موجة جديدة من الإيبولا تهدد حياة الكونغوليين
تواجه جمهورية الكونغو الديمقراطية تفشياً جديداً لفيروس الإيبولا، مع تسجيل أكثر من 300 حالة مشتبه بها و88 وفاة. تزايدت المخاوف في مناطق Ituri مع غياب العلاج، مما يستدعي اتخاذ إجراءات وقائية عاجلة. التفاصيل في خَبَرَيْن.

تواجه جمهورية الكونغو الديمقراطية موجةً جديدة من وباء الإيبولا، لم تمرّ على إعلان نهاية موجته السابقة سوى خمسة أشهر. والسلالة المكتشفة هذه المرة هي سلالة Bundibugyo، التي رُصدت للمرة الأولى في أوغندا المجاورة، وهي سلالةٌ شديدة الفتك تنتشر بسرعةٍ لافتة في مقاطعة Ituri شمال شرق البلاد، وتحديداً في مناطق Rwampara وMongwalu وBunia الصحية. كما تأكّد وجود حالتَين في أوغندا.
في ظلّ غياب علاجٍ نوعي محدّد لهذا الفيروس، تبقى الوقاية والكشف المبكّر وعزل الحالات الركائزَ الأساسية للسيطرة على الوباء. وقد أعلنت منظمة الصحة العالمية (WHO) أنّ هذا التفشّي يُشكّل "حالة طوارئ صحية دولية تستدعي القلق"، وذلك بعد تسجيل أكثر من 300 حالة مشتبه بها و88 حالة وفاة.
قال مسؤولٌ في منطقة Rwampara الصحية طلب عدم الكشف عن هويّته لأنّه غير مخوَّل بالتصريح لوسائل الإعلام: "الناس يموتون هنا كلّ يوم". وأضاف أنّ المنطقة، التي تُعدّ بؤرة التفشّي الرئيسية، سجّلت في المتوسط خمس وفياتٍ يومياً خلال الأيام الثلاثة الماضية، موزَّعةً بين المجتمع المحلي والمرافق الصحية على حدٍّ سواء. وأكّد أنّ "الأولوية القصوى الآن هي إنشاء مركز طوارئ لعلاج الإيبولا".
في Bunia، عاصمة مقاطعة Ituri، يخيّم الخوف وحالة من الغموض على المدينة. قال Constant Ulimwengu، البالغ من العمر 40 عاماً وأبٌ لخمسة أطفال: "نحن في صدمة من عودة الإيبولا في خضمّ أزمةٍ إنسانية وأمنية قائمة. إذا لم يُحتوَ الوباء، فإنّ حياتنا اليومية ستتأثّر بشكلٍ بالغ".
أمّا Sherif Musa، البالغ 29 عاماً وأحد سكّان Bunia، فتذكّر أنّه حضر في أبريل عدّة مراسم عزاء لأشخاص لقوا حتفهم بعد ظهور أعراضٍ تشبه الكوليرا. وقال: "ربّما ترتبط هذه الوفيات غير المعتادة بالإيبولا. أشكّ في أن يتحوّل الأمر إلى تفشٍّ واسع النطاق إذا ثبت ذلك".
حدّدت وزارة الصحة الكونغولية الحالةَ الأولى المشتبه بها بأنّها ممرّضةٌ مجهولة العمر فارقت الحياة في المركز الطبّي الإنجيلي في Bunia في 27 أبريل. وأعلنت الوزارة في بيانٍ لها يوم الجمعة: "كانت هذه الممرّضة تُعاني أعراضاً توحي بمرض فيروس الإيبولا". وأشارت مصادر محلية إلى أنّ مراسم الدفن جرت بصورتها المعتادة، إذ لمس الحاضرون الجثّة ولم تُدفَن وفق الإجراءات الوقائية المعتمدة للحدّ من انتشار الإيبولا. وقد حذّر الخبراء من أنّ ممارسات الدفن غير الآمنة قد تُسرّع من انتشار الفيروس داخل المجتمعات المتلاحمة.
ضغط الكثافة السكانية
يخشى Elie Badjo، المحلّل المتخصّص في التغطية الصحية الشاملة في جمهورية الكونغو الديمقراطية، أن يُعيق انعدام الثقة المجتمعية جهودَ احتواء الوباء. وقال: "عبر منصّة الإنذار المبكّر لدينا، نرى بالفعل تعليقاتٍ تُلمح إلى أنّ القوى الكبرى تريد استغلال الوضع لإجراء أبحاثها، أو أنّ ثمّة خطر إبادةٍ في ظلّ الحرب الدائرة في الشرق".
تسارع السلطات المحلية إلى رفع مستوى الوعي بالمرض وتطبيق التدابير الوقائية. ويُحثّ السكّان على الالتزام ببروتوكولات صارمة للنظافة، تشمل غسل اليدين بانتظام، وتجنّب الاحتكاك بمن تظهر عليهم الأعراض، والامتناع عن تناول لحوم الحيوانات البرية، والابتعاد عن الحيوانات النافقة.
وقال Musa: "اعتدنا على رؤية تفشّيات من قبيل الكوليرا والتيفوئيد والملاريا هنا. من الصعب علينا التمييز بين الإيبولا وغيره. وإذا اتسع نطاق التفشّي، فإنّ مدينتنا غير مستعدّة لمواجهته".
يؤكّد المركز الأفريقي لمكافحة الأمراض والوقاية منها (Africa CDC) ضرورة اتخاذ إجراءاتٍ إقليمية سريعة ومنسّقة. وقال الدكتور Jean Kaseya، رئيس المركز، في ندوةٍ مرئية : "في سياق أيّ تفشٍّ، ولا سيّما حين يتعلّق الأمر بحمّى نزفية، نحتاج إلى عزل جميع الحالات المشتبه بها، وتحديد الأشخاص الذين ربّما أجروا اتصالاً مباشراً أو غير مباشر مع المرضى، وتعزيز المراقبة عبر الحدود".
خطر انتشار هذا التفشّي سيكون أكبر ممّا شهدته عام 1976 في Kikwit
البروفيسور الكونغولي وعالم الفيروسات Jean-Jacques Tamfum Muyembe
يُشكّل احتواء التفشّي في Ituri تحدّياً استثنائياً؛ إذ تتميّز المقاطعة بكثافةٍ سكانية عالية، وتعاني من موجات العنف مع سيطرة جماعاتٍ مسلّحة على أجزاء من أراضيها. فضلاً عن ذلك، تُسهم مناطق التعدين والمراكز التجارية وحركة السكّان المستمرّة في تسريع انتشار المرض.
وقال البروفيسور الكونغولي وعالم الفيروسات Jean-Jacques Tamfum Muyembe، أحد المشاركين في اكتشاف فيروس الإيبولا قبل 50 عاماً : "يقع هذا التفشّي في واحدةٍ من أكثر مناطق الكونغو ازدحاماً بالسكّان، حيث يتنقّل الناس بكثرة. فعلى سبيل المثال، Mongwalu منطقةٌ تعدينية تستقطب أعداداً كبيرة من الناس. كما تبسط الجماعات المسلّحة نفوذها في المنطقة. خطر انتشار هذا التفشّي سيكون أكبر ممّا شهدته عام 1976 في Kikwit".
ويُضيف Ulimwengu: "نحن نعيش أصلاً في أزمةٍ إنسانية. هذا التفشّي الجديد للإيبولا يجعل حياتنا اليومية أكثر هشاشةً وغموضاً. إذا لم تتحرّك السلطات الصحية بسرعة، فإنّ العواقب ستكون وخيمة".
تجدر الإشارة إلى أنّ جمهورية الكونغو الديمقراطية عاشت بين عامَي 2018 و2020 موجتها العاشرة من الإيبولا في مقاطعتَي North Kivu وIturi شرق البلاد، وراح ضحيّتها ما يقارب 2300 شخص. وقد كشفت دروس تلك الموجة عن مخاطر التأخّر في الاستجابة وضعف البنية التحتية الصحية وانعدام الثقة المجتمعية وهي عواملٌ يحذّر الخبراء من أنّها قد تُثقل كاهل منظومةٍ صحية هشّة أصلاً.
استجابةٌ عاجلة لا تحتمل التأخير
يبدو الدفن غير الآمن والتأخّر في الإبلاغ ومحدودية الوصول إلى الرعاية الصحية من أبرز العوامل التي تُغذّي خطر الانتشار الواسع. وتُعدّ أولويات المواجهة: تنسيق التوعية المجتمعية، وتوسيع طاقة الفحص والعلاج، وحماية الكوادر الصحية.
إلى جانب التحدّيات الصحية، تواجه المنطقة ضغوطاً اجتماعية واقتصادية متراكمة؛ إذ تُصعّب حركة السكّان وعمليات التعدين والأنشطة التجارية المحلية جهودَ المراقبة والاحتواء. كما تُعقّد الجماعات المسلّحة جهود الاستجابة بحرمانها الفِرَق الصحية من الوصول إلى مناطق بعينها.
وأكّد الدكتور Jean Kaseya من Africa CDC أنّ عزل الحالات وتتبّع المخالطين وتعزيز المراقبة عبر الحدود تُمثّل ركائز لا غنى عنها لاحتواء التفشّي، مشدّداً على أنّ التعاون الإقليمي والتحرّك السريع كفيلان بمنع امتداد الوباء إلى المقاطعات والدول المجاورة.
في مواجهة موجةٍ جديدة من الإيبولا، تبدو الإجراءات العاجلة ضرورةً لا خياراً، لتفادي تكرار سيناريوهات الأوبئة السابقة. ويبقى الإشراك الفعلي للمجتمعات وحملات التوعية وتعزيز القدرات الصحية أدواتٍ محورية في هذه المعركة. أمّا التقاعس عن التحرّك السريع، فقد يُفضي إلى كارثةٍ صحية عامة واسعة النطاق في واحدةٍ من أكثر مناطق أفريقيا هشاشةً.
Sarah Ihora، البالغة 38 عاماً وأمٌّ لثلاثة أطفال، نزحت من North Kivu واستقرّت في Bunia. وتستحضر اليوم ذكريات القيود التي فُرضت إبّان جائحة كوفيد-19، لتحثّ مواطنيها على التعاون في مواجهة الإيبولا. وقالت: "اليوم ينتشر الإيبولا، وكثيرٌ من الناس هنا في Bunia يتحدّثون عنه. ينبغي للجميع أن يتقبّلوا كلّ التوجيهات الصادرة عن السلطات للحدّ من انتشاره".
أخبار ذات صلة

إطلاق نار في مسجد بسان دييغو والشرطة تتدخّل

تفاقم أزمة الخبز في غزة مع تشديد إسرائيل قيود الوقود والدقيق

تفشّي إيبولا الجديد يشعل سباقاً عالمياً للاحتواء والولايات المتحدة تجلي مواطنيها
