خَبَرَيْن logo

كينيا وفرنسا شراكة جديدة أم نفوذ متزايد؟

تستضيف كينيا قمة «Africa Forward 2026» مع فرنسا، مما يثير جدلاً حول الشراكات بين أفريقيا والقوى الغربية. هل ستعزز كينيا استقرارها الاقتصادي أم ستقع تحت نفوذ جديد؟ اكتشف المزيد عن هذه الديناميكيات المعقدة على خَبَرَيْن.

الرئيس الكيني ويليام روتو يتحدث خلال مقابلة، مع العلم أن خلفه تظهر أعلام كينية وأفريقية، مما يعكس أهمية القمة الأفريقية.
منذ تولي الرئيس ويليام روتو منصبه، فتحت كينيا أبوابها للشراكات مع الدول الغربية، مما جعلها تتبوأ مكانة الدولة الأكثر استقرارًا وسهولة في الوصول إليها في المنطقة.
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

تقف كينيا اليوم عند مفترقٍ لافت: دولةٌ ناطقة بالإنجليزية تحتضن قمّة «Africa Forward 2026» بالشراكة مع فرنسا، في سابقةٍ هي الأولى من نوعها خارج الدول الناطقة بالفرنسية. القمّة التي تجمع قادة أفارقة ورجال أعمال من القارة وما وراءها، أشعلت جدلاً حادّاً في الداخل الكيني وخارجه، وطرحت تساؤلات جوهرية حول طبيعة الشراكات بين أفريقيا والقوى الغربية في زمنٍ تتشابك فيه المصالح وتتصادم الرؤى.

منذ أن تولّى الرئيس William Ruto السلطة، انتهجت كينيا سياسةً انفتاحية على الشراكات الغربية، مُقدِّمةً نفسَها بوصفها أكثر دول المنطقة استقراراً وانفتاحاً على الاستثمار. وفي المقابل، تجد فرنسا نفسَها في موقفٍ صعب: ماضيها الاستعماري لا يزال يُلقي بظلاله على علاقاتها مع مستعمراتها السابقة في غرب أفريقيا، حيث فقدت نفوذاً واسعاً خلال السنوات الأخيرة. فالتفت الرئيس Emmanuel Macron نحو نيروبي، عاصمةٍ تُعرف بترحيبها بالاستثمار الأوروبي.

فما الذي يكسبه كلٌّ من الطرفين من هذه الشراكة؟ وما الثمن الذي قد يدفعه؟

التعاون الدفاعي

في أبريل 2026، وقّعت فرنسا وكينيا اتفاقية تعاون دفاعي، سبقها وصول 800 جندي فرنسي إلى مدينة مومباسا الساحلية لإجراء تدريبات مشتركة مع قوات الدفاع الكينية (KDF). وما إن أُبرمت الاتفاقية حتى انبرى المنتقدون محذّرين من أن كينيا قد تقع تحت نفوذ قوّةٍ استعمارية جديدة، مستشهدين بتاريخ فرنسا في شراكاتٍ غير متكافئة مع دول غرب أفريقيا.

الاتفاقية المبرمة لخمس سنواتٍ قابلة للتجديد تلقائياً تشمل التعاون في مجالات الأمن البحري والاستخبارات وحفظ السلام والاستجابة الإنسانية للكوارث. وقد نشرت فرنسا بالفعل 600 عسكري في كينيا لتدريب أفراد قوات الدفاع الكينية.

غير أن الاتفاقية تتضمّن بنوداً أثارت موجة انتقادات واسعة؛ إذ تمنح القوات الفرنسية حصانةً دبلوماسية على الأراضي الكينية، وتُحيل النزاعات إلى القنوات الدبلوماسية بدلاً من المحاكم الكينية. كما تُتيح للعسكريين الفرنسيين المدانين قضاء أحكامهم في فرنسا، وتمنح باريس الولاية القضائية الأولى على الجرائم التي يرتكبها جنودها على الأراضي الكينية.

يرى المنتقدون أن الاتفاقية تصبّ في مصلحة فرنسا أكثر من كينيا، وتُعزّز المصالح الاستراتيجية الفرنسية في غرب المحيط الهندي، وهو ممرٌّ حيوي لخطوط الشحن العالمية والتمركز العسكري وعمليات مكافحة الإرهاب. وقد حذّر هؤلاء من أن كينيا، بعد مصادقتها السريعة على اتفاقيات تعاون دفاعي مع خمس دول الصين وزيمبابوي وجمهورية التشيك وإثيوبيا وفرنسا قد تجد نفسَها رهينةَ نفوذٍ خارجي يتدخّل في شؤونها الاقتصادية والسياسية ويُقوّض سيادتها.

وفي هذا السياق، لا يمكن إغفال تصريح Macron الذي أثار موجةً من الإدانات، حين قال في يناير 2025 أمام السفراء الفرنسيين في باريس، في إشارةٍ إلى دول الساحل: «لن تكون أيٌّ منها دولةً ذات سيادة اليوم لو لم يتدخّل الجيش الفرنسي في المنطقة»، مُضيفاً أن هذه الدول «نسيت أن تشكر فرنسا».

في المقابل، نفى السياسي الكيني Nelson Koech، رئيس لجنة الدفاع والاستخبارات والعلاقات الخارجية في البرلمان، أن تكون فرنسا قد مُنحت أيّ حصانة، مؤكّداً: «هذا غير صحيح بالمرّة... لقد قلنا إن جرائم كالقتل يجب أن تُحاكَم في كينيا».

وأضاف Koech: «لا يعني أن فرنسا كانت لها علاقة سيئة مع غرب أفريقيا أنّنا لا نستطيع أن نُقيم معها شراكةً. فرنسا واصلت دعمها لكينيا، ليس في هذه الاتفاقية فحسب، بل في مشاريع مختلفة في هذا البلد». ونفى أن يعني اتفاق التعاون الدفاعي وجوداً فرنسياً دائماً على الأراضي الكينية، وإن كانت مصادر برلمانية أفادت بأن باريس تضغط فعلاً من أجل تثبيت حضورٍ عسكري دائم.

ماذا يكسب كلٌّ طرف؟

تُقدّم هذه الشراكة لفرنسا ثلاثة أوراق رابحة: الاستقرار السياسي الكيني، والفرص الاقتصادية، والوصول الاستراتيجي إلى غرب المحيط الهندي. أما كينيا فتنتظر في المقابل استثماراتٍ وتطوير بنية تحتية وتعاوناً أمنياً ونفوذاً دولياً متنامياً.

الأرقام تتحدّث بوضوح: فرنسا هي رابع أكبر مصدرٍ للاستثمار الأجنبي المباشر في كينيا، وكينيا هي أكبر مستهلكٍ للمنتجات الفرنسية في شرق أفريقيا وفق البيانات الحكومية الكينية. وقد ضخّت فرنسا 1.8 مليار يورو (ما يعادل 2.1 مليار دولار) في الاقتصاد الكيني خلال العقد الماضي، فيما ارتفع عدد الشركات الفرنسية العاملة في كينيا من 40 شركة عام 2013 إلى ما لا يقلّ عن 140 شركة عام 2026، وهو مؤشّرٌ على اهتمامٍ متصاعد لا يمكن تجاهله. وفي مارس 2026، أطلقت Business France East Africa بالشراكة مع الغرفة التجارية الفرنسية في كينيا دليلاً للمستثمرين الفرنسيين يُساعدهم على استكشاف الفرص المتاحة. كما تُسهم فرنسا في توفير نحو 46,000 وظيفة مباشرة في البلاد.

بالنسبة لكينيا، يُكمّل التعاون العسكري والدفاعي مع فرنسا الاتفاقيات الأمنية القائمة مع دول كالمملكة المتحدة والولايات المتحدة، اللتين تحتفظان بقواعد عسكرية في كينيا. ويُنظر إليه باعتباره ميزةً في جهود مكافحة الإرهاب ضد تهديداتٍ كحركة الشباب

Patricia Rodrigues، مديرة أفريقيا في شركة Control Risks

بيد أن المنتقدين يُشيرون إلى اختلالٍ واضح في موازين الشراكة: فبينما تتمتّع الشركات الفرنسية بوصولٍ سهل إلى السوق الكينية ويدخل الفرنسيون كينيا دون تأشيرة، لا يحظى الكينيون بالمعاملة ذاتها، ممّا يُلقي بظلال الشكّ على مبدأ التكافؤ في هذه الشراكة.

وتقول Patricia Rodrigues، مديرة أفريقيا في شركة الاستشارات Control Risks، إن الطرفين الأفريقي والأوروبي يسعيان بشكلٍ متزايد إلى شراكاتٍ ثنائية متكافئة ومتبادلة المنفعة. وتُوضّح: «لا يسعى أيٌّ من الطرفين إلى التحرّر من نفوذ الآخر. الهدف هو تعميق الروابط الاقتصادية الاستراتيجية في سياقٍ تجاري وجيوسياسي مضطرب. كلا الطرفين يريد الابتعاد عن النماذج التي تُولي الأولوية لتصدير المواد الخام الأفريقية للتصنيع في الخارج، والابتعاد عن علاقات المساعدات التي تُفضي إلى التبعية».

وتُضيف Rodrigues أن فرنسا في عهد Macron حريصةٌ على تمتين علاقاتها مع شرق أفريقيا وجنوبها، بعد أن واجهت موجةً متصاعدة من المشاعر المعادية لها في غرب أفريقيا، لا سيّما في منطقة الساحل. وتُشير إلى أن كينيا، بموقعها بوصفها مركزاً لشرق أفريقيا، تُمثّل نقطةَ دخولٍ استراتيجية لفرنسا في المنطقة.

وتختم بقولها: «بالنسبة لكينيا، يُكمّل التعاون العسكري والدفاعي مع فرنسا الاتفاقيات الأمنية القائمة مع دول كالمملكة المتحدة والولايات المتحدة، اللتين تحتفظان بقواعد عسكرية في كينيا. ويُنظر إليه باعتباره ميزةً في جهود مكافحة الإرهاب ضد تهديداتٍ كحركة الشباب»، في إشارةٍ إلى الجماعة المسلحة ذات المنشأ الصومالي.

منعطفٌ محتمل

تُعدّ قمّة فرنسا كينيا منعطفاً مرتقباً في العلاقات بين البلدين، وربّما في طبيعة الانخراط الفرنسي مع أفريقيا الناطقة بالإنجليزية على نطاقٍ أوسع. ومع تنامي الاستثمارات الفرنسية وتوسّع التعاون العسكري وتعمّق الانخراط الدبلوماسي، يبدو أن البلدين عازمان على تمتين علاقتهما في وقتٍ تتنافس فيه القوى الكبرى على النفوذ في أفريقيا.

غير أن القمّة ستُذكي على الأرجح النقاش حول السيادة والمساءلة ومدى توازن هذه العلاقة. فمنذ عام 2024، تعيش كينيا على وقع موجاتٍ متتالية من الاضطرابات السياسية، إذ خرج المواطنون احتجاجاً على سياسات الرئيس Ruto غير الشعبية، في ظلّ قمعٍ للتظاهرات وقيودٍ على حرية الصحافة.

اجتماع بين الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، في إطار قمة «Africa Forward 2026» لتعزيز الشراكات الأفريقية.
Loading image...
بدأ ماكرون جولة في ثلاثة دول أفريقية بزيارة إلى مصر.

وإن سمحت كينيا للقوات الفرنسية بالتمركز الدائم على أراضيها، فقد يزيد ذلك من اشتعال التوترات، لا سيّما مع اقتراب موسم الميزانية الذي يُنذر بموجة احتجاجات جديدة.

وفي هذا السياق، أكّد السياسي الكيني Caleb Hamisi أن اتفاقية الدفاع تُعرّض كينيا للاستخدام ورقةً في النزاعات الدولية، وباتت مثار سخطٍ شعبي واسع. وحذّر من أن القوات الأجنبية المتمركزة في البلاد قد تورّط كينيا في عملياتٍ عسكرية أو نزاعاتٍ تخدم مصالح قوى أخرى لا أولوياتٍ كينية.

وقال Hamisi: «لقد دفعت كينيا ثمناً باهظاً جرّاء العلاقات العسكرية الدولية التي كثيراً ما تحوّلها إلى ساحةٍ للصراع بالوكالة، وتُعرّضها بالتالي لأضرار جانبية الحرب». ورأى أن الوجود الفرنسي في غرب أفريقيا شكّل تهديداً أمنياً وخدم مصالح فرنسا من طرفٍ واحد دون عائدٍ ملموس للدول المضيفة. ودعا البرلمان إلى التدقيق في البنود الخلافية في اتفاقيات الدفاع السابقة مع القوى الكبرى.

وأضاف: «يقع على عاتق واضعي الاتفاقية والمفاوض الكيني المخوَّل واجبُ مراجعة البنود الإشكالية في اتفاقيات التعاون الدفاعي السابقة مع القوى العسكرية الكبرى، قبل إلزام كينيا بأيّ اتفاقيةٍ دفاعية دولية جديدة».

في نهاية المطاف، سيتوقّف نجاح هذه الشراكة على ما إذا كانت الاتفاقيات المستقبلية ستُحقّق المنفعة المتبادلة والشفافية واحترام المصالح الوطنية الكينية أو ستُضاف إلى سجلٍّ طويل من الهيمنة الأجنبية على أفريقيا، مُغلَّفةً هذه المرة بعباءة التعاون.

أخبار ذات صلة

Loading...
طائرة روسية من طراز Su-35 تحلق بالقرب من طائرة استطلاع بريطانية فوق البحر الأسود، خلال مهمة مراقبة روتينية.

روسيا تعترض طائرة استخبارات بريطانية فوق البحر الأسود بشكلٍ "خطير"

في حادثة مثيرة فوق البحر الأسود، اعترضت طائرتان روسيتان طائرة بريطانية غير مسلحة، مما أثار قلقاً دولياً حول سلوك الطيارين الروس. هل ستؤثر هذه التوترات على الأمن في المنطقة؟ تابع القراءة لاكتشاف المزيد.
سياسة عسكرية
Loading...
ترامب مبتسم ويرتدي قبعة مكتوب عليها "USA"، يشير بإصبعه إلى الأعلى، مما يعكس موقفه الإيجابي تجاه المفاوضات مع إيران.

ترامب يؤجّل الضربة العسكرية المخطّط لها ضد إيران بسبب "مفاوضات جادّة"

في تحول مفاجئ، أعلن ترامب تأجيل هجومه على إيران استجابةً لضغوط إقليمية، مشيراً إلى مفاوضات جدية قد تثمر عن اتفاق يضمن عدم امتلاك طهران للأسلحة النووية. هل ستنجح هذه الجهود في تهدئة الأوضاع؟ تابعوا التفاصيل.
سياسة عسكرية
Loading...
دونالد ترامب يتحدث للصحفيين، مع وجود ميكروفونات وأجهزة هواتف في المقدمة، في سياق المفاوضات حول الوضع مع إيران.

ترامب يؤجّل الضربة الإيرانية لكن يبقي الجيش في حالة استنفار فوري

في خضم التوترات بين واشنطن وطهران، يبدو أن الضغط العسكري لم يعد كافياً لإيجاد حلول. هل ستنجح المفاوضات في تحقيق السلام؟ تابعوا التفاصيل المثيرة حول الموقف المتأزم وآفاق المستقبل.
سياسة عسكرية
Loading...
الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل يتحدث في مؤتمر، محاطًا بعلم كوبا، مؤكدًا حق بلاده في الدفاع عن نفسها وسط التوترات مع الولايات المتحدة.

كوبا تحذّر واشنطن من "حمّام دماء" في حال التدخّل العسكري

في هافانا، حيث تتصاعد التوترات بين كوبا والولايات المتحدة، يستعد السكان لاحتمال هجوم عسكري، مع تعليمات للدفاع المدني تثير القلق. هل ستصمد الجزيرة أمام هذه التحديات؟ تابع القراءة لتكتشف المزيد عن هذه الأزمة المتفاقمة.
سياسة عسكرية
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمتكنولوجيااقتصادصحةتسلية