاعات صغيرة تخلق فرص عمل وتعيد الفرح للحياة
بينما تتراجع أحلام شراء المنازل والسيارات في أمريكا يرتفع الطلب على الهوايات الموسيقية والحِياكة والألعاب التي تخلق فرص عمل جديدة وتمنح الناس لحظات فرح وبساطة في حياتهم اليومية خَبَرَيْن يكشف تفاصيل هذا التحول الاقتصادي المميز.

في وقتٍ تتصاعد فيه موجة التضخّم وتبتعد فيه أحلام شراء المنازل والسيارات عن متناول كثيرٍ من الأمريكيين، يبدو أنّ الناس يبحثون عن متعةٍ أقرب وأرخص هواياتٌ تملأ وقت الفراغ، وموسيقى تُعبّر عن المشاعر، وحِياكةٌ تُعيد ربط الإنسان بشيءٍ ملموس. وبينما تتصارع القطاعات الكبرى على المشهد الاقتصادي، تتسلّل قطاعاتٌ صغيرة بهدوءٍ إلى صدارة أرقام التوظيف الأمريكية، لتروي قصّةً مختلفة عن طبيعة الاقتصاد القادم.
أرقامٌ صغيرة بأثرٍ كبير
بيانات مكتب إحصاءات العمل الأمريكي (Bureau of Labor Statistics) تكشف عن ظاهرةٍ لافتة: ثلاثة قطاعات تبدو هامشية في حجمها أسهمت بنسبةٍ غير متناسبة في خلق فرص العمل. خلال 18 شهراً انتهت في يونيو 2024، أضافت متاجر الهوايات والألعاب والألعاب الترفيهية نحو 35,000 وظيفة، بنموٍّ بلغ 29%. وفي الفترة ذاتها، أضافت الفرق الموسيقية والفنانون 9,000 وظيفة بنموٍّ 25%، فيما أضافت متاجر الخياطة والتطريز والأقمشة 7,000 وظيفة بنموٍّ 24%.
ما يجعل هذه الأرقام لافتةً حقاً هو السياق: هذه القطاعات الثلاثة مجتمعةً لا تمثّل سوى 0.15% من إجمالي القوى العاملة الأمريكية، لكنّها تحمّلت 9% من مجمل الوظائف المُضافة خلال تلك الفترة. بمعنى آخر، كلّ دولارٍ استُثمر في هذه القطاعات الصغيرة أنتج وظائف بكفاءةٍ تفوق كثيراً من القطاعات الأضخم حجماً.
كريستن ماكلين، نائبة رئيس رؤى العملاء في شركة Circana للتحليلات الاستهلاكية، تُقدّم تفسيراً بسيطاً لهذا التحوّل: "الناس يريدون فقط أشياء تُدخل الفرح إلى حياتهم، ويريدون استراحةً صغيرة؛ يريدون أنشطةً مريحة". وتُضيف ماكلين بُعداً اقتصادياً مهمّاً: "الناس لا يبيعون منازلهم، لذا يستثمرون فيها" في إشارةٍ إلى الجمود الذي يعيشه سوق العقارات الأمريكي، الذي دفع كثيرين إلى إنفاق ما كانوا سيُنفقونه على الانتقال إلى منازل جديدة على تحسين بيئتهم المنزلية وإثرائها بالهوايات.
من مينيابوليس إلى بلومينغتون: قصّة متجرٍ نجا من الجائحة وازدهر
في مينيابوليس بولاية مينيسوتا، يروي Bob Seabold قصّة متجره Tower Games بمزيجٍ من الدهشة والامتنان. افتُتح المتجر عام 2007، واستحوذ عليه Seabold عام 2015، قبل أن تبدأ المبيعات تتحسّن بشكلٍ ملحوظ عام 2019. ثمّ جاء الوباء. يقول Seabold: "بدأنا نحقّق نتائج جيدة حقاً عام 2019، ثمّ ضربنا كوفيد. لا أريد أن أكرّر التجربة، لكنّها أثبتت أنّها مفيدةٌ جداً للمبيعات".
الجائحة التي أغلقت العالم دفعت الناس إلى البحث عن هواياتٍ منزلية، وكان Tower Games في الموقع الصحيح في الوقت الصحيح. لكنّ Seabold كان يتساءل: "هل سيستمر هذا؟ أم أنّه مجرّد موضة عابرة؟". الجواب جاء في أبريل 2024 حين افتتح فرعاً ثانياً بمساحة 5,000 قدم مربعة في مدينة Bloomington بمينيسوتا، ليصبح عدد موظّفيه 29 شخصاً عبر الموقعَين.
الأرقام تدعم قراره: ارتفعت المبيعات في متاجر الهوايات والألعاب 27% في يوليو 2024 مقارنةً بالعام السابق، وفق بيانات PNC Economic Research، فيما بلغت مبيعات صناعة الألعاب الأمريكية أعلى مستوياتها في ستّ سنوات خلال النصف الأوّل من 2024.
من بين موظّفي Tower Games، تبرز قصّة Brittany Steffen، الموظّفة بدوامٍ جزئي، التي تحمل دافعاً شخصياً عميقاً لاختيارها هذا المكان: "في مطلع العام، فقدت صديقةً لي بشكلٍ مفاجئ، وشعرت أنّ الحياة قصيرةٌ جداً. أردت حقاً أن أفعل شيئاً يُسعدني ويُدخل الفرح إلى حياتي وأن أتوسّع وأجرّب أشياء مختلفة". هذه الجملة تُلخّص ربّما ما يدفع ملايين الأمريكيين نحو هذه القطاعات: ليس الترف، بل البحث عن معنى.
الموسيقى المستقلّة تجد طريقها من TikTok إلى عقود الإنتاج
على الجانب الآخر من الخريطة، في لوس أنجلوس، تروي فرقة Untitled للموسيقى البديلة (Alt-rock) قصّةً مختلفة عن النموّ الوظيفي في قطاع الفنون. تأسّست الفرقة في مطلع 2023، وما إن انتشرت أغنيتها "Restless" على منصّة TikTok حتى تغيّرت المعادلة: 2.4 مليون منشور استخدم الأغنية، و3.2 مليار مشاهدة تراكمية. في فبراير 2024، وقّعت الفرقة عقداً مع Regime Music Group.
يقول Juan Kuschevatzky، عازف الباس في الفرقة، بصدقٍ لافت: "قبل أن تنتشر 'Restless' على TikTok، كنت سأذهب لدراسة السينما في Santa Monica College — هذا ما كنّا جميعاً نخطّط له تقريباً. لكنّني أخبرت أستاذ الموسيقى أنّني سأستمرّ في الإبداع والتأليف أينما انتهيت في الحياة. والآن، أصبح بإمكاني السعي لجعل هذا مساراً مهنياً".
غير أنّ Kevin Zinger، المنتج الموسيقي في Regime Music Group، يُقدّم صورةً أكثر واقعيةً للمشهد: "بينما أصبح من الأسهل بكثيرٍ للفنانين الحصول على التعرّض الإعلامي، لا يمكن قول الشيء ذاته عن الجانب الاقتصادي. الموسيقيون أحياناً يجرفون 'نهراً من القروش' من خدمات البثّ، لذا لا تزال القنوات الأخرى — بما فيها الجولات الموسيقية — ضروريةً". ويُضيف Zinger بعداً اجتماعياً يتجاوز الاقتصاد: "إنّه تجمّعٌ، إنّه تواصلٌ، إنّه المكان الذي تذهب إليه لتلتقي بأشخاصٍ يتشاركون اهتماماتك. سيبقى هذا دائماً، وسيزدهر دائماً".
تجدر الإشارة هنا إلى أنّ بيانات التوظيف الرسمية قد تُقلّل من حجم النموّ الفعلي في القطاع الموسيقي، إذ إنّ كثيراً من الموسيقيين يعملون بصفةٍ مستقلّة أو ضمن اقتصاد العمل الحرّ (Gig Economy)، ممّا يجعلهم خارج نطاق الإحصاءات التقليدية.
الخيوط والأقمشة تُعيد نسج مفهوم "الفضاء الثالث"
في سياتل، قرّر Jonathan Berner أن يراهن على شيءٍ لا تستطيع خوارزميات الذكاء الاصطناعي توفيره: الدفء الإنساني. متجره Yarn Dragon للخيوط وفنون الألياف (Fiber Arts) توسّع إلى موقعَين فعليَّين في سياتل خلال 2024 و2025. يقول Berner: "ثمّة مكانةٌ في اقتصاد اليوم للأعمال التجارية الشخصية، لأنّ ذلك شيءٌ لا يستطيع الحاسوب توفيره، وهو حاجةٌ إنسانية حقيقية للتواصل مع أشخاصٍ يهتمّون بما تهتمّ به؛ يُحبّون ما تُحبّ؛ ويستطيعون أن يُريوك أنّك إنسانٌ ذو قيمة". ويُلاحظ Berner أنّ عملاءه "أدركوا أنّ ثمّة مجتمعاً هائلاً حول فنون الألياف".
في Concord بولاية New Hampshire، يُعبّر Tyler Fish، المؤسّس المشارك لمتجر Concord Clothworks للأقمشة الذي افتُتح قبل نحو ثمانية أشهر من منتصف 2024، عن الفكرة ذاتها بلغةٍ مختلفة: "أشعر أنّ الناس يبحثون عن صنع أشيائهم بأنفسهم، ولم تعد لدينا أيّ 'فضاءات ثالثة' (Third Spaces) أماكن التجمّع خارج المنزل والعمل للتسكّع فيها ولقاء أشخاصٍ يتشاركون اهتماماتنا". الأرقام تدعم هذا التوجّه: ارتفعت مبيعات محلّات الحِرف 7% ومحلّات الأقمشة 13.9% في يوليو 2024 مقارنةً بالعام السابق.
ماذا تقول هذه الأرقام عن اقتصاد الغد؟
الصورة الكاملة التي ترسمها هذه القطاعات مجتمعةً تتجاوز مجرّد أرقام التوظيف. في عالمٍ يتصاعد فيه دور الذكاء الاصطناعي ويتراجع فيه الحضور الإنساني في كثيرٍ من المهن، يبدو أنّ الناس يتجهون بوعيٍّ أو بغير وعيٍّ نحو ما هو أصيلٌ وملموس: اللعب وجهاً لوجه، والموسيقى الحيّة، والحياكة اليدوية. وقد بلغ الإنفاق على الترفيه الحيّ باستثناء الرياضة أعلى معدّلات نموّه منذ 2007، إذ ارتفع 9.5% عام 2025 مقارنةً بعام 2024.
السؤال الذي يطرح نفسه: هل هذا النموّ استجابةٌ ظرفية لضغوط التضخّم والعزلة الرقمية، أم أنّه يُعيد رسم ملامح سوق العمل الأمريكي بشكلٍ أعمق وأكثر ديمومة؟ الإجابة ستتّضح في السنوات القادمة، لكنّ ما هو واضحٌ الآن هو أنّ أصغر القطاعات قد تحمل أكبر الدلالات.
أخبار ذات صلة

أسعار الرهن العقاري تحقق أعلى مستوياتها في 2026 واقتراباً من 7%

العائد على السندات الأمريكية لعشر سنوات يصل لأعلى مستوى منذ 2023

ارتفاع العائدات العالمية يهدّد أرباح الأسهم
