رحيل زو رونغجي رمز الإصلاح الاقتصادي الصيني
وداعاً لقيصر الاقتصاد الصيني زو رونغجي الرجل الذي قاد الصين من العزلة إلى قلب الاقتصاد العالمي بإصلاحات جريئة وانفتاح غير مسبوق ترك إرثاً لا يُنسى في تاريخ التنمية الاقتصادية خَبَرَيْن

في بكين، في صباح أحد أيام مايو 2025، رحل رجلٌ طالما وصفه الصينيون بأنّه الرجل الذي أخرج بلادهم من عزلتها الاقتصادية إلى قلب الاقتصاد العالمي. أعلنت وكالة أنباء الصين الرسمية «شينخوا» وفاة رئيس الوزراء الأسبق Zhu Rongji إثر مرض، عن عمرٍ ناهز 97 عاماً، تاركاً وراءه زوجته وطفلَيه.
شغل Zhu منصب رئيس الوزراء بين عامَي 1998 و2003، وكان يُلقَّب بـ«قيصر الاقتصاد الصيني»، وهو لقبٌ لم يأتِ من فراغ. فقد قاد البلاد نحو تحرير السوق والانفتاح على العولمة، وحوّل اقتصاداً مركزياً مغلقاً إلى قوّةٍ تجارية تتشابك مع أسواق العالم.
بالنسبة لملايين الصينيين الذين عاشوا تلك الحقبة، يُشكّل رحيله نهايةً رمزية لعصرٍ كان فيه التفاؤل الاقتصادي سمةً جماعية. إصلاحاتٌ أفضت إلى تراجعٍ حادّ في معدّلات الفقر، وصعودٍ متسارع للطبقة الوسطى، وتهافتٍ للشركات الأجنبية على السوق الصينية الواعدة. أمّا اليوم، فثاني أكبر اقتصادٍ في العالم يُعاني من تباطؤٍ ملموس، بعد عقودٍ من النموّ غير المسبوق الذي صنعه قادةٌ من أمثال Zhu.
نعى الحزب الشيوعي الحاكم رئيس الوزراء الراحل في بيانٍ رسمي، أشاد فيه بدوره خلال «مرحلةٍ بالغة الأهمية» من تحوّل البلاد «من الاقتصاد المخطّط إلى اقتصاد السوق الاشتراكي». وأبرز البيان ما وصفه بـ«المحبّة العميقة» التي كنّها Zhu للشعب، مستشهداً بتوجيهاته للمسؤولين بأن يتذكّروا دائماً أنّهم خدمةٌ للعامة، وأن يجرؤوا على قول الحقيقة دون خشيةٍ من أحد، وأن يبتعدوا عن الامتيازات الخاصة.
مسيرةٌ بدأت بالنفي وانتهت بالتاريخ
وُلد Zhu Rongji في مقاطعة هونان جنوبي الصين، وتخرّج من جامعة Tsinghua العريقة بشهادةٍ في الهندسة الكهربائية، قبل أن يلتحق بجهاز التخطيط الاقتصادي للدولة. غير أنّ مسيرته المبكّرة اصطدمت بعواصف حقبة Mao Zedong السياسية؛ فقد طُرد من الحزب الشيوعي في أواخر الخمسينيات بسبب انتقاده لسياسات الحكومة الاقتصادية، ثمّ تعرّض لحملةٍ تطهير ثانية خلال الثورة الثقافية في العقد التالي.
بعد رحيل Mao، أُعيد الاعتبار لـZhu سياسياً وسُمح له بالعودة إلى الحزب. تدرّج في سلسلةٍ من المناصب الاقتصادية حتى أصبح عمدةً لشنغهاي عام 1988، حيث استقطب انتباه المهندس الأكبر للإصلاح Deng Xiaoping. في عام 1991، كُلِّف بإدارة الاقتصاد نائباً لرئيس الوزراء، ثمّ رُقِّي إلى منصب رئيس الوزراء بعد سبع سنوات، ليصبح الرجل الثاني في الدولة.
«إن كان أمامي حقلٌ من الألغام أو هاويةٌ سحيقة، فسأمضي دون تردّد»
كان Zhu تكنوقراطياً عنيداً، لا يُساوم حين يتعلّق الأمر بالإصلاح. أخمد التضخّم الجامح، وأعاد هيكلة منظومة العملة، وقاد الاقتصاد الصيني بثباتٍ خلال الأزمة المالية الآسيوية عام 1997. لكنّه كان يعلم أنّ الإصلاح الحقيقي يستلزم قراراتٍ مؤلمة.
دفعه مسعاه لتحديث الشركات المملوكة للدولة وتخليصها من ترهّلها إلى إطلاق موجة تسريحٍ طالت ما يُقدَّر بـ40 مليون عامل قرارٌ أثار موجةً من الانتقادات الحادّة. وحين قاد مفاوضات انضمام الصين إلى منظمة التجارة العالمية (WTO) عام 2001، اتّهمه بعض المسؤولين بتقديم تنازلاتٍ مفرطة، بل ذهب بعضهم إلى حدّ اتّهامه بالتفريط في المصالح الوطنية.
بيد أنّ التاريخ أنصفه. فقد غدا انضمام الصين إلى منظمة التجارة العالمية نقطةَ تحوّلٍ فارقة في اندماجها مع الاقتصاد العالمي، وفتح الباب أمام نموٍّ بأرقامٍ مزدوجة امتدّ لسنواتٍ طويلة. وقد أدرك المحلّلون لاحقاً أنّ ما بدا تنازلاتٍ في حينه كان في الواقع رهاناً استراتيجياً رابحاً.
نال Zhu شعبيةً واسعة في مجتمعٍ اعتاد على خطابات المسؤولين المُعدّة سلفاً، وذلك بفضل لسانه الحادّ وبديهته السريعة وطباعه المتقدة. وفي مؤتمرٍ صحفي عام 1998، لحظة توليه رئاسة الوزراء، أطلق عبارته الشهيرة: «لا يهمّني إن كان أمامي حقلٌ من الألغام أو هاويةٌ سحيقة، فسأمضي دون تردّد، وسأبذل قصارى جهدي حتى آخر لحظة».
إرثٌ يتجاوز الأرقام
في تقديمه لمجموعةٍ تضمّ كتاباتٍ وخطابات Zhu، كتب وزير الخارجية الأمريكي الراحل Henry Kissinger أنّ الرجل كان يمتلك «عقلاً ثاقباً» تصارع مع «واحدٍ من أهمّ برامج الإصلاح في التاريخ الحديث».
خلال أكثر من عقدٍ من قيادته للسياسة الاقتصادية نائباً لرئيس الوزراء أوّلاً في مطلع التسعينيات، ثمّ رئيساً للوزراء في عهد الزعيم الراحل Jiang Zemin الذي توفّي أواخر عام 2022 جسّد Zhu رؤية Deng Xiaoping للإصلاح والانفتاح بلا هوادة ولا مساومة.
رحل Zhu Rongji وخلفه ليس مجرّد أرقام نموٍّ وإحصاءات تجارة، بل حقبةٌ بأكملها: حقبةٌ آمنت بأنّ الانفتاح ممكنٌ، وأنّ الإصلاح يستحقّ ثمنه مهما كان باهظاً.
أخبار ذات صلة

الصين تحقق نقلة في الصواريخ القابلة لإعادة الاستخدام وسط سباق مع أمريكا

الصين تفرض قانوناً موحداً على الأقليات العرقية: التكامل أو العقوبات

اصطدمت طائرة صغيرة بأطول ناطحة سحاب في العاصمة الصينية وبعد ساعات، كان الأمر وكأن شيئًا لم يحدث
